من أحاديث القرية:
2- قرية منسية
(إهداء إلى أبي عبد العزيز عبد الله أبو راس، فهي ثمرة حوار بيني وبينه في منتدى بني خثيم غامد)
مر شاب فارع الطول مزهوّ بشبابه مغترّ بصحته وقوته بقريته القابعة بخنوع وتهاو وتفكّك وتخلّع في حضن جبل شاهق متطاول على الأزمنة والأمكنة، وممتلئ بأشجار العَرْعَر التي بدت وكأنها عمامة خضراء يعتمرها أحد السادة الذين ينتمون إلى النسب الشريف، يحاولون بها التميّز عن غيرهم من الناس.
قال في نفسه: لا شك أن لقريتي رُوْحًا وتاريخا يعجّ وتفوح منه رائحة إنسانية عذبة وغنية معطّرة بروائح الكادِي والرَّيحان، وبكل نَبْت يمتاز برائحته التي إذا مرت بأنف أحدهم سجّلت خُلودا في ذاكرته يستعصي على النسيان.
وقف يرقب قريته عن كَثَب، ولم تُسْعِفُه مزاياه الخَلْقيّة والخُلُقِيّة في تجنب الرَّهْبة والخوف أمام هيبة المكان وجماله وجلاله وما يشعُّ منه وبه من الوحشة ورائحة الخُواء.
وهكذا لم يجرؤ على دخولها:
القرية يلفّها سكونٌ مُهيب، والبرد شديد مع أن الرياح لا تهب، لقد كان أبناء القرية يسمّون هذه الحالة بالصّمْطَة والقِرّة.
كان يتأمل الصمت والضباب (تذكّر أنهم يسمونه: الضّريبة) المنزوي أكداسٌ منه في بطون الشعاب والأودية، وكأنه يخشى ريحا مبددة، أو شمسا مُبخّرة.
شدّه المنظر وانثالت عليه ذكريات الطفولة التي عاشها في قريته.
نعم، لم يكن يجرؤ على الاقتراب منها كثيرا، ولا على المغامرة بدخولها؛ لأنها قد خلت من أهلها، وغدت يبابا، وبخاصة في هذا الوقت الشديد البرودة الذي كانوا يسمونه (الشِّتْوِيّة).
خفق قلبه وانتابه قلقٌ عندما رأى (خَيَالًا)، ظنه رجلًا يمشي بين البيوت، قال: ربما كان شبحًا كالذي نسمع عنه في الأفلام الغربية، وربما كنت أتوهّم بسببٍ من شدّة غربة الفراغ والخواء الذي أراه أمامي، لا حسّ ولا صوت، لقد خمدت الحياة خمودًا مرعبا في هذا الوقت المبكر من صباح بارد من صباحات السراة، حتى الطيور لا زالت هاجعة، وربما كانت تنتظر أن تدفأ الأجواء قليلا.
خفق قلبه مرّة أخرى وهو يرى ذلك الزّول يتقدم نحوه بطيءَ الخطى ممّا حُمّل من اللباس، لم تكن المسافة قريبة حتى يتحقق منه ليعرف أهو إنسي أم جنّي.
حسنا - قال لنفسه - وهل أعرف الجنّي؟ وبخاصة إذا أتى في صورة إنسيّ، وما بالي أنساق وراء ما شاع في حياة الآباء والأجداد من الخرافات والأساطير، لقد كانوا ينسبون إلى الجنّ كل شيء يحدث ممّا لا يعرفون فاعله، حتى المرض بالحمى الروماتزمية، نعم، كانوا يقولون: (كتّفَتْهُ الجنّ)، وإذا أصيب أحدهم بشدّ في أعصاب الوجه، قالوا: تَشَدّق، وشدّقته الجنّ، بسبب (أُنُّهْ خرجْ من البيتْ وما سمَّى بالرّحمن)، وهكذا.
مرّ وقت ليس بالقصير، وهو مستغرق في تأملاته وهواجسه، نظر على امتداد بصره باتجاه المكان الذي تراءى له فيه الخيال، فرأى الزّول يقترب وقد بدأت ملامحه تتّضح، نعم هو إنسيّ، ولكن هل هو متّجهٌ إليّ قاصدًا لي؟ سأنتظر.
اقترب (الخيال) كثيرا منه، وأشار إليه بيده، فردّ عليه بتلويحة، عرف أنه يقصده، مشى خطوات نحوه، وكانا كلّما اقتربا زادت الملامح وضوحًا.
قال: سلام عليكم، من أنت يا أخي، وما الذي جاء بك إلى قرية خالية في هذا الوقت.
ردّ عليه الشخص القادم: وعليك السلام، (جابني اللي جابك، ما عِرِفْتاني).
قال: صوتك، كأني أعرفه، لكن ما عرفتك.
اقتربا جدا، وتحقّقا من بعضهما، وعرف كل منهما صاحبه، واحتضن كل منها الآخر، وجلسا يتحدثان وقد بدأت الرياح تدور حولهما، فلجآ إلى السيارة يتجاذبان أطراف الحديث، وبدأت الريح تعوي كذئب جائع مصاب، والسحب تتجمع، ولم يطل الوقت حتى تساقطت الأمطار بشدّة، قاذفة السيارة من جميع جهاتها بالفروع والأغصان وأشياء أخرى، داخلهما الخوف؛ فقد بدا وكأنهما في بحر لجيّ.
بدآ يقطّعان الوقت بالحديث، قال لصاحبه: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ كن صريحا، ولا تتذاكى وتُرَدِّد: جابني اللي جابك.
قال صاحبه: بصراحة، وأظنك مثلي، جاء بي الشوق والحنين إلى القرية والأيام التي عشتها فيها، يا للأيام ويا للأمكنة، كانت مضمّخة بعطور الكادي، والرياحين، والبُعَيْثِران، وبعَبَق العَرْعَر، والسَّنُّوت، والعُثْرُب، والخِرْوِع، والحُرّاق، وبطعم اللَّوز والخريف والعَصِيف والدُّجُر والقَضْب، وبأصوات السواني والمحّالات والدّوارِج وصريفها، وبثُغاء الشِّياه والطُّليان والبَهَم، وبخُوار البقر والثيران، وبكل ما يصوّت ويعبق في قريتنا العزيزة حتى صَكْصَكَة الحصى في المساريب، وطَقْطَقَة الضُّروس من شدّة البَرْد.
يا الله، كم شممت الكادي والريحان، وكم مضغت شَخَامِيْت العُثْرُب، وأزلت بها ضرَس الخُوخ الفَدَرِيّ البَطْحانيّ، وطِعِمْتُ مَرَارةَ الثُّفَّة، وحَلَّيتُها بالسَّنُّوت والقُرَّاص، وكم قِضِمْت القَلْيَة وحبَّ الحاجّ، وكم شَمَّيْت رائحة الحَمِيْصة فتناولت عِذْقا وفركته بايديّه بعدما استوى تشويطه، وكم شممت رائحة الرّز البَكّة المنبعثة والفايحة من طرف القرية فتجوّلت في الساحة والمِسْراب حتى أدركته، ومن كفّ العمّة طِعِمْتُه، وكم تأَلّمت من شوك الطَّلْح والمَرَار, لا بُوْت ولا شُرَّاب، بل أَتَوقاه بالحُذْيان أمّ أُصْبُع أحيانًا ، والمدفأة ما هِلاّ (ما هي إلاّ) جَلْسة جَنْب الْمَلَّة، ونشرب الماء من الطّاسة والحَلَّة، والقرص اليابس في الحَقِيْنَة نَبْتَلّه، وسيارتنا حُمارة مربوطة في الْمُذْوُد، وثّلاجتنا كُلاَّبٌ في الزّافِر، ونتوقى الغُدْرة بالنور لكن ماشَيْ كهربه، يا سلامي وسَلِّمْ لي على الفانوس والقَازة، وأمّا الحَمّام، فما شي ولا حمّام، وفي الليل نقضي الحاجة فوق الجَنَاح، وإلاّ تحته إن كان معنا فانوسُ، هذا أنحن الصُّغار أمّا الكُبار فالله أعلم وش يسوّون، وفي النهار نُخْرج للرُّبَعات والسُّنادة لقضاء الحاجة، وما أدراك ما السُّنادة، وما نلقى فيها من العقارب، والفضلات والخنافس، وبعض الأحيان الحُناشة وفُرُوخها، وإذا بغينا نِفْتِرِش فالفَرْشَة ذِيْك الشَّمْلة، واللباس قماش دُوْت مُصَفِّر، وفيه من الرُّقَع أشكال وألوان، الله يا ذاك البَرْد والقِرّة صُبْحَى وأُنْحُن رايحين المدرسة، ووقت الفُسْحة نأكل (الفُسحة) وهي قُرَاشة من باقي البارِح وإلا قَبْله، إنْ كان بِقِيْ، وإلا (ما شي ولا عداله).
قال مقاطعا وضاحكا: يعني لا مشكلة، يعوض الله بخير.
خرج الصديق القديم من تأملاته وذكرياته، وردّ قائلا، أشوفك ما نسيت أمثال أهل الديرة وعباراتهم وهروجهم.
قال: لم أنس، ولكن ركبني مرضُ التفاصح نوعا ما.
فاستأنف الصديق: كانت أحوالنا - يعلم بها الله – في غاية السوء، ولكن ما أحلاها من حياة، وما أهناها من عيشة رغم كل الصعوبات - التفت إلى القرية - حلوة أنت رغم مرارة الأيام، نُسِجت على أرضك أرواحنا وأجسادنا فتعفّرت بترابك ورياحينك ووَرْدِك وفُلّك وزهرك وعُشبك وخَلاك وصيفك وخريفك وبَرْدك، ورياحك الشّرقية والبَحْرية، ودُمُنك وما فيها من دواحيس وديدان وطفيليات من شتى الأشكال والألوان، ومياهك صافية ومُدَغْثَرة، حلوها وهَمَاجها، فكان سُدانا ولُحْمتنا حُبُّك والحنين إليك ولكل ما فيك، آه من غابات الغُرْبة والإسمنت ثم آه من قسوة المدن وأنانياتها، ليتنا نعود ونبقى فيك حتى الممات.
أنهى كلامه متنهدا، ثم سكت، والتفتا إلى بعضهما، ورأى كل منهما دموع صاحبه، فلاذا بصمت طويل منتظرين توقف الأمطار، ومنصتين إلى عويل الرياح وصخبها، وإلى صراخ الحياة وعنفوانها.