من مظاهر الافتراق الأسلوبي بين القرآن والحديث
مستوى الألفاظ أنموذجًا
د. خليل محمد أيوب
هذه الدراسةُ - كما يدلّ عنوانُها- تدور حول أسلوبي القرآن والحديث، وما بينَهما من افتراقٍ أسلوبي لا يكاد يُحصى، يجعل لكلٍّ منهما هيئةً تختلفُ عن الأخرى، فما هذا الافتراقُ؟ وما معالمُه؟ ولِمَ كان؟ وعلامَ يدلّ؟ جملةٌ من الأسئلة أحاول أن أجيب عنها في هذه الدراسة. ولكنْ من الحسن قبل الشروع في تناولها أن أُبِيْن عن المراد من الافتراق موضوع الدراسة؛ إذ الافتراق الأسلوبي بين القرآن والحديث على ضربين: أولهما: افتراق في النّظم. وبه صار القرآن آيةَ النّبوة، وهو غير مقتصرٍ على الكلام النبوي، وإنّما يشمل كلّ كلام بشري، ومدار الكلام فيه على الفرق بين ما هو إلهي، وبين ما هو بشري. وثانيهما: افتراق في الألفاظ والتراكيب وطريقة القصّ وغير ذلك[1]، وهو افتراق لا يُتَصوّر وقوعُه لو كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم منشئاً للقرآن؛ وذلك لأنّ الإنسان لا يستطيع أن ينخلع من إنسانيته، ولا يستطيع أن ينفكَّ من أسلوبه؛ إذ (الأسلوب هو الرجل )[2].
وهذا الافتراقُ الأخير هو موضوع الدراسة، وسيكون كلامي فيه مقصوراً على مستوى الألفاظ، وسأكتفي بالتمثيل له بأربعة أوجه؛ وذلك لاستيفاءِ الكلام عليه ما أمكنَ، ودرسِه درساً مفصّلاً معلّلاً؛ فالنّظير يغني عن نظيره، والشبيه يدلّ على شبيهه.
وهذه الأوجه هي ما يلي:
أولاً- اللفظان مختلفان، والمعنى واحدٌ.
ثانياً- تطابقُ اللفظِ والمعنى، واختلافُ الصيغةِ والحال.
ثالثاً- اللفظ واحدٌ، والمعنى مختلفٌ.
رابعاً- اللفظُ في الحديث، ولا وجودَ له في القرآن.
أولاً- اللفظان مختلفان والمعنى واحد[3]:
أ- القذف والرمي في التعبير عن الاتهام بالزنا ظلماً وعدواناً.
إنّ من يستقري هذا المعنى في القرآن والحديث يلحظ افتراقاً تامّاً بينهما في التعبير عنه؛ فقد عبّر عنه القرآن بلفظ الرمي، وذاك ما لم يستعمله الحديث النبوي؛ إذ استعمل لفظ القذف. فمن أمثلة الحديث في استعمال لفظ القذف ما يلي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال: قال أبو القاسم صلّى الله عليه وسلّم: " مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ"[4].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ "[5].
وأمّا لفظ الرمي في القرآن للتعبير عن الاتهام بالخطيئة ظلماً وعدواناً فقد جاء في ثلاث آيات:
يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾[النور: 23].
ويقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4].
ويقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [النور: 6]. وفي (التعبير عن الشتم بالزنا بالفعل (يرمي) إشارةٌ إلى أنّ أثر اللسان لا يقلّ عن أثر السنان نكايةً، بل هو أشدّ وأبقى. ولك أن تذهب إلى أنّ في الفعل (يرمي) استعارةً تصوّر لك الحدث في صورة بصرية لا تكاد تغيب عن ناظريك. )[6] وقل مثل هذا في استعارة القذف وأكثر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو؟
لِم لم يدلّ القرآن على الاتهام بالزنا بلفظ القذف؟ ولِم لم يدلّ الحديث على ذلك بالرمي؟ بمعنى آخر: لِم كان ذلك الافتراق اللغوي بين الأسلوبين؟ وهل من فرق بين القذف والرمي؟ ثم لِم شاع لفظ القذف على ألسنة المسلمين منذ الزمن الأول، وتوارى اللفظ الآخر حتى لكأنّه اختفى؟ وحتى نجيب عن هذا السؤال إجابةً وافيةً تامةً فإنّه لا بدّ أن نستقريَ لفظتي القذف والرمي في الخطاب القرآني لنقف على دلالتهما وسياق استعمالهما. فإذا ما بدأنا بفعل القذف فإنّا نلاحظ أنّه قد جاء في تسع آيات، وهي:
﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2].
﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴾ [الأحزاب: 26].
﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 18]. ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ [سبأ: 48].
﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى* أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه: 38، 39].
﴿ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴾ [طه: 87].
﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ [سبأ: 51 - 54].
﴿ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ [الصافات: 8 - 10].
وينتهي المتأمل لهذه الآيات إلى ما يلي:
أولاً: أُسند فعل القذف إلى الله تعالى في أربع آيات، وهي: الحشر، والأحزاب، والأنبياء، وسبأ. وأُسند إلى غير الله في ثلاث آيات هي: آيتا طه، وآية سبأ. وفي آية واحدة جاء الفعل فيها مبنيّاً لغير فاعله، وكان الإسناد فيها غير صريح، وهي آية الصافات.
ثانياً: إنّ الآيات الأربع التي أُسند فيها القذف إلى الله كان القذفُ فيها على سبيل المجاز، وما بقي من الآيات فعلى سبيل الحقيقة.
ثالثاً: لم يُستعمل مع فعل القذف ألفاظ الأسهم والحجارة، وغير ذلك ممّا جاء مع فعل الرمي - كما سترى- ممّا يُرمى من مكان قريب، وإنّما استعمل معه لفظ الشهب كما في آية الصافات؛ وذلك لأنّ القذف لا يكون إلا من مكان بعيد. يقول الأصفهاني: "القذف: الرمي البعيد، ولاعتبار البعد فيه قيل: منزل قذف وقذيف، وبلدة قذوف: بعيدة. "[7].
رابعاً: جاء القرآن الكريم بفعل القذف في مقام الصراع مع الباطل، كما في الآيات التي أُسندت أفعالها إلى الله، وفي آيتي سبأ والصافات، وجاء به في مقام الحبّ الشديد للشيء، كما في آية أمّ موسى، ويكون المقذوف في هذه الحال ذا مكانةٍ عند القاذف، ولو تُرك إلى نفسه لمَا قذفه، فأمُّ موسى ما كانت لتلقي فلذة كبدها في اليمّ لولا أنّ الله أوحى إليها، ودفعها إلى ذلك دفعاً، وجاء به في مقام الرغبة في الخلاص ممّا تحبّ النفس؛ لأنّه ثقيل، وجاء من طريق غير صحيح، كما في آية قوم[8] موسى، فقد كان يتنازعهم شعوران:
أولهما: الحبّ الشديد للحلي.
وثانيهما: الإحساس بحرمة هذا الحلي؛ لأنّهم جاؤوا به من غير الطريق السوي الصحيح، وجاء به في مقام الاجتراء والتطاول على ما لا قدرة للإنسان عليه، كما في آية القذف بالغيب؛ إذ يرمي الكفار ظنونهم في الغيب البعيد. وكأنّ بُعْدَ الغيب عن معرفة الإنسان هو ما جعل القرآن يؤثر القذف على الرمي، الذي لا يكون إلا للمكان القريب.
وأمّا فعل الرمي فقد ورد في سبع آيات، نذكر أربعاً منها؛ لأنّ ثلاثاً قد ذكرت من قبلُ، وهذه الآيات هي:
﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 17].
﴿ انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ [المرسلات: 29 - 40].
• ﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾ [الفيل: 4].
﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 112].
ويخلص المتأمّل في الآيات التي ورد فيها فعل الرمي إلى ما يلي:
أولاً: لم يُسند فعل الرمي في تلك الآيات إلى الله تعالى إلا في آية الأنفال، وكان في هذه الآية رميٌ من النّبيّ صلّى الله عليه وسلم، بخلاف أفعال القذف التي خلُصت لله تعالى، ولكنّ ما أحدثته الرمية من أثر عظيمٍ لا يبلغه رميُ البشر جعل القرآن ينفي أن يكون حصل من النّبيّ رميٌ. يقول الزمخشري في التعليق على هذه الآية: "وما رميت" أنت يا محمّدُ (إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) يعني أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنّك لو رميتها لما بلغ أثرها إلّا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنّها كانتْ رميةَ الله حيث أثّرت ذلك الأثر العظيم، فأثبتَ الرمية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ لأنّ صورتها وجدت منه، ونفاها عنه؛ لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعلُ الله - عزّ وجل- فكأنّ الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنّها لم توجد من الرسول عليه الصلاة والسلام أصلاً. "[9].
ثانياً: جاء القرآن بفعل الرمي في مواجهة الباطل ومحاسبته، كما في آيات الأنفال والمرسلات والفيل، وجاء به كذلك في العدوان على الحقّ، نحو اتهام الناس ظلماً بفعل لم يقربوه، كما في آيات الرمي بالزنا، وآية النساء.
ثالثاً: استعمل القرآن مع فعل الرمي في مقام المواجهة والمحاسبة ألفاظاً كمثل: السهم (ضمناً)، والحجارة، وشرر جهنم. وهذه كلّها تكون من مكان قريب.
فإذا ما تفقّدنا النتائج التي خلصنا إليها من خلال النظر في استعمال القرآن لفعلي الرمي والقذف وسياقهما فإنّنا ننتهي إلى ما يلي:
أولاً: إنّ في إسناد فعل القذف إلى الله دون الرمي في عدد من الآيات - إذا ما استثنينا آية الأنفال- دِلالةً بيّنةً على أنّ في فعل القذف قوةً وحدّةً وتأثيراً أعلى ممّا في الرمي. ولذلك جيء به في المواجهات الكبرى كالتي بين الحقّ والباطل.
ثانياً: إنّ في اختصاص القذف - كما ظهر - بالرمي البعيد دِلالةً أخرى على أنّ في القذف قوّةً وشدّةً لا يبلغها الرمي؛ إذ يحتشد الرامي لرميته، ويستجمع لها كلّ قوّته حتى يصيبَ المراد، ويبلغَ الغايةَ. ثالثاً: إنّ المعاني التي جِيء بفعل القذف من أجل التعبير عنها يناسبها فعل القذف أكثر من فعل الرمي، وذلك لمَا في القذف من قوّةٍ وحزم وشدّة وإكراهٍ لا يبلغها فعل الرمي.
رابعاً: لم يُستعمل فعلُ القذف في التعبير القرآني في الدِّلالة على العدوان على الناس، وإنّما جُعل ذلك لفعل الرمي. ولعلّ السرّ في ذلك - في نور ما اهتدينا إليه، ووقفنا عليه - مردّه إلى أنّ المرميّ بالعيب والخطيئة والإثم يكونُ لحظة الرمي غافلاً عمّا يُدبّر له، ويُراد به، وحالُ كهذه لا تَستلزم من الفاعل أن يحتشد لرميته، ويستجمع لها عظيم قوّته، وإنّما يكفيه من القوّة بعضُ القوة لتحقيق مآربه ومراداته - وذلكم يناسبه فعلُ الرمي، لا فعلُ القذف- إذ يصيب الرامي برميته المرميَّ بغتةً على نحو ما يصيب السهمُ الرميّةَ. ويقوّي هذا التوجيهَ أنّ الرمي في القرآن وقع على أناسٍ ترى الغفلة في أحوالهم ظاهرةً كفلق الصبح؛ إذ وقع من الرجل يكيد لامرأته -من غير علمٍ منها- يريد تطليقها. ووقع على البريء الغافلِ عمّا يراد به، وكذلك وقع على المحصنات الغافلات المؤمنات.
ولكنْ قد يقال: إنّ مثل هذا التوجيهِ يقتضي اطّراد استعمال فعل الرمي، وأن لا يُستعمل لفظ القذف أبداً؛ وذلك لأنّ حالّ من يُرمى بالزنا ظلماً واحدٌ. وإذا كان ذلك كذلك فلِم لمْ يستعملِ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فعل الرمي مؤْثِراً عليه فعلَ القذف؟ والذي أراه - في نور ما سبق- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم كان في اختياره القذفَ بدلاً من الرمي ناظراً إلى ما يَحْدُث في نفس المرميّ بالزنا ظلماً وعدواناً من أذى واسع عريضٍ تنوءُ بحمله الجبالُ الراسياتُ، ولم يكنْ لحالِ الغفلة التي يكون عليها المرميُّ لحظةَ الرمي - كما كان الحال في القرآن - أيُّ اعتبارٍ أو نظرٍ. وذلكم حالٌ يناسبه فعلُ القذف، لا فعلُ الرمي؛ لأنّ في القذف –كما ظهر- من القهر والأذى والإكراه مالا يبلغه فعل الرمي.
يقول الرمّاني في تعليقه على استعارة القذف في قول الله تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هُو زاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون ﴾[ الأنبياء: 18] "وإنّما كانت الاستعارة أبلغ؛ لأنّ في القذف دليلاً على القهر؛ لأنّك إذ قلت: قذف به إليه فإنّما معناه: ألقاه إليه على جهة الإكراه والقهر.. "[10].
وقد يكون في هذا الذي أقوله تفسيرٌ معقولٌ لسبب شيوع لفظ القذف على ألسنة الناس في كلّ زمان؛ وذلك لأنّ ما يعني الناس، ويهمّهم ما يتولّد عن تهمة الزنا ظلماً من آلام عظامٍ تذبح المرميّ بها. وواضح أنّ الافتراق الأسلوبي هنا مردّه إلى الاختلاف في زاوية النظر، وواضح كذلك أنّ الاختلاف قد اطّرد اطّراداً تامّاً، ولا تفسير لذلك إلّا أنّ منشئ الحديث لا يمكن أنّ يكون بحالٍ من الأحوال منشئاً للقرآن.