مجالي الاستصحاب عند النحاة العرب (7):
رضي الدين الإستراباذي (ت 686 هـ)
د. تامر عبدالحميد أنيس
وأما رضي الدين الإستراباذي، فلا نجده يستعمل مصطلح "الاستصحاب" في شرحَيْه على الكافية والشافية لابن الحاجب، بل يستعمل الإبقاء على الأصل أو الحال[1].
كما يَبرُزُ عنده استعمالُ "رعاية الأصل"؛ كما في قوله: "وقولك: الذي علِمت زيدًا إيَّاه قائمٌ، أَوْلى مِن قولك: الذي علِمته زيدًا قائمٌ، وذلك للتوطئة المذكورة، أو لرعاية أصل المفعول الثاني؛ إذِ العاملُ فيه في الأصل ما يجب انفصالُه عنه كما في كنتُ إياه"[2].
وقوله: "فإذا بَعُدَ رائحة المبتدأ والخبر اللذينِ حقُّهما الانفصال، وجَب اتصالُ أولهما لقُربِه مِن الفعل، فالأَوْلى في الثاني الانفصال رعايةً للأصل"[3].
وقوله: "اللام الداخلة في خبر (إنَّ) أصلُها أن تدخل في المبتدأ، ثم تأخَّرت عن الابتداء لدخول (إنَّ)، فهي تدخل على الاسم، أو على ما أَشبه الاسم؛ مراعاةً لأصلها وهو المبتدأ"[4].
وقوله: "أما الاستفهام ولام الابتداء، و(ما) و(إن) النافيتان؛ فللزوم وقوعِها في صدر الجمل وضعًا، أُبْقِيَتِ الجُمَل التي دخلَتْها على الصورة الجُمْلِيَّة رعايةً لأصل هذه الحروف، وإن كانت في تقدير المفرد"[5].
وإلى جانب ذلك نجدُه يستعملُ تعبيرًا جديدًا هو "النظر إلى الأصل"، وذلك في قوله: "يجب أيضًا تأخيرُ الخبر إذا اقترن بالفاء؛ نحو: الذي يأتيني فله درهمٌ، نظرًا إلى أصل الفاء الذي هو التعقيب"[6].
وقولِه: «إذا وقع بعد المفعولِ معه حال مما قبله أو خبر عنه؛ نحو: كنتُ وزيدًا قائمًا، وسِرْتُ وزيدًا راكبًا - فحكمُه في مطابقةِ ما قبله حكمُه لو وقَع قبل المفعول معه، وقد يجوز أن يُعطَى حكم ما بعد المعطوف، فيقال: كنتُ وزيدًا منطلقينِ، وسِرْتُ وزيدًا راكبينِ، نظرًا إلى المعنى وإلى أصل الواو؛ أي: العطف"[7].
كما تظهَرُ عملية الاستصحاب عنده أيضًا في منع ما يخالف الأصل بلا داعٍ، وذلك في قوله: "(قوله: فإن كان الفعلُ لفظًا وجاز العطف، فالوجهانِ)، هذا أَوْلَى مما قال عبدالقاهر في نحو: قام زيد وعمرو، أنه لا يجوز فيه إلا العطف، ولعله قال ذلك؛ لأنه[8] مخالفةٌ للأصل الذي هو العطف لا لداعٍ"[9].
وقوله عن رفع الظرف الواقع خبرًا عند البصريين: "وأما رفْعُها عندهم، فعلى حذف المضاف كما مَرَّ، وهي باقية على الظرفية، وهو أَوْلى؛ إِذْ خروجُ الشيء عن معناه خلافُ الأصل، فلا يُرْتَكَبُ ما أمكَن حملُه على عدم خروجه عنه"[10].
وقوله: "واعتذَر البصريون عن المواضع التي استدل بها الكوفيون [على جواز وقوع أسماء الإشارة موصولةً] - بأنَّ أسماء الإشارة فيها باقيةٌ على أصلها؛ دفعًا للاشتراك الذي هو خلاف الأصل"[11].
*****
[1] انظر مثلًا: شرح الكافية للرضي 2/ 95، وشرح الشافية له 2/ 28، 55.
[2] شرح الكافية للرضي 2/ 15.
[3] السابق 2/ 18.
[4] السابق 2/ 226.
[5] السابق 2/ 281.
[6] السابق 1/ 98.
[7] السابق 1/ 198.
[8] يعني: نصب ما بعد الواو على أنه مفعول معه.
[9] شرح الكافية للرضي 1/ 195.
[10] السابق 1/ 96.
[11] السابق 2/ 42.