سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الواحدة والسبعون: أ.د.علي أبو المكارم، ورأيه في التداخل المنهجي في الفكر النحوي:
إن تحليل الفكر النحوي التقليدي بغية تحديد ما به من أخطاء منهجية ينتهي بنتيجة تعبر عن حقيقة من أهم حقائق هذا الفكر، وتكشف في الوقت نفسه عن خطأ من أبرز أخطائه، ونعني بذلك فقد الوحدة فيه. تلك الوحدة التي تُعد ضرورة لتحقيق الاتساق بين نتائج أي بحث علمي. فقد كان المنهج الذي اتبعه النحاة مزيجًا غريبًا من مناهج شتى، أو لنقل إنه رُكام هائل من الثقافات المختلفة التي لم يجمع بينها غير عقول خصبة وعت معارف عصورها، وتأثرت بالعديد من ألوانها؛ مما ساعد على تنمية شخصية الباحث بدلاً من بلورة مادة البحث، وساهم في تضخيم إحساسه بذاته حتى انعكست بشكل أو بآخر على موضوعه. وكان أبرز أشكال هذا الانعكاس استخدام كل باحث نحوي لما يجيد من المناهج في التدليل على صحة ما يذهب إليه من اتجاهات وما يقرره من آراء، دون اعتبار لدى اتصالها باللغة وعلاقتها بالتركيب.
ولعل هذا الخطأ بالذات أهم الأخطاء المنهجية للفكر النحوي التقليدي بمقياس ما تركه في التراث النحوي من آثار، إذ فضلاً عن تلك الآثار التي خلفها بصورة مباشرة في اضطراب الأصول النحوية، فإنه قد ترك آثارًا عديدة في القواعد بشكل غير مباشر أيضًا. فقد كان ركيزة ذلك النوع من الخطأ الذي لزم التناول الجزئي للظواهر اللغوية، والذي عبرنا عنه من قبل بتناقض الظواهر والأحكام. ذلك أنه مع تعدد المناهج وتفاوتها انفلتت النظرة الجزئية من كل قيد موضوعي. ولم تعد تخضع لغير اعتبارات ذاتية ووقتية معًا، وهي اعتبارات من التعدد والتفاوت والاختلاف والاضطراب والتناقض بحيث يصبح من غير الممكن تَصَوُّر وحدة ما فيها، ويكون من المستحيل الإلمام بصورها، أو تصنيفها. ولعل كل ما يُستطاع فعله إزاءها هو تحديد المؤثرات العامة فيها. وهي ترتد في جوهرها إلى هذا الخطأ البارز من الأخطاء المنهجية للفكر النحوي التقليدي، وهو التداخل المنهجي. وهكذا كان تعدد المناهج التي لجأ إليها البحث النحوي لتحليل التراكيب اللغوية محور خطأ مزدوج في البحوث النحوية.
واستعانة المناهج اللغوية على وجه العموم، والنحوية بشكل خاص، بمناهج العلوم المختلفة إسلامية وغير إسلامية لم يكن عفوًا، وإنما هو موقف منهجي واضح. يمتد عن "أن الغامض في بعض العلوم يُكشف بالظاهر في غيرها إذا اعتاص كشفه بغير ذلك" كما قال ابن برهان. والمثال الذي أراد ابن برهان أن يوضح به هذه المُسلَّمَةَ النحوية يؤكد ما يسلم إليه تحليل التراث النحوي من أن النحاة قد فهموا العلاقة بين العلوم المختلفة على أنها تتصف بالمرونة، بحيث يمكن تطبيق ما يرونه صالحًا من مناهجها أو أساليبها في أي ميدان من ميادين الفكر وعلى أي مستوى من مستوياته، يقول في الاستدلال على أن المصدر والحدثان والفعل عبارات متغايرة ومعناها واحد. وأنها أصل المشتقات جميعًا بما في ذلك الأفعال: "إن المعاني تنقسم إلى ما يصح وجوده إذا فُرض ارتفاع كل عين سواه، وهذا هو الذي يسميه النحويون: العين والجثة. وإلى ما ليس حكمه هذا الحكم بل وجوده نابع لوجود غيره. فإذا فرضنا ارتفاع وجود غير ذلك استحال وجوده، ومتى فرضنا ارتفاع وجوده لم يستحل وجود غير ذلك، فهذا هو الذي يسميه المتكلمون: العَرَض، ويُسمون غير ذلك: الجوهر والجسم، ويسمون العرَض: الحال، ويسمون غيره: المَحَلّ. والفقهاء يسمون المحال: الأعيان، ويسمون الأعراض: الآثار. ومن الناس من يسميه: القائم بغيره، ويسمي ما قام به: القائم بنفسه. ومثال ذلك أنك إذا نقلت ساجة من موضع إلى موضع فقد أحدثت أمرًا ما، وليس ذلك الحادث عينك ولا نفسك، ولا ذلك الحادث عين الساجة ولا نفسها، وإنما الحادث أمر ثالث وهو نقل الساجة وتحريكها. فوجود الساجة من دون وجود النقل والتحريك يصح، ووجود التحريك من دون وجود الساجة لا يصح. فإذا قلت: دفعت الساجة فاندفعت، فهناك ثلاثة أمور: الفاعل وهو الدافع ولم يتحدد عينه ونفسه في هذا القول، وهناك المفعول به وهو الساجة وهو المندفع ولم يتحدد عينه في هذا القول، وهناك أمر ثالث تحدد في هذا القول وهو الاندفاع. والفاعل (أوجد) عين الاندفاع، والمفعول به قبل تلك العين وقام وجودها به. فلولا وجودهما جميعًا لاستحال وجود الاندفاع؛ لأنه كما يفتقر إلى مخرج له من العدم يفتقر إلى ما يقوم به في الوجود لاستحالة قيامه بنفسه...
فالنحوي هنا يستعين بالمصطلحات المنطقية والفلسفية والكلامية والفقهية، ويستخدم في شرح هذه القضية اللغوية نحو: العين والجوهر والجسم والجثة والمحل والأعيان والقائم بنفسه، ويجعلها في مقابل: العرض والحال والأثر والقائم بغيره، ثم لا يقف عند هذا الحد من الشرح حتى يمكن أن يقال إنه قد كشف الغامض بعد أن اعتاص عليه كشفه بغير اللجوء إلى أساليب العلوم المختلفة في الشرح والإيضاح.
وإنما جعل هذا الشرح مقدمة لاستخدام طرائق الاستدلال والبرهنة في هذه العلوم. وبذلك خلط بين أمرين: بين الإفادة من معطيات العلوم المختلفة في جلاء الظواهر بتحليل أبعادها والكشف عن أسبابها وتقديم صورة كلية لعلاقاتها وتصنيفها بتحديد موضعها من العلم والفكر والمجتمع جميعًا، واستخدام الأساليب المختلفة المتباينة لهذه العلوم في دراسة كل علم من بينها. وإذا جاز أن تكون نتائج العلوم المختلفة هي الوحدات الأولى لتشكيل الصورة العامة لظواهر الفكر والمجتمع، فإن من المستحيل الوصول إلى هذه النتائج ما لم يستخدم الباحثون في كل علم من الطرق ما يتفق مع مادة هذا العلم، فبدون الاتساق الكامل بين المادة والمنهج لا يمكن تناول المادة بشكل ينتهي بالوصول إلى نتائج علمية؛ ومن ثم فإن استخدام مناهج علوم مختلفة في علم واحد لابد أن يسلم إلى اضطراب في تشكيل مادة هذا العلم وتناقض في نتائجه معًا، وهكذا بدلاً من أن تتضح الظاهرة وتتحدد أبعادها وعلاقاتها تتغبش معالمها وتنطمس ملامحها.
وليس موقف ابن برهان شاذًّا، بل إنه في الحقيقة يعبر عما استقر في البحث النحوي من قواعد وأصول، فإن تحليل التراث النحوي يتفق في نتائجه مع ما صرح به ابن برهان ومَثَّل له من الاستعانة بمناهج العلوم المختلفة حتى في دراسة الظواهر الجزئية المنتمية إلى ميدان اللغة، والمختصة بمستوى معين من مستوياتها وهو التركيب. فإن النحاة قد استخدموا في علم النحو – الذي يُقصد به أساسًا دراسة ظواهر هذا المستوى – مناهج بعض العلوم التي لا تمت إلى اللغة بسبب، وطرائق بعض العلوم التي تتناول اللغة ولكن في غير مستوى التركيب. بحيث يمكن رد الأصول النحوية، بل كثير من القواعد التفصيلية أيضًا، إلى قواعد متبعة في عدد من العلوم اللغوية وغير اللغوية، الإسلامية وغير الإسلامية، فتأثر الدراسات الصوتية في ظاهرة التطابق كما تناولها النحاة العرب ليس بخافٍ، وكذلك أيضًا تأثير هذه الدراسات في النظريات التي قدموها لتفسير ظاهرة التصرف الإعرابي، وبخاصة تلك النظرية التي تجعل النظام المقطعي وراء تغير الحركات في أواخر الكلمات أو ثبوتها، حتى إننا آثرنا أن نسميها نظرية التفسير الصوتي.
وثمة قواعد عديدة أيضًا ما كان النحاة ليقولوا بها لو لم يضعوا في اعتبارهم بعض الظواهر الصوتية الخالصة. فإذا انتقلنا إلى دراسة الأصول العامة للتفكير النحوي فإننا نجدها تشف عن آثار عدد من العلوم التي تختلف مادة ومنهجًا، وعلى رأسها: الأصول وعلم الكلام والفلسفة والمنطق. بحيث يمكن أن يقال إن النحاة العرب قد أحالوا البحث النحوي إلى ميدان فسيح يستعرضون فيه مدى إلمامهم بالثقافات والعلوم والمناهج والأساليب، ويدللون فيه على ما يمتازون به من ذكاء ويتمتعون به من تفوق عقلي. ولا نحسب أحدًا يستطيع أن ينكر دور الاستقراء – وهو أساس عنصر هام من عناصر المنهج الإسلامي الأصولي– في الحرص على جمع المادة اللغوية، هذا الحرص الذي يبلغ درجة جمع كل ما ينطق به العرب وكل ما أُثر عنهم، وقد كان هذا المفهوم هو مدلول القياس في مراحله الأولى. كذلك لا نظن أن بين الباحثين من يجهل دور العلة الأصولية في العلة النحوية، وبخاصة في ناحيتي: مسالك العلة، وشروط سلامتها. هذا إلى أنماط أخرى من التأثير في جزئيات وتفاصيل. ومن المؤكد أنه ليس بين النحاة والباحثين– على سبيل القطع– من لا يعرف بعض آثار الفلسفة والمنطق، وإن كان بينهم من لم ينتبه إلى دور علم الكلام، إذ إن القياس النحوي يحكي آثارًا منطقية وفلسفية، ويدعم هذه الآثار ذلك التناول الذهني للغة الذي كان وراء ظاهرة التأويل بأساليبها المختلفة، على حين يقتصر التأثير المباشر لعلم الكلام على القواعد التي تقنن الجزئيات النحوية أو تخرج بعض النصوص التي لا تتفق مع مقتضيات العقيدة من قداسة لمقام الألوهية وإجلال للنبوة وتسليم بالسمعيات. وأما في القواعد العامة الكلية فإن تأثير هذا العلم ينحصر أو يكاد – في التفسير الدلالي لظاهرة التصرف الإعرابي، وبصفة خاصة في الخلاف الذي نشب بين النحاة في موجد الحركة الإعرابية.
وهذا الموقف الذي يجمع بين أساليب العلوم المختلفة في دراسة مادة محددة دراسة تحليلية يصدر عن تصور غير علمي للعلاقة بين العلوم، وهو تصور ضار ومضلِّل معًا؛ لأنه يسيء استخدام هذه المناهج ويهدر قيمتها ويحول دون الإفادة الكاملة منها. ولو أن اللغويين مثلاً أرادوا أن يستفيدوا في بحوثهم اللغوية من أفكارهم التي تنتمي إلى دراسات الفلسفة فتوجهوا لدراسة النشاط اللغوي من حيث هو رموز تعبر عن حالات نفسية خفية ومستترة، ولا سبيل إلى اكتشافها بمنطق العقل المجرد– أفادوا حقًّا من وقوفهم على بعض الأفكار الفلسفية، ولنمَّوْا هذه الأفكار وأَثْرَوْا البحث اللغوي معًا، ولفتحوا بذلك المجال أمام دراسات جديدة في العالم العربي لم يُتح لها أن تظفر حتى اليوم بنصيب، وعلى رأس هذه الدراسات علم النفس اللغوي. ولكنهم بدلاً من ذلك راحوا يستخدمون ما يعرفون من قضايا الفلسفة والمنطق للاستدلال على آرائهم في ميدان تقنين الظواهر اللغوية، وبخاصة ما يتصل من هذه الظواهر بمستوى التركيب، فضلُّوا عن فهم هذه الظواهر وأساءوا إلى أساليب الفلسفة والمنطق كما أساءوا إلى البحث اللغوي جميعًا.
المصدر: تقويم الفكر النحوي، علي أبو المكارم، دار غريب، القاهرة، 2005، ص 235-242. (بتصرف).
إعداد: د.مصطفى يوسف