هل اللغة العربية قادرة على استيعاب المعرفة العلمية والتكنولوجيا المعاصرة؟
د. عبدالناصر بوعلي
الملخص:
إن اكتساب المعرفة والتكنولوجيا باللغة الوطنية الرسمية مسألةٌ حيويةٌ من الناحية الاقتصادية؛ لأن تعميم المعارف والتكنولوجيا على الأغلبية التي تُمثِّلها القوى العاملة لا يمكن أن ينجح إلا باللغة الأولى للأُمَّة، ولا تجدي أي لغة أخرى في ذلك؛ لأن الأمر يتعلَّق بلغة الهُوِيَّة، ولغة الثقافة، التي تطمئن لها النفوس، وترتاح إليها الأفئدة.
وإن تطور الأُمَّة لا يمكن أن يتم بدون تطوُّر لمواردها البشرية ولمنظومتها اللُّغوية والثقافية، وقد أسهم تهميش اللغة الوطنية الرسمية في فشل بعض المشاريع التنموية المتتالية.
فلغة الأُمَّة ينبغي أن تكون في المستوى المأمول حتى تهتم بالذات وبالمداخيل وبالمصاريف وبالموارد والعلوم والاتصال، وهذا ما يعالجه هذا المقال.
الكلمات المفتاحية:
المعرفة - قدرة العربية - تطوير اللغة - كفاءة العربية - التنمية.
Abstract:
Knowledge acquisition and technology of official national ******** is a vivid issue from the economic side because technology and knowledge generalities on the minority represented by working powers in the country is no longer able to succeed except by the first ******** of the nation and no other ******** can replace it because the matter is corelated with the sense of identity and the ******** of culture which has a comfortable sensitivity.
The development of nation can’t be completed without the advancement of its human resources as well as cultural and linguistic educational sector.Besides, the official national ******** marginalization is contributing in successsive developed projects failure. Furthermore, the ******** of nation should be at level, giving interest to different resources and sciences. This is what actually the following publication will tackle.
key words:
Knowledge Arabic ability ******** development Arabic competence Development.
أهمية المعرفة:
تاريخ المعرفة هو تاريخ العقل البشري المتسائل باستمرار، ومنذ زمن قديم ونحن نلهث وراء المعرفة، يريد الإنسان أن يعرف ما في الطبيعة، وقد تمكَّن من وَضْع النظريات والمعادلات والقوانين وطبَّقَها في البيئة لتحقيق النفع للبشرية، وقد أضافت الرسالات السماوية إلى المعرفة القائمة معارفَ، فصارت البشرية تملك معرفة علمية واسعة الطيف في حقول التخصُّصات العلمية كافةً، الهندسية منها، والفيزيائية، والكيميائية، والجغرافية، والطبية، والصيدلية.
وأطلَّ على البشرية عصرٌ جديدٌ دخلت فيه مرحلة خطيرة تجاوزت حدود المعقول، وغدا الإنسان يتعامل مع ترسانة معرفية هائلة تفوق التصور.
لقد غدت المعرفة معيار تقدُّم الأمم والشعوب، وفرضت في العالم تحوُّلات في شتى الميادين، وصنعت نظامًا اقتصاديًّا جديدًا، وأدخلت معايير جديدة في تصنيف الدول من حيث القوة والعجز والتقدُّم والتأخُّر، والغنى والفقر؛ لذلك تتنافس الأمم والشعوب في اكتسابها والتحكُّم في آلياتها، والدارس للأطلس الجغرافي لتوزيع المعرفة يجدها تتراكم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
إن المعرفة في الدول المتقدمة هي التي تُوجِّه القرار، وتساعد في إدارة المفاوضات التجارية وهي التي ترسم الحدود الفاصلة بين الثراء والفقر.
المعرفة في العالم العربي:
لقد أوْلَتْ الحضارةُ العربيةُ قيمةً كبرى للمعرفة انطلاقًا من دعوة القرآن الكريم إلى ضرورة اكتسابها، فقد حثَّت أول آية على القراءة والتدبُّر والتحصيل، ووصلت في عهد المأمون أوجها بإنشائه لبيت الحكمة، ولما نقصت المعارف، تدهورت الأوضاع وساد التخلُّف.
إن واقع الأمة العربية يشهد تراجعًا ظاهرًا في اكتساب المعرفة ما فتئ يتعمَّق بمرور الأيام، وإن الجهود المبذولة في تدارك هذا النقص لا تسلم من مواطن الضعف ومكامن الخلل، وهي تعتمد أساسًا على الاستيراد التكنولوجي الجاهز أو في صور تراخيص أو تعاون مشروط، كما تعرف غياب التخطيط والتصور السليم والتدعيم المادي الوافر، بالإضافة إلى ضعف تثمين الجهد الفكري وإهمال مجالات وتخصُّصات معينة.
جهود الجزائر في اكتساب المعرفة:
لا أحد ينكر ما بذلته الجزائر منذ فجر الاستقلال من أجل اكتساب المعرفة، فقد تمثَّلت في مجال توسيع التعليم ونشره، فتم إنجاز آلاف المؤسسات التعليمية عبر المدن والقرى، كما تمَّ تأهيل الأساتذة والمعلمين، وأما نظامنا البحثي فقد عرف نقلة نوعية تجلَّتْ في الإمكانيات الكبيرة التي وضعتها الدولة بين أيدي الباحثين، والبرامج الوطنية للبحث التي أقرَّتْها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ( PNR+CNEPRU) والنظام المؤسساتي المتمثل في المراكز الوطنية في العديد من التخصُّصات من بينها المركز الوطني لتطوير اللغة العربية والذي تفرَّعت عنه وحدتان: الأولى بورقلة، والثانية بتلمسان.
ونشير إلى أنه رغم هذه الإنجازات يبقى نظامنا المعرفي يواجه تحديات من حيث الجودة والقيمة لا بد من التصدي لها ومعالجتها عن طريق: إيجاد حلول ناجعة وجذرية، وتحسين الأداء والتكيُّف مع التطورات المعرفية العالمية الجديدة.
دور اللغة العربية في عملية تحصيل المعرفة:
لقد أكَّدت الأبحاث التربوية أن التعليم باللغة الوطنية يُمكِّن المتعلمين من رفع قدراتهم التحصيلية والإبداعية، ويرفع الكفاءات التعليمية، ويُوفِّر الجهد والزمن لاستيعاب المادة التعليمية، وهو الأمر الذي تفطَّنَت إليه المجموعة الآسيوية، فراحت تُطوِّر لغاتها، وتبني أرضية مصطلحية لآخر ما توصَّلَتْ إليه التكنولوجيا، ثم اقتحمت العلوم العصرية بلغاتها كما هو الشأن في الكوريتين، وفي اليابان والصين والهند.
إن تحصيل العلوم بغير اللغة الوطنية وخارج الإطار الثقافي للمجتمع، لا يُحقِّق الفائدة، واللغة ليست وسيلة تفاهُم واتصال فقط؛ وإنما هي منظومة فكرية، وحمَّالة للأفكار، وهي وعاء المعرفة عامة، واللغة الأُمُّ هي الوعاء الرئيس للإبداع والإنتاج المعرفي، والسؤال المطروح في الأوساط البحثية في الجزائر: هل اللغة العربية قادرة على حمل المعارف، وتيسير توطينها بما يُمكِّن البلاد العربية من تخطِّي تحدِّي العولمة وتحقيق التنمية المنشودة؟
ولله درُّ شاعر النيل حافظ إبراهيم فقد أجاب عن هذا السؤال بقصيدة شهيرة جاء فيها:
رجعت لنفسي فاتَّهَمْتُ حصاتي
وناديْتُ قومي فاحتسبْتُ حياتي
رموني بعُقْمٍ في الشباب وليتني
عقمْتُ فلم أجزَعْ لقول عداتي
ولدت ولَمَّا لم أجد لعرائسي
رجالًا وأكْفَاءً وأدْتُ بناتي
وسعتُ كتابَ اللهِ لفظًا وغايةً
وتنسيق أسماءٍ لِمُخترعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامن
فهل سألوا الغوَّاص عن صدفاتي؟[1]
وقال الشاعر حمد بن خليفة:
لغة القرآن يا شمس الهدى
صانك الرحمن من كيد العدى
هل على وجه الثَّرى من لغة
أحدثت في مسمع الدهر صدى
مثلما أحدثته في عالم
عنك لا يعلم شيئًا أبدًا؟[2]