من اللغة يبدأ الإصلاح والتجديد
د. عبدالناصر بوعلي
1 - مقدمة:
لقد أكد التاريخ أن نجاح الأمم في ثوراتها ضد جميع أصناف التخلف والتدهور، والتبعية ونزع رواسب العقم والجمود، كانت بداياتها نظرة عميقة تراجع بها اللغة وطرائق استخدامها؛ لأن اللغة هي الفكر، والفكر هو اللغة، ويستحيل أن يتغير الفكر بدون تغير اللغة، وكل ما يسود العصر من دعوات روحية أو سياسية تبحث عن اليقين من الخطأ وعن الحقيقة من الزيف، وعن الثابت من المتغير، وعن الحق من الباطل، وعن التوحيد من الشرك وعن الحياة وراء الموت، كل هذا ينطلق من اللغة ويعكس كله طريقة استخدام اللغة، وما يسود العالم في فترة زمنية معينة من أحداث فكرية، إلا وتجد اللغة هي المحرك الأساس لهذا الحدث، وأنها هي المتأثر الأول بما يجد من مصطلحات جديدة وتعابير مركبة، تدخلها عن طريق التلاقح والاتصال البشري.
ينشغل الناس في الثورات باللغة أكثر مما ينشغلون بالأحداث، فأخبار الوقائع والأحداث تحملها اللغة إما بالزيادة أو النقصان، والانتصارات الكاسحة تصورها اللغة، والهزائم تعبر عنها اللغة، والنفوس البشرية تؤثر فيها اللغة، والقادة والثوار يوظفون اللغة من أجل رفع الهمم وتقوية المعنويات والعزائم، وإذا كان الناس في مرحلة من تاريخهم الفكري تشبه الحالة الأولى، وأرادوا الانتقال منها إلى مرحلة أخرى تشبه الحالة الثانية، كان لا بد لهم من تغيير الأداة، والأداة الرئيسة هنا هي اللغة، وإن الدعاة الذين يقع على عاتقهم دعوة الناس إلى الصواب، وتحذيرهم من الخطأ وعواقبه، فإنهم إنما يتفننون في استخدام اللغة، فهم يسوقون دعوتهم بلغة إيحائية يكثر فيها الترغيب والترهيب، ويلجؤون إلى ما تتوفر عليه من نبر ونغم وتنغيم، وشاعرية وإيحاء؛ بغية تحقيق المزيد من التأثير في نفوس المتلقين.
2 - الوظائف الأساسية للغة:
لقد أزالت اللغة عجمة الإنسان، ورقت رتبته من الحيوانية إلى الآدمية، والناطق هو المفكر؛ إذ لا وجود للفكر بدون نطق، ثم ازدادت طبيعة الإنسان تطورًا عندما أضافت الكتابة إلى النطق، ومع الكتابة ظهرت القراءة، فلا قراءة إلا لمكتوب، وعندئذ تطورت اللغة وتعدَّدت وظائفها، وعظُمت فوائدها وعمَّ نفعها، ثم تعزَّزت الأمم وعلا مجدها، وارتقت الثقافات، وكثُرت المعارف، وحدث التقارب بفضل اللغة، وقديما قال أرسطو: "شرف الإنسان على جميع الحيوان بالنطق والذهن، فإن سكت ولم يفهم، عاد بهيمًا"[1].
ومن الوظائف التي الأساسية التي تقدمها اللغة نجد:
1 - وظيفة دعم عملية التفكير: تسهم اللغة بقسط وافر في دعم عملية التفكير والتأملات والمراجعات الفكرية لدى كل فرد من أفراد المجتمع، كما تسهم في إيجاد الحلول لمختلف المشاكل العالقة والقضايا المطروحة التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية، فاللغة ضرورية جدًّا للإنسان، فهي كالماء والهواء، بها يفكر الإنسان، وعليها يعتمد في مواجهة العقبات التي تعترض حياته.
2 - وظيفة تعبيرية: تعد اللغة الوسيلة الأساسية للتعبير عن الأفكار التي تختلج أفئدة الأفراد، وكذا المشاعر والأحاسيس التي تفيض بها النفوس، وترسم شخصية الفرد، فالمرء بلسانه وقديمًا قال زهير بن أبي سلمى:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ♦♦♦ فلم يبق إلا صورة اللحم والدم[2]
وقال مالك بن سلمة العبسي:
وفي الصمت ستر للعي وإنما ♦♦♦ صحيفة لب المرء أن يتكلما
3 - وظيفة وصفية: جبل الإنسان على وصف كل ما تقع عليه عيناه، وتفنن الشعراء والأدباء وعلماء الطبيعة والحياة على وصف الظواهر الطبيعية والنفسية منذ القدم، وتفاوتت قرائحهم، وهم في كل ذلك إنما يتعلمون اللغة، فهي الأداة التي تصف المحيط، وما يجري من تطورات وأحداث وتقلبات في الطبيعة وفي الأحوال.
3 - وظيفة تأثرية : إن العلاقات الإنسانية التي تربط البشر بعضهم بعضًا تفرض نوعًا من الجدل والنقاش، وتبادل الآراء والخبرات، فيتفنن الناس في اختيار ألفاظهم وتعابيرها للتأثير في سامعيهم، ومن هنا تؤدي اللغة وظيفة التأثير تتجلى فيما يتعلمه الخطباء من تعابير مؤثرة في نفوس الأفراد، وتصرفات الناس؛ مما يؤدي إلى تغيير في السلوكيات والمسارات، وحتى في المعتقدات، وهذا بفضل البيان.
4 - وظيفة تقييمية: تستخدم اللغة في عملية التقييم التي تمس الأفكار على تنوُّعها والأعمال على اختلافها، والتصرفات الصادرة عن الأفراد والمواقف التي يدلي بها الغير، والآراء يتحمس لها أصحابها، واللغة تنفرد وحدها بوظيفة تثمين المبتكرات وإصدار الأحكام إيجابًا أو سلبًا.
5 - وظيفة إجرائية: يلجأ قادة الجيوش وزعماء السياسة إلى توجيه الخطب الرنانة لمرؤوسيهم، ويجتهدون في التأثير فيهم، فيلجؤون إلى اللغة لإصدار التوجيهات والأوامر، ويحذرون من الخلط في التنفيذ، وبذلك تتعدد الألفاظ وتدقق التعابير، ويكثر التخدير والوعيد والتنبيه، ويسجل الدارسون أهمية خطبة طارق بن زياد في جيشه أثناء فتح الأندلس التي قال في مطلعها: "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مؤدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم"[3].
6 - وظيفة تواصلية: من المتفق عليه أن اللغة هي الأداة الناقدة في عملية التواصل، وأن المجال يطول بنا إن نحن استعرضنا الحديث في التواصل الذي يحدث بين الأفراد على جميع المستويات الحياتية، وبين الأمم والشعوب، وبين التواصل وكيفيات حدوثه بين المرسل والمرسل إليه والرسالة والسنن، والسياق ثم القناة[4]، وتتجلى وظيفة التواصل في تبادل المعارف بين العارفين وتلقينها للمتعلمين، وإجراء الحوار في القضايا التي تشغل بال الناس وتهم حياتهم، وبناء التفاهم في المفاوضات العالقة بين الأمم والأفراد، ونشير هنا إلى أهمية تحديد المفاهيم اللغوية والمصطلحات المستعملة، فكثيرًا ما يحدث الخلاف ويتعسر التوصل إلى الاتفاق بسبب التأويلات، خصوصًا عندما تدخل الترجمة بين لغتين وتخون الترجمات لغة أحد أطراف الحوار.
7 - وظيفة تراثية: إن التراث قسمان مادي ومعنوي، وهذا الأخير يتمثل فيما يتوارثه البشر من منتج فكري وأدبي، واللغة هي حمالة الأفكار وناقلة التراث؛ إما عن طريق المشافهة والرواية كما حدث للشعر الجاهلي، والقراءات القرآنية، أو عن طريق الكتابة، فالكتب هي ذخائر الأمة تحمل في صفحاتها معالم الحضارة، وعصارة فكر الأمة وفنونها، وتبقى اللغة هي الوسيلة الأولى والأخيرة في نقل هذا التراث بين الأجيال.
8 - وظيفة نفسية: باللغة يتنفس الأفراد ويعبرون عما يختلج في نفوسهم، فآلامهم وآمالهم تحملها اللغة، وتخرجها من النفوس، فيحدث الاطمئنان وتسود راحة البال، وقد كانت المعالجة وما زالت تعتمد على اللغة، وقد حمل سيجموند فرويد فكرة تداعي الأفكار ومساءلة المريض بعد تنويمه، من أجل علاج ما علق بنفسه من أمراض وعُقَد نفسية.
إن التخفيف من الضغوط النفسية والاجتماعية يتم بواسطة إفساح المجال لحرية التعبير، وما ذاك إلا حرية لغوية تمارس دون قيد ولا شرط.
9 - وظيفة شعرية: إن الإنسان مفطور على حب الجمال بما وهبه الله من حواس يتذوق بها ويتمتع بواسطتها، ويدرك الجمال عن طريق السمع وقد قالوا: "والأذن تعشق قبل العين أحيانًا"، وما السماع إلا لغة: "والشعر لا يصنع إلا بالكلمات"[5]، وهو قول يقع موقع الإعجاب من سامعه.
10 - وظيفة استكشافية: كم هي الاكتشافات والاختراعات التي حققها العقل البشري، وأُعجب بها الناس أيما إعجاب، ولو سألنا أنفسنا كيف حدث هذا الاختراع، لوجدنا أن اللغة هي المنطلق وهي المنتهى في ذلك، فاللغة هي مفتاح البحث، وهي أداة الاستقرار والتفكير والتأمل، وهي محددة البدايات والمراحل والانتقال من حال إلى حال، ومن طور إلى طور.
11 - الوظيفة المعرفية: كان سقراط الحكيم يقول: أيها الإنسان، اعرف نفسك، فالمعرفة تبدأ من الأنا، ثم تنتقل إلى الآخر، ثم تتوسع إلى الأشياء عن طريق المسميات، فيخصص لكل ما يعرف لفظًا خاصًّا به، وبذلك يؤلف الإنسان معجمًا لكل حقل من حقول المعرفة، فتصبح اللغة هي المعرفة، وهي الوسيلة الأساسية لاكتسابها.
12 - الوظيفة التفاعلية: يتمثل التفاعل بين الأفراد في: أنا / أنت، وفي فكر مقابل فكر، وفي حياة مقابل حياة، وهو إنما يحدث من لفظ إلى لفظ، ومن تركيب إلى تركيب، ومن لسان إلى لسان.
3 - المواطنة اللغوية أساس البناء:
المواطنة من الوطن الذي يضم الجميع، ويتسع إلى الكل، وتقتضي المواطنة المشاركة، فوزن مفاعلة يدل على المبادلة والمساهمة بين الأفراد والجماعات، فيؤدي ذلك إلى الممازجة والمناصحة والمودة، وتسعى المواطنة إلى تأصيل التعايش مع الآخر رغم الاختلاف في الدين والعرق، ما دام الوطن واحدًا.
تتمثل المواطنة اللغوية في اللغة الأم التي يفكر بها أبناء الوطن الواحد، ويتواصلون بها ويستعملونها في أوقات الشدة والخوف، وبها يتكاتفون، وعليها يعولون، وبها يترنمون في حفلاتهم وأيامهم المجيدة، ينشدون أشعارهم ومواويلهم بها، ويفكرون بها، ويحلون بها مشاكلهم.
"إن اللغة الأم هي تلك التي ازدوجت بها شخصية الإنسان، فأصبحت تَوْءَمَه، وبقية ما أجاده من لغات لا تعدو أن تكون محفوظات يعود إليها عند الحاجة، فإذا تكلمت بلغة أخرى تشعر بأن هناك تكلفًا وسدودًا مانعة، ولكن عندما تتكلم بلغتك يكون ذلك الكلام صادرًا عن صميم أناك، وتحس بصفاء الذات؛ حيث الاستعمال العفوي الذي لا يحتاج إلى وسائط، ولا إلى جسور، فالكلام يجري جريًا خفيفًا دون تكلف، كما يحس الإنسان أن بينه وبين ابن لغته تكون أبواب النفس مشرعة بين الطرفين"[6].
4 - ترشيد اللغة:
يتفق الدارسون أن جمع اللغة العربية والتقعيد لها في عصور الاحتجاج، كان بدافع عوامل متعددة، البعض من هذه العوامل نفعي وظيفي، والبعض الآخر فني بدافع المتعة الفنية، فقد خيف على ضياع الفصحى التي كانت لسان حال الشعراء الفحول الذين تطرب الآذان بأشعارهم، وترتاح النفوس لبيانهم، وتفاخر القبائل بعضها بعضًا في فصاحتها وبيانها كما يدخل في هذا المضمار عامل فَهْم القرآن الكريم والوقوف على أحكامه، ومعرفة تعاليمه، وإيصال العربية إلى غير الناطقين بها من باب الدعوة الدينية والغيرة للعروبة، ولم يكن العرب يعنيهم من اللغة أن تحمل وظيفة، أو أن يكون لها دلالة في دنيا الطبيعة وعالم الكائنات.
إن الصيغ اللغوية إنما تفعل فعلها ما دامت حسنة التركيب، جميلة الجرس جيدة الوقع، ولا على صاحبها ولا على قارئها بعد ذلك أن يهتدي بها في تجارة أو صناعة، أو سفر أو قتال، أو في أي شيء من شؤون العيش، "فهي كالجوهرة يكفينا فيها جمال صنعتها وجودة معدنها، وحسن وشيها وزخرفتها، ولا نترجى منها أي دور في الحياة اليومية"[7].
يقرأ العربي بيتًا من الشعر فيهزه هزًّا، ويطرب له طربًا، فأبو العلاء المعري في رسالة الغفران لا يريد أن يبرهنَ للقارئ أنه يعرف اللغة ويعرف أسرارها، وعارفًا لأشعارها وآدابها، وداركًا لأيام العرب، فهو لا يريد أن يبرهنَ للقارئ أنه يعرف اللغة على أساس أنها أداة للمعرفة وناقلة للأخبار والمعلومات عن أشياء الدنيا، بل كان يرى أن اللغة تكفي نفسها بنفسها[8].
إلا أن خلفاء بني العباس شعروا جيدًا بدور اللغة في تشييد الحضارة، لذلك التفتوا إليها التفاتة كبرى، وعملوا على إحداث تحوُّل فيها، تحوُّل من المتعة الفنية إلى الأداء الوظيفي، وأحدثوا في طول البلاد وعرضها ثورة لغوية كبيرة، فشجعوا الترجمة إلى العربية، وأغدقوا على المترجمين الهدايا والأموال.
وتغيرت نظرة اللغويين والفقهاء إلى اللغة، وربطوها بالحياة والأشياء، فظهرت المعاجم اللغوية المتخصصة في الزراعة والحيوان، والصناعة والطب، وأصبحت اللغة تعبر عن مشكلات العالم الأرضي، ووسيلة للثقافة المتصلة بحياة الناس وأزمانهم وحاجاتهم، وقد عبر ابن جني بذلك في قوله: "اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"[9].