سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

88-الدكتور فتحي حسن ملكاوي –المدير الإقليمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ورأيه في الفكر والترقي في المهارات اللغوية:
اللغة العربية عند المهتمين بالفكر ليست موضوع اختصاص، وإنما هي وسيلة تواصل وتعبير وتفكير. وبقدر ما يملك الفرد من مفردات اللغة وتراكيبها ونصوص المنظومة شعرًا أو نثرًا، يكون لديه المرونة في صياغة أفكاره والتعبير عنها بوضوح، ونفاذ حُجَّة، وقوة تأثير. ومن الاهتمام باللغة العربية تفعيل قواعدها، لا سيما القواعد التي لا يهتم بها كثيرون، حتى بعض المتخصصين في اللغة، مثل قواعد النحت والاشتقاق. فبعض الأفكار الجديدة تحتاج إلى نحت مفردة لغوية جديدة أو اشتقاق تركيب لغوي جديد، وربما تصبح المفردة أو التركيب "بصمة" تُميِّز من نَحَتَها أو اشتقها. وبعض الأفكار والمعاني تستقر في عقل السامع أو القارئ بصورة محبَّبة إلى النفس، عندما تُصاغ بطريقة موزونة يسهل حفظها وتذكرها بنصها على صورة بيت أو بيتين من الشعر.
ويكتسب الإنسان كثيرًا من عناصر الملكة اللغوية من البيئة الاجتماعية الغنية التي ينشأ فيها. ولكن وعيه على ضرورة النمو والترقي في اكتساب هذه العناصر، يزيد في إمكانية استفادته من تلك البيئة، ويحفِّزه على استخدام وسائل متعددة في تحقيق هذا النمو والترقي. ويبقى مع ذلك أن تعلم القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا يُعَدّ من أفضل الطرق والوسائل لتقويم اللسان وضبط الألفاظ وإغناء الأفكار، والترقي بمعاني الكتابة وألفاظها.
وقد أوضح ابنُ الأثير أثر القرآن الكريم في تنمية الملكة اللغوية في عدد من المواقع في كتابه "المثل السائر"، لعل أكثرها وضوحًا قوله: "إذا عَرَفَ مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المُودعة في تأليف القرآن الكريم، اتّخذه بَحْرًا يستخرج منه الدرر والجواهر، ويُودعها مطاوي كلامه، كما فعلته أنا فيما أنشأت من المكاتبات، وكفى بالقرآن الكريم وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام". ومن ذلك ما أورده عن حفظ القرآن الكريم يقول: "الكاتب إذا أحب الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة، فإنه يحتاج إلى أشياء كثيرة، قد ذكرتها في صدر كتابي هذا، إلا أن رأسها وعمودها وذِروة سنامها ثلاثة أشياء، هي حفظ القرآن الكريم، والإكثار من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار".
والتفاعل الفكري بين الناس يلزمه استعمال وسائله المختلفة التي تؤدي كل وسيلة دورًا لا تؤديه الوسيلة الأخرى. فهذا التفاعل مثلًا لا يكفي فيه الاقتصار على المشافهة وإلقاء المحاضرات، ولا يكفي فيه الاقتصار على الكتابة وتبادل النصوص المكتوبة، فالمشافهة والمكاتبة أمران متكاملان؛ لأن كلًّا منهما يؤدي دورًا مختلفًا عن الآخر. وتشير دراسات علم اللغة التطبيقي وعلم اللغة الاجتماعي إلى أن أصل جميع اللغات هو الخطاب الشفاهي. ومع أن الأعراق البشرية طوَّرت آلاف اللغات، فإن القليل منها هو الذي بقي؛ لأن اللغات التي اختفت لم تُكتب أبدًا. وتقرر هذه الدراسات أن "الأصل الشفاهي للغة سمة لاصقة بها... والكتابة تعطي اللهجة قوة تند عن تلك التي تكون لأية لهجة شفاهية خالصة".
فاللغة الشفاهية تؤدي مهمة مختلفة عن لغة الكتابة، فالأولى تمكن المتحدث من سحب المستمع إلى الخارج ليكون واحدًا في الجماعة أو الجمهور، يحرِّك فيهم أفكارًا مشتركة، ويثير فيهم مشاعر مشتركة، ويكون الحديث أو الخطبة عاملًا من عوامل توحيد وعيهم وإدراكهم للموضوع الذي يجري الحديث عنه، وهو أمر يحرص عليه المفكر. أما المادة المكتوبة فإنها تستدعي أن يتوجه الفرد إلى قراءتها بمفرده، فتكون القراءة نشاطًا داخليًّا يجذب القارئ إلى نفسه؛ ليتفحص وضوح الفكرة التي يقرأها، ويقيم حوارًا داخليًّا بين مضمونها والمضامين الفكرية ذات الصلة بها، حين يستدعي هذه المضامين من ذاكرته وبنيته الفكرية السابقة، وهو أمر يحرص عليه المؤلف حين يكتب، على أمل أن يقوم الناس بقراءة أفكاره المكتوبة.
وإذا كانت المشافهة أقرب إلى الفطرة والطبيعة البشرية البسيطة، عندما نقارنها بالكتابة التي تطورت فيما بعد نتيجة تراكم الخبرة البشرية، واكتسابها لـ "تكنولوجيات" لاحقة، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الكتابة وقيمتها، ذلك أن: "... الكتابة بالغة القيمة إلى حد بعيد، وأساسية حقًّا؛ لتحقيق الإمكانات الإنسانية الداخلية الكاملة، وليست التكنولوجيات مجرد عوامل مساعدة خارجية، بل هي تحولات داخلية للوعي، وتكون كذلك كأكثر ما تكون عندما تؤثر في الكلمة، ويمكن أن ترفع هذه التحولات من روح الإنسان المعنوية، وتزيد الكتابة من حدة الوعي. والغربة عن الوسط الطبيعي يمكن أن تنفعنا، بل هي في الحقيقة جوهرية للحياة الإنسانية التامة من جهات عديدة، ونحن لكي نحيا ونتفاهم أصلًا، لا نحتاج إلى القرب فحسب، بل نحتاج إلى البعد كذلك".
وتظهر قيمة الكتابة في أثرها الباقي مع الزمن، وربما يستمر تأثيرها حتى لو تم نقض محتواها، وتفنيده تمامًا: "لكن المؤلف لا يمكن الوصول إليه في أي كتاب، فليس ثمة طريقة مباشرة لدحض نص، فحتى بعد التفنيد الكلي والمدمر لأفكار الكتاب، يظل النص يقول ما قاله من قبل تمامًا. وهذا أحد الأسباب لشيوع عبارة "الكتاب يقول"، بمعنى أن القول صحيح، وهو أيضًا أحد الأسباب التي من أجلها أحرقت الكتب، والنص الذي يقول ما يعرف العالَم كله أنه باطل، سيظل يقول هذا البطلان إلى الأبد ما بقي النص، فالنصوص عصية بطبيعتها".
وإذا كانت الفلسفة صورة متقدمة من إنجازات الفكر البشري، فإنها أبعد ما تكون عن العقل الشفاهي. إن "الفلسفة إذا تأملت في طبيعتها، فإن عليها أن تفسر كون التفكير الفلسفي لا يمكن أن يتم بوساطة تعقل الإنسان وحده، بل بوساطة العقل الإنساني الذي ألف تكنولوجية الكتابة التي استوعبها استيعابًا عميقًا... والكتابة تفتح أمام الكلمة وأمام الوجود الإنساني إمكانات لا يمكن أن تحتلها من دون الكتابة".
وقد تطورت تكنولوجيات المشافهة والمكاتبة فأصبحت متاحة للاستماع والقراءة في أي وقت وبصورة متكررة، بل وتكنولوجيات وأساليب جديدة تمامًا، تتيح للمستمع أو القارئ أن يتفاعل مع المواد المسموعة والمقروءة، فيطلب التوضيح، أو يلجأ إلى المناقشة والموافقة أو الاعتراض، وقد تم ذلك كله مع تطور أساليب النشر الإلكتروني للمحاضرات والخطب، وللمقالات والكتب. وأصبحت هذه الفرص متاحة للناس عبر شبكات دولية يدخل إليها الملايين في كل لحظة.
لقد نقل التسجيل الإلكتروني أساليب التفاعل الفكري بالمشافهة والكتابة إلى عصر جديد يتمكن فيه صاحب الفكر أن يتواصل مع أعداد كبيرة جدًّا من الناس، فيستمع، ويتحدث، ويتحاور، ويقرأ، ويكتب. وليس ثمة شك في أن على المهتم بالتفاعل الفكري، مثقفًا كان، أو مفكرًا، أو داعيةً، أو مصلحًا، أن يلجَ هذه الساحات المفتوحة، ويكون له فيها نصيب، تأثرًا وتأثيرًا.
المصدر: الفكر واللغة، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 204-207.
إعداد: د.مصطفى يوسف