هل يجوز أن تكون ( كم ) استفهامية وخبرية في نفس الآية ؟
د. أحمد درويش
معلوم في النحو أن ( كم ) الخبرية أو التعجبية دالة على الكثرة ، ولا تحتاج جوابا ، قال تعالى : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ) ... أي كثيرة هي الفئات التي غلبت
أما ( كم ) الاستفهامية فتدل على عدد ، ويُطلب لها رد : كم آية من القرآن قرأت ؟ فترد عشر آيات ...
غير أني وأنا أقرأ قوله تعالى : سَل بَني إِسرائيلَ كَم آتَيناهُم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّل نِعمَةَ اللَّهِ مِن بَعدِ ما جاءَتهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَديدُ العِقابِ﴾[البقرة: 211]
وقفت مترددا ، فقد أيقظت الآية نظري ، أهي هنا خبرية أم استفهامية ، فمسرعا ذهبت إلى حبيبي الزمخشري رضي الله عنه فألفيته يقول : ﻫﺬا اﻟﺴﺆاﻝ ﺳﺆاﻝ ﺗﻘﺮﻳﻊ ﻛﻤﺎ ﺗﺴأل اﻟﻜﻔﺮﺓ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻛﻢ ﺁﺗﻴﻨﺎﻫﻢ ﻣﻦ ﺁﻳﺔ ﺑﻴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻳﺪﻯ ﺃﻧﺒﻴﺎﺋﻬﻢ ﻭﻫﻲ ﻣﻌﺠﺰاﺗﻬﻢ، ... ﻓﺈﻥ ﻗﻠﺖَ: ﻛﻢ اﺳﺘﻔﻬﺎﻣﻴﺔ ﺃﻡ ﺧﺒﺮﻳﺔ؟ ﻗﻠﺖُ: ﺗﺤﺘﻤﻞ اﻷﻣﺮﻳﻦ. ﻭﻣﻌﻨﻰ اﻻﺳﺘﻔﻬﺎﻡ ﻓﻴﻬﺎ ﻟﻠﺘﻘﺮﻳﺮ "
فالزمخشري يراها محتملة الأمرين ، وإن كان شرحه لها يجعلنا نفهم أنه يميل إلى الخبرية ؛ لأن النعم كثيرة والآيات تترى فلن يستطيعوا لها عدا ...
وقد رأيت سيدنا الإمام الشعراوي رضي الله عنه يميل إلى جعل ( كم ) هنا خبرية دالة على الكثرة إذ نراه يقول : " ﻌﻨﺪﻣﺎ ﺗﺴﻤﻊ {ﻛﻢ} ﻫﺬﻩ ﻓﺎﻋﺮﻑ ﺃﻥ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ اﻟﻜﻤﻴﺔ اﻟﻜﺜﻴﺮﺓ اﻟﺘﻲ ﻳﻜﻨﻰ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﺩ ﻻ ﻳﺤﺼﻰ. {ﺳﻞ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻛﻢ ﺁﺗﻴﻨﺎﻫﻢ ﻣﻦ ﺁﻳﺔ ﺑﻴﻨﺔ} ... ﺃﻟﻢ ﻳﻔﻠﻖ ﻟﻬﻢ اﻟﺒﺤﺮ؟ . ﺃﻟﻢ ﻳﺠﻌﻞ ﻋﺼﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﺣﻴﺔ؟ ﺃﻟﻢ ﻳﻈﻠﻠﻬﻢ اﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﻐﻤﺎﻡ؟ ﺃﻟﻢ ﻳﻌﻄﻬﻢ اﻟﻠﻪ اﻟﻤﻦ ﻭاﻟﺴﻠﻮﻯ؟ ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﺃﻋﻄﺎﻩ اﻟﻠﻪ ﻟﻬﻢ؛ ﻓﻠﻢ ﻳﺸﻜﺮﻭا ﻧﻌﻤﺔ اﻟﻠﻪ ...ﻓﺈﺫا ﺟﺎءﻙ ﻭاﺣﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﻓﺎﺳﺄﻟﻪ: ﻛﻢ ﺁﻳﺔ ﺃﻋﻄﺎﻫﺎ اﻟﻠﻪ ﻟﻜﻢ ﻓﺄﻧﻜﺮﺗﻤﻮﻫﺎ، ﻭﺗﻠﻜﺄﺗﻢ. ﻭﺗﻌﻨﺘﻢ "
لكن الإمام ابن عاشور في التحرير يراها استفهامية ... كما رآها عدد من النحاة كما في حاشية الصبان والنحو الوافي ... والحجة هنا أنها واقعة في حيز السؤال ، فالمسؤول عنه عدد الآيات ...
وأراني أميل إلى جعلها خبرية دالة على الكثرة ؛ لأن السؤال هنا حمل على إقرار لا إرادة معرفة جواب عنه ، ولا ننكر الفهم الآخر ، فليس ثم سور يمنع التعدد في الأوجه إن وجدنا مندوحة لذلك ...
خلاصة المسألة عندي : جواز الوجهين مع قوة الخبرية الدالة على الكثرة والله أعلم ...
المصدر