لغتنا عربية..!
صفوت بدوي الطنطاوي
باحث دكتوراه في جامعة القاهرة، كلية دار العلوم
بكل أسف، نرى اهتمام كثير من الناس شديدًا باللغات الأجنبية مع إهمالهم للغتهم العربية، تلك اللغة الأصيلة، الشامخة، القديمة، الحديثة، المتجددة، العريقة.
كما نرى كثيرًا من العرب يحسنون نطق الإنجليزية، وغيرها من اللغات، ولا يحسنون التفرقة بين منصوب الكلام العربي، ومرفوعه، ولا بين مجروره، ومجزومه، ولا يحسنون من فنون البلاغة شيئا، ولا عانوا في فهم معانيها، ولا الوقوف على جمال تراكيبها، ومبانيها.
وليس لهذا تفسير سوى الشغف بكل ما يدر عليهم المال، وعدم إدراكهم لقيمة، وعظمة لغة القرآن الكريم، ولو أنهم أدركوا ما سيعود عليهم من مدارسة لغتهم، وفهمها: ماديا، وثقافيا، ومعنويا لعانوا لأجل ذلك، ولتلذذوا عشقا في تلك اللغة، ولبذلوا الوقت، والمال، والجهد في سبيل الذود عنها، ونشرها، والتعبد لله بالحديث بها.
ولا يعني ذلك أن نغض، أو ننتقص من شأن اللغات الأخرى، ولكن الواقع، والتاريخ يشهدان أن العربية هي أكثر اللغات، وأوسعها إمكانات، وثراء، من حيث: وفرة الكلمات، وتنوع التراكيب، وهي أقدر اللغات كذلك علي التعبير عما يجيش في النفوس، وتتحرك الشفاه للفوه به، والبوح بالخطرات، ودواخل النفس بكل أطيافها، وألوانها.
قال الله- تعالى- لافتا الأنظار إلى تلك القيمة : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، النحل - 103.
يكفي العربية شرفًا أن الله- عز وجل-قد اختارها لغة لخير كتبه، واختارها لسانًا لخير رسله، فهي لغة كاملة، تحوي من الكنوز جبالا، ومن الأسرار أطنانًا، فهي لغة تتسع لكل شيء، ولأي شيء، لا تقف عاجزة أمام المحدثات، والمستجدات،إنها لغة تتميز بالذكاء، لغة قادرة على النمو، والانتشار، والانشطار؛ لنستخرج منها آلاف الكلمات لكل جديد، مستحدث،ومفيد، فهي تدور مع الحياة، وتطورها، وتلبي متطلباتها، هي لغة حية على الدوام.
وليست العربية كما يدعون لغة الناقة، والصحراء، وأنها لا تستطيع مواكبة العصر الحديث بمخترعاته، ومحدثاته، بل هي لغة قادرة علي احتواء كل ذلك، والتعبير عنه خير تعبير، ونقله بكل أمانة، واحتراف، واقتدار.
والعربية كذلك هي لغة العواطف، والرومانسية، انظروا إلى آلاف القصائد التي ألفت بفصحى العربية، والتي تطرب الآذان لسماعها، وتحوي كل معاني الجمال، والحب، والدفء، والحنان، وترسم العواطف من خلالها أبدع رسم، وتنقلها خير نقل، ومعها إمكاناتها الواسعة في دغدغة للمشاعر، وهدهدة الأحاسيس.
كما أن العربية هي لغة السياسة، ولغة الاقتصاد، ولغة الحروب، وهي في الوقت نفسه لغة السلام؛ إذ خلقت له، ولنشره، والتمكين له في الأرض.
العربية هي لغة الدين الحنيف، ذلك الدين الذي بها قد نزل، وبالعربية نزل القرآن الكريم الذي يحكمه ، وبها ألفت التفاسير العظام، وخطت كتب الفقه المتبحرة، وكتب الحديث والمتون الماتعة، وكتب الرجال، والجرح والتعديل، وموسوعات التاريخ، وكتب العقيدة، ومؤلفات الأحاديث الشريفة، وشروحها، ومن أراد أن يفقه دينه فعليه بتعلم العربية، والوقوف على أسرارها ومعانيها.
نعم:
" تعلموا العربية وعلموها الناس" .