من تجليات البيان القرآني:( ذلِكَ بِأَنَّ مِنهُم قِسِّيسِينَ) لا قساوسة
د. أحمد درويش
في حديث الله عن أصحاب النجاشي من القسيسين والرهبان قال ربنا :(ذلِكَ بِأَنَّ مِنهُم قِسّيسينَ وَرُهبانًا وَأَنَّهُم لا يَستَكبِرونَ) [المائدة]
عندنا هنا في جزء الآية سؤالان
الأول : لم قيل ( قسيسين ) لا ( قساوسة أو قُسُوس) وهما جمعان صحيحان ؟ ...
الثاني : ما حكمة تقديم ( قسيسين ) على ( رهبانا ) ...؟
أما ذكر ( قسيسين ) فإنه تعبير عن القلة مقارنة ب ( قساوسة وقسوس) الدالتين على الكثرة ، فعُرْفُ النحاة أن جمع المذكر السالم ( قسيسين) من جموع القلة ... وهذا واش بأن علماء الدين ليسوا على درجة واحدة من الإخلاص والنقاء ، فثم علماء قليلون مستمسكون بدينهم ، وهناك آخرون أطلق عليهم علماء وما هم بعلماء ...
ففيهم الذين باعوا كل شيء من أجل الدين ، وفيهم من يبيع الدين من أجل مآرب شخصية ... فالقلة دوما هي المحمودة المشكورة ... أما الكثرة ففيها كلام ... وهذا أمر لا يخفى على أحد ...
أما السؤال الثاني ( تقديم قسيسين على ( رهبانا) فالتقديم هنا يدل على قيمة العلم والعلماء ، ذلك أن ( القسيسين) حسبما تقول التفاسير هم العلماء الصادقون رؤساء الدين ...فالقسيسون هم من يجمعون بين العلم والعبادة ، أما الرهبان فهم المنقطعون فقط للعبادة ... ففاق القسيسُ العالمُ العابدُ الراهبَ المتدينَ فقط ...
فهم يقدمون الذي بيانه أهم ، وهم ببيانه أعنى ... أي أكثر عناية ... بعبارة سيبويه ... رضي الله عنه ...
وهنا إلماحة قرآنية...
فالواجب على كثير العبادة أن يكون ذا علم ؛ حتى يخلط عبادته بمعرفة ربه ، فعابد من دون علم أشد على الأمة من جاهل ... ففضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.