مراحل تطور اللغة العربية الفصحى
أ.د. علي عمار
لا يمكن فصل لغتنا عن تاريخ امتنا ، لأن تاريخ امتنا لم يعد محصورا في صحراء الجزيرة وعوالي هوزان أو أدوية تميم ، فقد أثبتت النقوش والآثار والحفريات الحديثة عن حقبة تاريخية تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، كما كشف علم اللغات المقارن عن علاقات لغوية لعربيتنا الفصحى تمتد إلى العراق والشام ومصر والحبشة وفارس ، وقد كان القدماء على حق حينما قسموا العرب إلى بائدة وعاربة ومستعربة. ذلك أن الدراسات الحديثة تشير إلى العلاقات السامية التي كانت تعم منطقة الشرق الأوسط والتي كانت تمثل حضارة واحدة ، ولغات متقاربة وشرائع ومجتمعات وديانات وفنون... لا يختلف بعضها عن البعض إلا في ملامح قليلة.
ثم تميزت الحضارة العربية الجنوبية التي ازدهرت بما يزيد عن ألفي عام (2000 ق.م) القرن الأول الميلادي ، ثم أخذت بعدها في الاضمحلال تدريجيا لتحل محلها حضارة أهل الشمال من أنباط وتدمريين وغساسنة ومناذرة وقرشيين.
ومراحل لغتنا تمثل هذه الأطوار التاريخية لأمتنا ، فقد كانت واحدة من اللهجات السامية السائدة في المنطقة إبان سيادة الحضارة السامية ، ثم استقلت العربية الجنوبية مبرزة خصائصها التي أبعدتها قليلا أو كثيرا عن السامية الشمالية (أشورية وبابلية وآرامية وفينيقية وعبرية...) حتى إذا أذن نجم الدول العربية الجنوبية بالأقوال ، ولاح في الأفاق بزوغ نجم عرب الشمال بدأت العربية الشمالية تزاحم العربية الجنوبية وتزحزحها عن مكانتها في شبه الجزيرة العربية إلى أن تبلورت الفصحى وانفردت بخصائص عن العربية الجنوبية.
ومرة أخرى فقد أصاب القدماء حينما ذكروا أن العرب البائدة وهم (المعينيون والحضرميون والقتيانيون والاسيانيون...) لقنوا لغتهم إلى العرب العاربة (عرب الجنوب) من سبأ وحمير ، وهؤلاء علموها إلى العرب المستعربة (عرب الشمال). فقد أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة أن هناك علاقات عديدة بين لغات الساميين ولغة عرب الجنوب ، كما أثبتت أيضا أن لغة عرب الشمال (الفصحى) لا تبتعد كثيرا في خصائصها العامة ومفرداتها عن لغة عرب الجنوب.
وفي دراستنا هذه سوف نركز اهتمامنا على هذه الصلات بما يكفي من الإيجاز لنبين الروافد التي ساهمت في تغذية لغتنا ، والمراحل التي مرت بها حتى وصلت إلى الصورة التي نجدها في القرآن الكريم والشعر الجاهلي.
العربية الفصحى واللغات السامية (الحامية) :
تشترك اللغة العربية مع عائلة اللغات السامية –الحامية (1) في كثير من الخصائص لأن منطقة جنوب غرب آسيا وسواحل إفريقيا وشمالها تكون بيئة جغرافية واحدة ، تتميز بغلبة المناطق الصحراوية عليها. ويذهب د. رالف لينتون : إلى أن سكان هذه المنطقة تكلموا لغات ذات صلة بعضها ببعض ، وهي الأصول التي جاءت منها اللغة الأسيوية الإفريقية فيما بعد (2) وفي رأيه أن اللغات والحضارات تتجه نحو التوحد كلما كانت العقبات الطبيعية قليلة ، ومن هنا جاء التشابه في اللغة والحضارة بين سكان مناطق جنوب غرب آسيا (الجزيرة العربية والعراق والشام) وبين سكان سواحل شرق وشمال إفريقيا. فالعلاقات الطبيعية بين تضاريس هذه المنطقة والعلاقات اللغوية والحضارية التي انبثقت عنها ، تطالعنا على أقدم الخصائص التي اكتسبتها لغتنا ، حين كانت تجتاز مرحلة " حضارة الصيد " وهناك العديد من أوجه التشابه بين قواعد " اللغات السامية وقواعد اللغات الحامية (3) ولعل اللغة المصرية القديمة تقدم كخير دليل على هذا التشابه القوي بين اللغات السامية والحامية (4) حتى ذهب بعضهم إلى اعتبار المصرية القديمة لغة سامية.
ويعزو الدكتور رمسيس جرجس هذا التشابه اللغوي بين الساميات والحاميات إلى انحدار الساميين والحاميين من أرومة مشتركة ، موطنها بلاد العرب ، وتاريخها يعود إلى أكثر من عشرة ألاف سنة (5) أما المؤرخ الألماني " ادوارد ماير " فيرجع الأصل الحامي في شمال إفريقيا ووادي النيل والصومال إلى سلالات قوقازية ، عبرت مضيق جبل طارق ، ومنه ساحت في مناطق شمال إفريقيا ووادي النيل حتى وصلت الحبشة ثم الصومال (6). وسواء أخذنا بالتفسير الجغرافي الذي قدمه لنا د. (رالف لينتون) سابقا ، أو اعتمدنا أحد هذين الاتجاهين الذين يعولان على الأعراق في تفسير التشابه بين اللغات السامية والحامية ، فإن الحقيقة اللغوية تظل ثابتة وواضحة ، وهي أن التشابه بين الأسرتين السامية والحامية كبير وأن الخصائص المشتركة بينهما عديدة.
العربية الفصحى واللغات السامية :
اجتاح الغزو السامي منطقة الهلال الخصيب وبلاد شرق وشمال إفريقيا الكره تلو الكره وترك الساميون طابعهم على منطقة الشرق الأوسط كلها (شبه الجزيرة العربية ، العراق ، الشام سيناء ، صحراء مصر الشرقية ، الحبشة) بداية من الألف الرابع ق.م (7) .
ولما كانت لغتنا العربية تنتمي إلى هذه الكدية السامية فإن معرفتنا لخصائص اللغات السامية إنما تعني بالضرورة اطلاعنا على بعض خصائص لغتنا في ذلك التاريخ البعيد.
ويوجز الدكتور إسرائيل ولفنسون الخصائص العامة للغات السامية فيردها إلى مواصفات ثلاث أساسية هي :
1- اشتقاق الكلمات من أصول ثلاثية أو ثنائية.
2- جعل الفعل هو الأصل الاشتقاقي الذي تصدر عند الكلمات (8) .
3- العناية في الكتابة بالحروف الصامتة دون الصائتة.
واللغات السامية عموما – بما فيها العربية الفصحى – تتشابه والعديد من المفردات والضمائر والأعداد وأسماء الموصل وأسماء الإشارة وبعض الأسماء الدالة على القرابة (أب - أخ - أم) وكثير من الأفعال المستعملة في الحياة اليومية (9).
وليس للفعل في اللغات السامية سوى زمنين هما : ماض ومضارع يستخدم للزمن الحالي وللمستقبل وتؤنث الصفات والأسماء بإضافة تاء للتأنيث على المذكر ويلاحظ في اللغات السامية عامة أن الحروف الصامتة (Consonant) تحدد المعنى العام للكلمة وتقوم الحروف الصائتة (الحركات وحروف المد) بأحداث تغيرات في المعاني الفرعية (10).
الفصحى والعربية الجنوبية :
أقرب اللغات السامية إلى عربيتنا هي " العربية الجنوبية " فلغتنا العربية وليدة العربية الجنوبية وخصائص العربية الجنوبية هي خصائص الفصحى في مراحلها الغابرة ، ولهجات العربية الجنوبية ليست إلا صورا تاريخية للفصحى (11).
وتتشابه اللغتان في الضمائر وأسماء الإشارة وأسماء الموصول والأعداد والظروف وطائفة كبيرة من الأسماء والأفعال والمصادر كما تتشابه اللغتان في الأفراد والتثنية والجمع والتعريف والتذكير والتأنيث ، والتصغير والصفة التي تتبع الموصوف وحروف الجر والعطف والنفي (12).
ويذهب البعض إلى أن اليمن هي الموطن الأول الذي خرجت منه جميع الهجرات السامية ، وهي بذلك تعتبر مهد اللغات السامية جميعا (13). والقول بتباين اللغتين خطأ واضح أساسه إغفال العامل الزمني بين اللغتين ، ذلك أن اللغة الواحدة أحيانا يطرأ عليها من التطور والتبدل ما يجعلها بعيدة جدا عن جذورها الأولى ، فكيف تتباين اللغتان وقد نشأتا في بيئة واحدة لأمة واحدة ، توحد بين شعوبها الظروف السياسية والاجتماعية والدينية والعمرانية... ويلتقي شمالها وجنوبها في الأسواق والحواضر والأيام والهجرات والمتاجر... وغير ذلك من وشائج القرابة ودواعي الاتصال والتواصل.
الفصحى واللغات السامية في العراق والشام :
نعني باللغات السامية هي الأكدية (الاشورية والبابلية) في العراق ، والكنعانية (الفينيقية – العبرية الارامية) في الشام.
والتشابه بين هذه اللغات والعربية الفصحى لا يقل خطورة ووضوحا عن التشابه بين الفصحى والعربية الجنوبية ، ذلك أن ملامح الأعراب والتنوين والتثنية والجمع السالم بنوعيه موجود في الاكدية (14) مثل الفصحى تماما ، كما وجدت ظاهرة الأعراب والعديد من جموع التكسير في اللغة الاوجرتية (الفينيقية) وهي لغة يعود تاريخها إلى سنة 1400 ق.م. وقد ذهب ابن حزم إلى أن العربية الفصحى والسريانية والعبرانية لغة واحدة ، تغيرت بتغير مساكن أهلها (15) وهذا ما كشفت عنه الدراسات السامية المقارنة في العصر الحديث (16).
وفي هذا المجال يمكن أن نقدم جدولا بيانيا يوضح بعض أوجه التشابه بين الفصحى وأخواتها الساميات في العديد من الجوانب (17).
الكلمة العربية الفصحى السبئية المعينية الاكدية (البابلية – الآشورية) الآرامية العبرية
ضمير المتكلم
ضمير المتكلمين
ضمير الغائبين
ضمير الغائبات
اسم الإشارة
اسم الإشارة المؤنثة
اسم الإشارة للجمع
العـــدد (6)
سمـــاء
شمــس
د م أنا
نحن
هم
هن
ذا ، هذا
ذي ، هذه
أولاء ، هؤلاء
ست
سمــاء
شمــس
د م ana
nahnu
homu
huna
zan:s
zat
-
سســو
سمـاي
شمـس
د م anaku
aninu
sinu
sina
suatu
siati
ulluti
شــشو
شـمــو
شمـشو
دمـــو Ena
Enahnan
henoun
henen
hono
hode
holen
شــــت
شــيـــا
شمشــا
دمــــا ani
anahnu
hema
hen
ze
zot
hahen
شـــش
شمايم
شمــس
د م