هل توجد هناك لغة عربية مغربية؟
هل اللغة العربية في المغرب لغة متداولة بالشكل الصحيح؟
عبد اللطيف بلمهدي
ينص دستور المملكة المغربة الصادر عام 2011، في الفصل الخامس منه، الباب الأول، على ما يلي: "تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالاتها".
دأب التقنوقراط المغاربة على التخاطب باللغة الفرنسية منذ عهد الاستقلال، وبدت اللغة الرسمية التي يتحدثون ويكتبون بها في الدوائر الرسمية متأثرة إلى حد كبير بالتعليم الفرنسي الذي تلقوه منذ الطفولة، داخل المغرب وخارجه. لا تزال مؤسسات مهمة، بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال، مثل الأمانة العامة للحكومة، ووزارة الداخلية، والمالية، والخارجية، وكل الإدارات الاقتصادية والمالية بما فيها إدارة الضرائب، وإدارة الجمارك، والشركات والبنوك تشتغل وتتعامل باللغة الفرنسية التي لاتزال هي اللغة الرسمية الحقيقية للدولة. والنتيجة أننا أصبحنا نستعمل لغة عربية هجينة تحمل الطابع الفرنسي. أصبح المواطنون في المغرب وخارجه عاجزون عن فهم اللغة العربية الرسمية التي يخاطبهم بها التقنوقراط. وإذ أتفهم الجهود الكبيرة التي بذلتها هذه الصفوة من الأطر لإيصال مفاهيم جديدة إلى عموم المجتمع المغربي، فإنني أزعم أن هناك كثيرمن الإرتجال وإطلاق الكلام على عواهنه، لدرجة أن أصبحت اللغة التي يتواصل بها المسؤولون مع عموم الناس لغة غير مفهومة.
وفي محاولة لرد الاعتبار للغة العربية التي لا تزال مهمشة بعد مرور نصف قرن على سياسة التعريب، وحيث أن موضوع أكادمية اللغة العربية لا زال مجرد حبر على ورق بعد مرور أكثر من عقد من الزمن، ولكي لا تظل العربية مجرد لغة وجدانية يتغنى بها الشعراء ويخطب بها الوعاظ، أردت أن أسلط الضوء على الدلالة في اللغة العربية، والجانب الوظيفي في استخدامها، آملا أن أمسح عنها بعض الغبار والتدهور الذي لحق بها.
أولا، من حيث المبنى اللغوي، اعتمد التقنوقراط الاستعمال المفرط للنعوت والصفات بما يحاكي اللغة الفرنسية. يقال مثلا السكة الحديدية. والصحيح الذي درجت عليه معظم الدول العربية هو سكة الحديد، كما وردت في النشرات الإخبارية لفرانس 24، لأن الفرق في المعنى كبير. فإذا قلنا حديدية، يفيد ذلك أن السكة صنعت من مادة تشبه الحديد، على نحو تشبيهنا السنابل بالسنابل الذهبية أوالسمكة بالسمكة الذهبية. لكن السكة صنعت من معدن الحديد، وبالتالي وجبت تسميتها بسكة الحديد، ومن تم خاتم ذهب، أي أن الخاتم صنع من الذهب، وليس من معدن شبيه بالذهب في لمعانه. لاحظ معي الفرق بين أجهزة الدولة وأجهزة دولية.
وقس على ذلك تساقط المطر، وتساقط الثلج وتساقط الشعر (كثيرا ما نسمع في النشرات الجوية في الإذاعة المغربية عن "تساقطات مطرية" أو "ثلجية"). وأستدل هنا بقول الشاعر ابن الرومي منذ أكثر من عشرة قرون، في رثائه لابنه:
فيالك من نفس تساقط أنفس** تساقط در من نظام بلا عقد.
كما درجنا في المغرب على وصف الماء بالماء الشروب، إسوة باللغة الفرنسية التي تعتمد النعت والمنعوت "eau potable"، في حين يستحسن أن نستعمل صيغة المضاف والمضاف إليه، أي ماء الشرب.
ثانيا، من حيث المعنى، نرى خلطا كبيرا في الدلالات، لأن لغة الإنطلاق ذهنيا لدى الكثيرفي أجهزة الدولة هي اللغة الفرنسية، فهم يفكرون باللغة الفرنسية ويعبرون على قدر الإمكان باللغة العربية، ما يؤدي إلى تداخل لغوي Interfèrence linguistique. والأمثلة كثيرة على ذلك:
1) درج أحد كبارالمسؤولين في تقريره السنوي أمام البرلمان على الحديث عن "الإكراهات" الاقتصادية"، بمعنى "contraintes". لكن المعنى لا يستقيم بهذا اللفظ، فالإكراه في اللغة يعني استخدام الضغط أو القوة استخداما غير مشروع من شأنه التأثير على إرادة الفرد، ومن ذلك قوله تعالى: "لا إكراه في الدين". وكان أحرى بسيادته أن يتحدث عن الضغوط الاقتصادية، كما ورد في هذه الجملة المستقاة من قاموس المعاني (almaany.com):
"في سياق الضغوط الاقتصادية" "Dans un con****e de contraintes économiques"
2) يتكرر كثيرا على لسان مسؤولين في الحكومة وفي خطابات جمعيات حقوقية كلمة "ولوج"، مثل الولوج إلى العلاج، أو الولوج إلى العدالة، أوالولوج إلى المعلومة، بما يفيد خطأ " Accès". المقابل الفرنسي الصحيح هو Pénétration ، كما يتضح ذلك في قوله تعالى: "حتى يلج الجمل في سم الخياط" أي حتى يدخل الجمل من عين الإبرة، إشارة إلى استحالة الأمر. ارتبط الولوج في اللغة العربية بالمكان، مثل ولج البيت، أي دخله، و يرد علينا في الإحصائيات أرقاما عن عدد التلاميذ الذين يلجون أبواب المدارس (وهو ما ندعوه اختصارا بنسبة التمدرس)، كما ارتبطت كلمة ولوج بالزمان كقوله تعالى: "تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل".
لا يعقل أن نلج العلاج أو نلج العدالة أو المعلومة، بل هناك من يذهب إلى حد الحديث عن ولوج النساء المناصب العليا. والصحيح لغة هو الوصول إلى العلاج، وتيسير خدماته، واللجوء إلى القضاء، وإتاحة المعلومة، وتولي المرأة المناصب العليا.
3) دأب أعضاء في البرلمان في كل مناسبة على مناقشة "تنزيل مقتضيات الدستور" و"تنزيل استراتيجية"، بمعنى دخول هذه المقتضيات وهذه الاستراتيجية حيز التطبيق وإنفاذها. لا أدري من أين جاء هذا المعنى المحدث، إلا أن يكون تنزيلا من المستوى النظري إلى أرض الواقع. كلمة "تنزيل" هي مصدر لفعل أنزل كقولنا أنزل حملا، أوأنزل لكم من السماء ماء، أو تنزيل الستائر بمعنى إسدالها. كما تعني الكلمة أيضا الوحي في آيات التنزيل. وفي الاستعمال الحديث يعني التنزيل تحميل نصوص أو صورمن الإنترنت، ويقابله "downloading". أرى أن المعنى المراد من التنزيل هو التؤويل الديمقراطي لمقتضيات الدستور، ووضع استراتيجية لذلك.
4) بارتباط مع التنزيل، نسمع عن أجرأة السياسات، أي البدء في إجراءات عملية لتنفيذ سياسات معينة "nPasser à l'actio". وهذه كلمة ثقيلة على اللسان العربي ويجب تعويضها بجملة مفيدة كما سبق أن أسلفنا.
5) طالما تكررالحديث في الدوائر الرسمية عن رفع التحديات، وهي ترجمة حرفية للتعبير الفرنسي "défis relever les" ، لكن التعبير السائد عند أغلبية الناطقين بالعربية هومواجهة التحديات.
6) من العبث الحديث عن تخليق الحياة العامة "moralisation de la vie publique" بقصد الدلالة على التخلق والتهذيب داخل المصالح العمومية للدولة لجعلها منسجمة مع المثل الأخلاقية العليا. كلمة تخليق لا تعني الأخلاق، بل هي مشتقة من الخلق، وتعني التكوين أوالتفاعل الكيميائي. لهذا وجب استبدالها بالتخلق في الحياة العامة، أي بث السلوك الأخلاقي في المعاملات الإدارية.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أننا نفترض دائما وجود كلمة أومفردة واحدة دقيقة في اللغة العربية مقابل كل مفردة فرنسية، وهذا ليس بالضرورة هو الحال. في ميدان الترجمة، لا توجد هناك لغة تحتوي كل المصطلحات المقابلة لها في لغة أخرى. وإذ أقر أن اللغة العربية تفتقر إلى كثير من المصطلحات الموجودة في اللغات الأجنبية، فإني أشيد بالجهود التي بذلها مكتب التعريب بالرباط، والجامعات ومؤسسات أخرى لإيجاد المصطلح المناسب. ولا تزال هذه معضلة بالنسبة للمترجمين الذين يشتغلون في مهن حرة، عندما تعترضهم بعض التعابير الأجنبية الغير واردة في اللغة العربية. وفي هذه الحالة، كثيرا ما يستعيضون بجملة تؤدي المعنى المطلوب، وإلا وقعوا في المحظور. عندما يتعذر إيصال المعنى بمفردة واحدة، يفضل أن نلجأ إلى الترجمة التفسيرية لكي نتفادى الوقوع في أخطاء الترجمة الحرفية. سمعت يوما في إحدى الاجتماعات، عمال الاتحاد المغربي للشغل يستعملون كلمة "تنقيب" للدلالة على نسبة العضوية في النقابة "syndicalisation" ، وطبعا هذا المعنى المحدث يختلف تماما عن المعنى الأصلي لكلمة تنقيب. هل بهذا الاجتهاد نعمل على "حماية وتطوير وتنمية استعمالات اللغة العربية في بلادنا؟.
7) لا يستساغ في اللغة العربية الحديث عن الإقلاع الاقتصادي للدلالة على "décolage économique"، بل يستحسن التعبير بالإنطلاق أو النهوض الإقتصادي. إذن مرة أخرى نرى التأثير الفرنسي واضحا في أسلوب تفكير لا يتناسق مع الأسلوب العربي في التعبير، وعليه وجب تعريب أفكارنا، أي إعطاء صيغة عربية لما نريد أن نعبر عنه من معنى.
8) من المعروف أن البنوك تقوم بدفع المبالغ المستحقة أو تسديد الفوائد المترتبة على الديون، لكن هناك من يتحدث عن أداء الفواتير، فهل يستقيم المعنى؟ الحقيقة أن الأداء لا يكون نقدا وإنما عينا، مثل أداء الخدمات "Prestation de services". كذلك يعني الأداء القيام بأي نشاط، مثل الأداء المسرحي، أو أداء الشركة في السوق العالمية، بما يفيد "Performance". ولهذا وجب علينا دفع رسوم المرورعند المرور بالطريق السيار "Péage"، وليس الأداء كما هو شائع.
9) في الشقيقة الجزائر، يتحدثون عن عهدة الرئيس، ويقصدون بها عهد الرئيس، أي الفترة التي تولى فيها الرئيس الحكم. لقد كان الأجدر الحديث عن ولاية الرئيس.
10) يكرر المغاربة كلمة تربص للدلالة على التدريب "stage" أو التمرين، أو التدرج. ولهذا، بدل التربص الرياضي يفضل التعبير بالتمرين الرياضي، لأن التربص في اللغة يعني شيئا آخر. ويصح نفس الشيء عن التكوين.