هل يشبه وضع العربية وضع "الماندرين"؟
في نقده للداعين إلى اعتماد الدارجة كلغة تدريس باعتبارها لغة حية ومتداولة في التخاطب اليومي، لتكون بديلا عن العربية التي هي لغة غير متداولة في هذا التخاطب، يعطي الأستاذ أوريد مثال لغة "الماندرين" الصينية. يقول: «ويمكن [...] أن نستشهد بمثال مضاد هو مثال الصين التي لها لغة موحدة هي الماندران، يفقهها المتعلمون، ولم يحُل جانبها النخبوي من أن ترتقي بالعلوم، وأن تصبح الصين قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية يضرب لها الحساب» (صفحة167).
في الحقيقة، مثال لغة "الماندرين" الصينية يُثبت عكس ما يريد أن يُقنعنا به السيد أوريد، وهو أن لغة نخبوية ومدرسية وغير مستعملة في التخاطب، مثل العربية، يمكن أن تصبح لغة علم واقتصاد وتكنولوجيا مثل لغة "الماندرين" الصينية، كما يعتقد. مع أن وضع لغة "الماندرين" مختلف جذريا عن وضع العربية. ذلك أن هذه اللغة الصينية، إذا كانت قد فُرضت، مثل العربية بالمغرب، كلغة موحّدة على جميع الصينيين، بما فيهم الأغلبية من الذين لم تكن تشكّل "الماندرين" لغتهم الأم التي يتداولونها في التخاطب اليومي، إلا ان هذه اللغة كانت موجودة في الأصل كلغة أم ولغة تخاطب يومي لسكان الشمال وجزء من وسط الصين {Chinoise (civilisation), Encyclopédie Universalis}. ولهذا فإن فرضها، سياسيا وتعليميا، يؤدّي، بعد جيلين أو أكثر، إلى اكتسابها كلغة أم وتخاطب يومي حتى بالمناطق التي كانت في الماضي تستعمل لهجات أخرى كلغات أم وتخاطب يومي، وذلك بحكم أنها لغة حية ومتداولة ومستعملة في التخاطب، يمكن تعلّمها في البيت والشارع والسوق والمعمل... وهذا يصدق على كل اللغات الحية المستعملة في التداول كالإنجليزية والإسبانية اللتيْن أصبحتا لغتي التخاطب اليومي عند ملايين السكان الأصليين (الهنود الحمر) في القارة الأمريكية، رغم أن هؤلاء كانوا، قبل أن تفرض عليهم الإنجليزية والإسبانية، يتخاطبون بلهجاتهم المحلية الأصلية. بل قد نجد بعض الأسر المغربية تستعمل الفرنسية كلغة تخاطب وتداول، مما يجعل أبناءهم يكتسبونها كلغة أم.
أما العربية فليست بلغة تداول وتخاطب يومي في منطقة ما من المغرب ـ ولا في أية منطقة في كل الدنيا ـ، ثم فُرضت لتكون لغة كل المغاربة وفي كل جهات المغرب، على غرار لغة "الماندرين". وبالتالي فلن تصبح أبدا يوما ما لغة تخاطب في الحياة بالمغرب ولا في أي بلد في العالم، بل تبقى لغة كتابة تُكتسب في المدرسة أو ما يقوم مقامها، ولغة غائبة عن التداول كلغة تخاطب في الحياة. فلا مجال إذن للمقارنة، من هذه الناحية، التي تخص لغة أقلية بمنطقة معيّنة تُفرض على الأغلبية كلغة للجميع، بين لغة "الماندرين" واللغة العربية.
من جهة ثانية، ولو أن هذه المسألة ليست بذات أهمية كبيرة، لا ينبغي أن نتجاهل أن لغة "الماندرين"، إذا لم تكن في الأصل لغة كل مناطق الصين وكل الصينيين، فإنها، مع ذلك هي لغة صينية، نشأت تاريخيا بالصين وتكلّمها صينيون وفي مناطق صينية (الشمال والوسط). وهو ما يسهّل تبنّيها كلغة موحّدة وجامعة ولو أن هذا التبنّي كان في البداية قسريا فُرض فرضا لأسباب سياسية وتعليمية. أما العربية فهي ليست بلغة مغربية ووطنية، إذ لم تنشأ تاريخيا في المغرب ولا تنتمي إلى موطنه، وإنما هي أجنبية جاءته من خارج شمال إفريقيا. فلا مقارنة، هنا أيضا، بين "الماندرين" والعربية مع وجود الفارق بينهما.
العربية واللغة الصينية القديمة:
أما اللغة الصينية التي يمكن مقارنتها بالعربية، للتشابه والتقارب الكبيرين بينهما على مستوى الوظيفة والتداول، فهي ما يُعرف في الصين بـ"لغة الكتابة"، والتي تسمّى هكذا لأنها لغة خاصة بالكتابة ولا تستعمل إلا لهذا الغرض ولا وجود لها كلغة للكلام والتخاطب، والتي احتفظت بهذه الوظيفة الكتابية الحصرية منذ عشرين قرنا دون أن يتغّير وضعها أو وظيفتها المقصورة على الاستعمال الكتابي (Encyclopédie Universalis). وهذه اللغة الصينية لا تختلف كثيرا عن العربية التي تشترك معها في العناصر التالية:
ـ هي لغة خاصة بالكتابة مثل العربية،
ـ يحتاج تعلّمها إلى مدة طويلة مثل العربية،
ـ تشكّل، بسبب ذلك، ومثل العربية، لغة نخبوية لا يستعملها للقراءة والكتابة إلا المتعلّمون فقط، بحكم أنها لغة لا تستعمل في الكلام والتخاطب،
ـ هي لغة عتيقة وتراثية لم تتغيّر منذ عشرين قرنا، مثل العربية التي هي أيضا عتيقة وتراثية ودينية، بقيت هي نفسها منذ خمسة عشر قرنا.
أما الفرق بين هذه اللغة الصينية، العتيقة والتراثية والجامدة والخاصة بالكتابة، واللغة العربية التي تشترك معها في نفس الخصائص، فهو أن الصينيين لم يصبحوا على ما هم عليه من تقدّم وعلم وتكنولوجيا وازدهار اقتصادي بلغتهم تلك، العتيقة والتراثية والجامدة والخاصة بالكتابة، وإنما بلغتهم الجديدة الثانية، "الماندرين"، التي هي في الأصل لهجة مستعملة بشمال الصين وبعض أقاليم الوسط، كما ذكرت. لكن الصينيين سيعمّمونها كلغة موحّدة وجامعة، كما أشرت، لتصبح هي لغة الكتابة والمدرسة والصحافة والعلم والاقتصاد، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بوظيفتها الأولى كلغة تخاطب وتداول يومي، عكس اللغة الصينية الأولى التي كانت مقطوعة الصلة بالحياة بحكم أنها لا تستعمل في الكلام ولا في التخاطب والتداول.
فالحالة التي كان يمكن مقارنتها في المغرب بحالة "الماندرين"، ليست إذن حالة اللغة العربية، التي تشبه حالة اللغة الصينية الأولى، العتيقة والتراثية والجامدة والخاصة بالكتابة، ولا علاقة لها بـ"الماندرين"، وإنما هي الحالة التي تُفرض فيها دارجة وجدة أو مراكش أو جبالة، مثلا، على جميع المغاربة، كلغة موحّدة وجامعة تُستعمل في الكتابة والتعليم والمدرسة والإدارة، أو الحالة التي تُفرض فيها، مثلا، أمازيغية سوس أو الريف أو فيكيك أو آبت يزناسن على جميع المغاربة كلغة موحّدة وجامعة تُستعمل في الكتابة والتعليم والمدرسة والإدارة...
هل تستقيم ثورة ثقافية من غير ثورة لغوية؟
كتاب "من أجل ثورة ثقافية بالمغرب" يتناول، كما يدل على ذلك عنوانه، شروط تحقيق ثورة في الثقافة، والتي تعني في الكتاب معناها الضيق المدرسي المعروف، وهو الفكر والمعرفة، كما في قولنا فلان مثقف، أي مفكر ومتعلم. فالثورة الثقافية، حسب مدلولها في الكتاب، هي إذن ثورة في الفكر والمعرفة. ولأن أداة التعبير عن الفكر والمعرفة هي اللغة، فإن ثورة ثقافية ما، أي ثورة في الفكر والمعرفة، لا بد أن تسبقها، كشرط ووسيلة، ثورة في اللغة. ولا يتعلق الأمر فقط بتطوير اللغة القائمة وتحديثها، أو تبسيطها وتيسير استعمالها، كما يدعو إلى ذلك العديد من المهتمين بشؤون التربية والتعليم. فهذه إجراءات تدخل في إطار الإصلاحات ولا علاقة لها بالثورة. وهي الإصلاحات التي ينتقدها الكاتب، حيث يقول عنها: «إن الإصلاحات التي تم اعتمادها لم يكن ليرتقي بتعليمنا، وأفضت إلى تفاقم الوضع، واصطدمت بما يسميه الفيلسوف كاستون باشلار بالعوائق الإبستمولوجية. ولا مندوحة من إجراء قطيعة» (صفحة 223).
تطبيقا للمفهوم الباشلاريين، "العائق الإبستمولوجي"، سنلاحظ أن اللغة العربية تشكّل "عائقا إبستمولوجيا" حقيقيا، لأن استعمالها كلغة أولى وأساسية، حتى وإن لم تكن لغة تدريس العلوم، يعيقنا عن:
ـ الوعي بأن هويتنا الجماعية، نحن المغاربة وسكان شمال إفريقيا عامة، ليست عربية، وذلك بسبب كون اللغة العربية، كما سبقت الإشارة، لغة هوياتية لا تنفصل عن العروبة بمفهومها العرقي والهوياتي، مما يجعل وظيفتها تتجاوز، كما فات شرح ذلك، ما هو لغوي لتصبح انتماء عروبيا،
ـ التفكير بطريقة علمية، ليس فقط لأن العربية لا تُنتج علما كما يقول الأستاذ أوريد، وإنما لأنها لغة دين وتراث، تجعل التفكير، نتيجة العلاقة التلازمية بين اللغة والفكر، ينصبّ على مسائل غيبية وموضوعات "ميتة" تنتمي إلى الماضي،
ـ إدراك أن اللغة العربية عائق وإصْر، بسبب ارتباطها بالمقدّس الديني والاعتقاد أنها لغة اختارها الله ليخاطب بها البشر، مما يجعلها، حسب هذا الاعتقاد، أفضل اللغات وأقدسها وأكملها. مما لا يسمح بالتفكير في تجاوزها وعدم استعمالها الافتراضي كلغة أولى وأساسية.
وهنا تكون "القطيعة"، بالمفهوم الباشلاري كذلك، هي القطع مع اللغة العربية، وذلك بالتخلّي عنها كلغة أولى وأساسية، واستبدالها بلغات أخرى. وهي قطيعة تتجاوز مجرد التراجع عن التعريب لتشمل إعادة النظر، عمليا وجذريا، في الوضع اللغوي في المغرب وتمثّلنا لهذا الوضع. ولهذا لا يكفي التدريس باللغات الأجنبية، بدل العربية، لإحداث مثل هذه القطيعة اللغوية. بل ستكون هناك قطيعة عندما تُهيّأُ الأمازيغية والدارجة لتكونا لغتي الهوية والمعرفة والمدرسة. هذا ما يرفضه الأستاذ أوريد بحجة أنه لا يمكن المطابقة بين اللغة العربية واللغة اللاتينية (صفحة 167)، التي استبدلت، منذ القرن السادس عشر، بلغات قومية جديدة وناشئة.
عن سؤال "ماذا نريد؟"، يجيب الأستاذ أوريد: «نريد أن نكون جزءا من التجربة الكونية ونستوعب ما انتهت إليه. ويقصد بذلك الحضارة الغربية، بعقلانيتها وعلومها وديموقراطيتها وحريتها. ويوضح بأنه «لا يكفي أن نلبس مثلهم (يقصد الغربيين) ونستعمل تقنياتهم.. لا يكفي ذلك، لا بد أن تنطبع أذهاننا بنفس ذهنية الغربيين، لا لأنهم غربيون، ولكن لأنهم من يحمل مشعل الحضارة الكونية» (صفحة 25).
إذا كانت هذه هي الغاية من الثورة الثقافية المنشودة في كتاب الأستاذ أوريد، وهي أن نصل، بعد مدة، إلى ما وصل إليه الغربيون من علم وتقدّم وازدهار وحرية وديموقراطية وعدالة...، فليس هناك من وسيلة للوصول إلى ذلك إلا بإحداث نفس القطيعة التي بها مهّد الغربيون الأوروبيون، منذ القرن الخامس عشر، الطريق للوصول إلى ما وصلوا إليه. وتتمثّل هذه القطيعة في التخلّي عن اللاتينية، كلغة أولى وأساسية، واستعمال بدلها لغاتهم الشعبية والقومية، أو إحدى لهجاتها التي عمّموها كلغة قومية ووطنية، ولغة كتابة وتعليم. فالتحرر من اللاتينية كان تحررا من "عائق إبستمولوجي" كان يحول دون التفكير في الطبيعة وفي الإنسان وفي المجتمع وفي الدين بطريقة أخرى وجديدة. إذا كان الغرب الأوروبي قد عرف، مع بداية عصر النهضة، تحولات عميقة، سياسية وفكرية وعلمية واقتصادية، فذلك بفضل تحرير العقل من إصْر وقيد اللغة اللاتينية، الذي كان يسجنها في دائرة الغيب والتراث والمقدّس الديني. النتيجة أنه إذا كنا نريد أن نكون كالغربيين، كما ينشد ذلك الأستاذ أوريد، فلا مندوحة من أن نحذو حذوهم بخصوص القطيعة مع اللغة العربية، التي يشبه وضعها ووظيفتها وقصورها ما كانت عليه اللغة اللاتينية قبل التخلّي عنها وتبنّي اللهجات الحية المحلية، وجعلها لغات وطنية تستعمل في الكتابة والتعليم والتأليف والإدارة.
أما القول بأنه لا يمكن قياس حالة اللغة العربية على حالة اللغة اللاتينية، فهو مثال حي على ما تشكّله العربية من "عائق إبستملوجي"، عندما يصبح مجرد تصوّر أنه يمكن أن تصير الأمازيغية والدارجة لغتي تعليم وفكر ومعرفة وسلطة وإدارة بالمغرب، موضوعا لا يخطر حتى بالبال لأنه خارج "المفكَّر فيه". حقيقة إن مجرد التفكير في التخلّي عن العربية هو شيء مرفوض، لأننا نفكّر في ذلك بمنطق اللغة العربية نفسها ومن داخلها، أي نفكّر في ذلك انطلاقا من "العائق الإبستمولوجي" للغة العربية، والذي من وظائفه الحيلولة دون مثل هذا التفكير. وإذا كان صحيحا أن التخلّي عن العربية سيشكّل صدمة، فذلك لأن «القطيعة لن تكون إلا عبارة عن صدمة» (صفحة 299)، كما يعترف بذلك الأستاذ أوريد. ويبدو أنه واع برهان اللغة و"بالعائق الإبستمولوجي" الذي تشكّله العربية. لكنه إذا كان جرّيئا وواضحا عندما دعا إلى تدريس العلوم باللغة الأجنبية واختيار تعليم مدني لا مكان فيه للتربية الإسلامية، فإنه، كما يعنّ ذلك، أمسك العصا من الوسط، متقيّدا بما هو "لائق سياسيا" Le politiquement correct، ولم يذهب بالثورة التي يدعو إليها حتى نهايتها لتكون ثورة على اللغة العربية. وهذا ما جعله يعتبرها جزءا منا، ويدعو إلى رعايتها والعناية بها.
المصدر