هَلْ تُعدُّ الإساءَةُ إلى التراث ولُغته وأهله مَشروعاً علمياً حَداثياً مُتواصلاً مُواكباً العصرَ، أو هو مَشروعُ مَن لا مَشْروعَ لَه ؟
د. عبد الرحمن بودرع
كَفى بكثير من الباحثين الحَداثيين إساءةً أن يَرَوْا في الإفادَةِ من التُّراث وحِفْظِه مَزلّةً وسُقوطاً، وأن يَحقروا أهلَ التراثِ ومَشْمولَه، وأن يَرَوْا العلمَ منحصراً في فرنسا والثقافَة الفرنكفونية وأهلها، مَقصوراً على أسماءِ أعلام جاوَزَتْهم عَجَلَة التّطوّر في الإنسانياتِ إلى غيرهم في غير فَرنسا... فأغلبُ الباحثينَ يَعلَمُونَ أنّ الفرنسيةَ تَراجَعَت إلى صفوف متخلّفة في ترتيب اللغات والثقافات، وأن الريادَة ما زالَت للإنجليزيّة والصينية وربَّما الألمانيّة، فالمَعايير الدّوليّة في العلوم عامة والعُلوم الإنسانية خاصةً لَم تَعُدْ مبنيةً على التراث الفرنسيّ أو الأدبيات الفرنسيّة.
لِمَ لا نسألُ أنفُسَنا عَن سرّ بَقاء التراثِ العربيّ الإسلاميّ الذي لا نفتأ ننالُ منه وننقصُ من شأنه، فإن اعترَفَ الواحد منّا به فلا يَعترف منه إلاّ بأسماءٍ يسيرةٍ جدا مما وافَقَ فهمَه وألْغى ما تعذّر عليْه استيعابُه لقلّة زادِه وأدواته. كثيرٌ من باحثينا يُهينونَ غيرَهم ويحقرونهم ويحكمونَ عليْهم بالتّخلُّف الفكري والمنهجي وعَدَم الالتحاق برَكب التطور.
نَعَم، قد نُسلّم لبعض باحثينا بحريّة التهجّم إن كانَ الإزراءُ مذهباً لَهم وعَقيدةً، ولكن ماذا وَراءَ ذلكَ من بَدائلَ نُقدّمُها لإقناع الناس بجَدْواها ولإغنائهم بها عن هذا التراث؟ دَعونا من الألفاظ الكبيرَة اللافتَة وأسماء الأعلام الرّنّانَة الذين يُجْعَلُونَ تَماثيلَ مَنْصوبَةً تُضْفَى عليْها طقوسُ والتّبجيل، وتُجعَلُ رأسَ كل تطوّر ومصدر كل نهضة وأنّ الناسَ اليومَ في أوربا بأسرها ما زالوا ولا يَزالونَ عالةً على جَماعةٍ من بدايات القرن العشرين وأواسطه.
أزعُم أنّ الذي يَدَفَعُ كثيراً من باحثينا إلى احتقار التّراث والإزراءِ على أهله والرفع من شأن فرنسا وبعض أعلامها في علوم اللغة أنّهم لم يُطوّروا علمَهم ولم يُواكبوا الجديدَ، اكْتفاءً بما علقَ بالذّهن في زمَن الطَّلَب فاصبحْنا نجعلُ الإزراءَ على التراث وأهله ولُغته وترديدَ مُصطلحات وأسماء أعلام زادَنا الكافيَ الذي نملأ به الدّنيا ونَشْغَلُ الطلابَ والناسَ أجمَعينَ.
المصدر