سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الثامنة والستون:أ.د. علي عبد الواحد وافي، ورأيه في أهم الأسباب التي أدت إلى الغزارة الكبيرة في مفردات العربية الفصحى:
ترجع أهم الأسباب التي أدت إلى الغزارة الكبيرة في مفردات العربية الفصحى ومترادفاتها إلى الأمور الآتية:
1- أنه قد انتقل إلى اللغة العربية من أخواتها السامية وغيرها في أثناء صراعها معها، وخاصة من الآرامية واليمنية القديمة والفارسية، مفردات كثيرة كان لها نظائر في متنها الأصلي.
2- أن جامعي المعجمات قد نقلوا معظم موادها عن لغة قريش، ومن المقرر أن لغة قريش، نظرًا لطول احتكاكها باللهجات العربية الأخرى، قد انتقل إليها طائفة كبيرة من مفردات هذه اللهجات. ولم تقف لغة قريش في اقتباسها هذا عند الأمور التي كانت تعوزها، بل انتقل إليها كذلك من هذه اللغات كثير من المفردات التي لم تكن في حاجة إليها لوجود نظائرها في متنها الأصلي، فغزرت من جراء ذلك مفرداتها، وكثرت المترادفات في الأسماء والصفات، وأصبحت الحالة التي انتهت إليها أشبه شيء ببحيرة امتزج بمائها الأصلي مياه أخرى انحدرت إليها من جداول كثيرة.
3- أن جامعي المعجمات لم يأخذوا موادها عن لغة قريش وحدها، بل أخذوا كذلك بعض موادها من لهجات المحادثة في قبائل أخرى كثيرة. ولهجات المحادثة كانت تختلف في بعض مظاهر المفردات والأوزان باختلاف القبائل، حتى بعد تغلب لغة قريش واتخاذها اللغة الأدبية لسائر العرب. وكان من جراء ذلك أن اشتملت المعجمات على مفردات لم تكن مستخدمة في لغة قريش ويوجد لها مترادفات في متن هذه اللغة الأصلي وفيما انتقل إليها من غيرها، فزاد هذا من نطاق المفردات والمترادفات في هذه المعجمات سعة على سعة.
4- أن كثيرًا من الكلمات التي تذكرها المعجمات على أنها مرادفة في معانيها لكلمات أخرى، غير موضوعة في الأصل لهذه المعاني، بل مستخدمة فيها استخدامًا مجازيًّا.
5- أن الأسماء الكثيرة التي يذكرونها للشيء الواحد ليست جميعها في الواقع أسماء، بل إن معظمها صفات مستخدمة استخدام الأسماء. فكثير من الأسماء المترادفة كانت في الأصل نعوتًا لأحوال المسمَّى الواحد، ثم تُنوسيت هذه الأحوال بالتدريج، وتجردت مدلولات هذه النعوت مما كان بينها من فوارق، وغلبت عليها الاسمية؛ فالخطار والباسل.. وما إلى ذلك من أسماء الأسد هي في الحقيقة أوصاف له يدل كل منها في الأصل على وصف خاص مغاير لما يدل عليه الآخر، وكذلك ما يُعد من أسماء السيف، كالهندي والحُسام والعضب والقاطع... وهلم جرًّا.
6- أن كثيرًا من الألفاظ التي تبدو مترادفة هي في الواقع غير مترادفة، بل يدل كل منها على حالة خاصة تختلف بعض الاختلاف عن الحالة التي يدل عليها غيره. وإليك مثلاً: رمق ولحظ وحدج وشفن ورنا... وما إلى ذلك من الألفاظ التي تدل على النظر؛ فإن كلًّا منها يعبر عن حالة خاصة للنظر تختلف عن الحالات التي تدل عليها الألفاظ الأخرى. فـ(رمق) يدل على النظر بجامع العين، و(لحظ) على النظر من جانب الأذن، و(حدجه) معناه رماه ببصره مع حدة، و(شفن) تدل على نظر المتعجِّب الكاره، و(رنا) يفيد إدامة النظر في سكون.
المصدر: التأليف المعجمي العربي قديمه وحديثه وأقسامه وأغراض كل قسم وطريقته، بحث منشور في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 60، مايو 1987م. (بتصرف)
إعداد: د.مصطفى يوسف