#البيان_في_تجليات_القرآن: دلالة الجمع والمفرد ( أمانيهم /برهانكم)
د. أحمد درويش
يقول تعالى : ﴿وَقالوا لَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إِلّا مَن كانَ هودًا أَو نَصارى تِلكَ أَمانِيُّهُم قُل هاتوا بُرهانَكُم إِن كُنتُم صادِقينَ﴾ [البقرة: ١١١]...
يوقظ النظر أن أمنية الفريقين: (اليهود والنصارى) واحدة وهي دخول الجنة!! لكن القرآن عبر بالجمع (أمانيهم ) ...
وهنا يتبادر إلى ذهنك ثلاثة الأسئلة :
الأول : لم كان المبتدأ ( تلك ) مفردا ، وجاء الخبر ( أمانيهم ) جمعا ؟ ...
الثاني : الأمنية واحدة وهي دخول الجنة ، فلم كان التعبير بالجمع ( أمانيهم) ، لا ( أمنيتهم) ؟
الثالث: لم جاءت كلمة ( برهانكم) مفردا؟
أما الإجابة عن السؤال الأول فلا حرج في ذلك...
* فاسم الإشارة ( تلك ) قد يأتي خبره مفردا كقوله تعالى :﴿وَتِلكَ نِعمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَن عَبَّدتَ بَني إِسرائيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]...
*وقد يأتي جمعا ، كقوله تعالى ﴿ وَتِلكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَينَ الناس﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، فلا مشكلة في ذلك ...
أما الإجابة عن التساؤل الثاني ، فهي تحتاج فضل نظر ، وزيادة تأمل في قراءة السياق...
الحق أن هذا الجمع كما ذكر العلماء كأبي السعود وابن عاشور وغيرهما يشير إلى أمور :
*الأول : أن هذه الأمنية عاشها الفريقان ليلٙ نهارٙ وآمنوا بها ؛ حتى صارت الأمنية أماني ... فالجمع يعبر عن سيطرة عميقة للفكرة في نفوسهم وأفئدتهم بطرائق مبالغ فيها ، فكأنها منتشرة في كل نحو من أنحائهم ، وكأن كل أمانيهم هي تلك الأمنية ...
*الثاني :جمع الكلمة ( أمانيهم ) يعبر عن صدورها من كل واحد من الفريقين ، فصارت أمنية كل واحد دخول الجنة ؛ لذا وجدنا الفعل ( قالوا) بواو الجماعة وكأن كل واحد من الفريقين قال ذلك ، وظل يرددها دون توقف ... يقول أبو السعود في ( إرشاد العقل) : " الجمع باعتبار صدوره عن الجميع" فدل الجمع على كثرة القائلين والمتمنين... فناسب ذلك جمع الكلمة على ( أمانيهم)
*الثالث : هنا يجب أن نصحح لغطا في الآية ، فقد يظن قارئ القرآن أنهم قصروا دخول الجنة عليهما ، ( معا ) (ووحدهما ) ... ، لا ، فالفهم الدقيق هنا : أن اليهود قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، فالنصارى ليسوا من أصحاب الجنة ... والنصارى قالوا : لن يدخل الجنة إلا النصارى ، فاليهود ليسوا من أصحابها بدليل قوله تعالى ﴿وَقالَتِ اليَهودُ لَيسَتِ النَّصارى عَلى شَيءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيسَتِ اليَهودُ عَلى شَيءٍ وَهُم يَتلونَ الكِتابَ ﴾
[البقرة: ١١٣] ( وهي أصدق كلمة حقيقة ) ...فجاء الجمع هنا هو الأدق لأنه يعبر عن تصارع الأماني ﻻ اتحادها ويلقي الضوء على التناحر والتحاسد بين المغضوب عليهم والضالين ؛ فكل فريق يريد (وحده) دخول الجنة ومنع الآخر الدخول ...
وتتأمل الرد هنا (قل هاتوا برهانكم) أمر على سبيل التعجيز، فتجد أن الرد جاء بالإفراد ( برهانكم) لا ( براهينكم)، وهذا المفعول هو قمة التحدي فإذا عجزتم عن الإتيان ببرهان واحد على صدق كلامكم فأنتم أعجز عن الإتيان ببراهين عدة...
قل لي بربك: أليس اللغويون ذوي حظ ونصيب؛ لقربهم من هذا الجمال، وهذا الفقه الذي يغشاهم ليل نهار؟!!
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
المصدر