اجتهاد نحويّ في إعراب الاسم الموصول
أ.د مصطفى الجوزو
ينسب البغداديّ إلى الرضيّ الأسترباذيّ، متكئاً على ابن هشام أيضاً في كتابه: التذكرة، أن صلة الموصول لا محل لها من الإعراب إلاّ إذا كان الاسم الموصول هو «أل». وأنا أجتهد فأقول: إن الصلة والموصول معاً ينبغي أن يؤولا دائماً باسم مشتق إن كانت الصلة جملة فعلية أو شبه جملة (لأن شبه الجملة يتعلق بفعل محذوف غالباً)، وباسم جامد إن كانت الصلة اسمية، وينبغي أن يكون هذا الاسم هو صاحب المحل الإعرابي؛ فقول الآية الكريمة :«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» يعني: يَرْفَعِ اللَّهُ المؤمنينَ مِنْكُمْ، فتأويل «الذين آمنوا» هو المؤمنون، ومحل المؤمنين من الإعراب مفعول به، وليس المفعول به هو «الذين» وحدها. وقول الآية « قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ» يعني: قال العالمُ ببعض الكتاب، فالموصول وصلته في محل رفع فاعل. كما أن قول الآية الكريمة :«أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ» يعني أَتَسْتَبْدِلُونَ الأَدْنَى بالخير؟. وقولنا : أخوك الذي هو سعيد أفضل منك، يعني: أخوك سعيدٌ أفضل منك.
واللافت أن ابن هشام يصرح في شرح الألفية بأن «الذي» حرْفٌ يؤوّل مع صلته بمصدر، وهذا مما قد يكون قرينة على ما ذهبت إليه، وإن كان قد أدخل «الذي» نفسها في الأسماء الموصولة، فهي عنده حرف، أحياناً، واسم، أحياناً أخرى.
ولعل سبب تحاشيهم القول بتأويل الموصول وصلته، هو أن المؤولات مع ما بعدها تكون عادة أحرفاً لا أسماء، وأنها تؤول بمصدر لا باسم مشتق. وليس هذا سبباً كافياً، لأن الأسماء الموصولة مبنية فهي تشبه الحروف، ولأنه يمكن التوسع في التأويل فنجعله يشمل غير المصادر من الأسماء في حالة الاسم الموصول.
وهذا يجنب النحاة إشكالية الاسمية والفعلية في «أل» الموصولية الداخلة على الفعل، في مثل قول الشاعر :«صوتُ الحمارِ اليُجَدَّعُ»، أي الذي يجدَّع؛ فقد زعموا أن لـ «أل» صورة الحرف فلا يقع عليها إعراب، ولذلك يُعار إعرابها للجملة الفعلية، جملة الصلة، فتكون هذه الجملة هنا في محل جر. ولا شك في أن تأويلنا لـ «اليجدّع» بالمجدَّع أسهل بكثير من تلك المتاهة التي أدخل النحاة أنفسهم فيها، وهذا يسمح لنا بالقول إن جملة الموصول وصلته في محل نعت مجرور في هذا المقام؛ علماً أن تشبيه «أل» بالحرف ليس دليلاً، لأن أكثر الضمائر والظروف شبيهة بالحرف، ويكون لها مع ذلك محل من الإعراب.
والأمر نفسه يقال في الحالة الاسستثنائية التي نسب البغدادي ذكرها إلى ابن هشام ولم تذكرها أكثر كتب النحو وهي قول الشاعر :«من القومِ الرسولُ اللهِ منهم». أي الذين رسول الله منهم. فهذه يمكن تأويلها بعبارة: من القوم الهاشميين.
وفي النهاية، إني لأكاد أجرؤ على القول أنْ ليس هناك من اسم موصول بل جميع الموصولات أحرف، تشبه الأحرف المصدرية، لكن مؤوّلاتها أسماء مشتقة أو جامدة لا مصادر.
هو رأي أعلم أن أحداً لن يأخذ به، لأن من الصعب زحرحة أصحاب النحو عما اعتادوه، لكنني أطرحه فعسى أن يقتنع به بعضهم، وإن لم يجرؤ هذا البعض على العمل به.
ملحوظة: الموصول «أل» يستعمل بكثرة في بعض العاميات، ولا سيما العامية اللبنانية، لكن بحذف الهمزة غالباً، كأن نقول: المدرسة لِدْرست فيها، الشبّ لْعمَّك بيعرفوا.
مصدر المقال