بين تشومسكي وهبة الله الشيرازي470هـ
د.رائد عبد الرحيم
قد يبدو هذا العنوان غريباً، فما العلاقة التي تربط عالمًا لغويًّا يشار إليه بالبنان في عصرنا، وهو تشومسكي، وبين داعية ومفكر وفيلسوف في القرن الخامس الهجري، وهو هبة الله الشيرازي أو المعروف بداعي دعاة الدولة الفاطمية، أقول: إن الجدل الفكري الذي شهدته المذاهب الإسلامية عبر تاريخ الإسلام، جعل العقول تتفتق عن رؤى وأفكار وفلسفة، فتحت جوانب مهمة على المستويات المعرفية كلها، لا على المستوى الديني وحده، فالعلاقة بين تشومسكي وهبة الله الشيرازي هي علاقة مرتبطة بالتفكير اللغوي، فشومسكي قاده علم النفس المعرفي إلى نظريته المعروفة بالنحو الكوني، والبنى العميقة والسطحية، والكفاءة وغيرها، أما هبة الله الشيرازي، فتفكيره في صورة الإمام وإعجاز القرآن جعله يتقاطع مع تشومسكي في بعض تفكيره، فما هو هذا التقاطع؟
يرى تشومسكي أن اللغة تقسم إلى بنية عميقة وبنية سطحية، تحتوى البنية العميقة على المعاني التي تترتب بالذهن قبل أن تتحول إلى السطح بوساطة عمليات تحويلية قواعدية، ويرى تشومسكي أن البنى العميقه أو المعاني تتلاقى فيها اللغات جميعها، إذ لولا المعاني لما تمكن أحد من تعلم لغة، فالقمر معناه موجود في اللغات كلها، وكذلك الشمس، والنجوم، والدجاجة و,,، ولكن اللغات تختلف في القواعد التي تحوّل هذه المعاني إلى بني سطحية، التي تتفاوت في بلاغتها حسب الكفاءة الموجودة في ذهن ابن اللغة : كفاءة المفردات والتراكيب والثقافة والتراث اللغوي...وغيرها . فالمعاني هي العامل المشترك بين الشعوب، وقد تلتقي القواعد في مسمياتها : الفاعل والمفعول به...،ولكنها مختلفة فيما بينها في نهاية المطاف. وهذا كلام حق، فالإنسان لا يمكنه أن يتعلّم لغة ما إذا لم يكن هناك أشياء مشتركة بين اللغات، والأساس المشترك المعاني التي نفهمها .أما بلاغة الخطاب والأساليب وتدرج اللغة في مستوياتها وقوتها، فلا يستطيع فهمها إلا ابن اللغة أو من كان متجذرا في تعلّمها وتعليمها، وقضى سنوات كثيرة من عمره.
هذه النقطة هي التي بدأ منها هبة الله الشيرازي ليوصل فكرته في أن المعاني الباطنية التي يعلمها الإمام ولا يعلمها غيره من البشر هي التي تجعل القرآن معجزاً، فليس أسلوب القرآن هو المعجز، ولا بلاغته لأنه حسب رأيه أن هذه البلاغة خاصة بالعرب دون سواهم، فلا الهندي ولا الأوروبي والا الآسيوي يعنيه هذا الإعجاز لأنه لا يفهمه، ومن هنا راح ينفي أن يكون إعجاز القرآن في بلاغته، وراح يؤكد أن المعاني هي المشتركة بين الأمم لا الأساليب وإليكم قوله : " إن معجزة القرآن الذي هو كلام عربي تختص بلسان العرب، فإنه يستحيل أن يكلّف الرومي والهندي والتركي أن يقبلوا القرآن معجزاً، ويؤمنوا به وبمن أتى به ، فما حجة النبوّة، نبوة محمد،صلى الله عليه وسلّم، على هذه الأمم كلّها، إلى أن يقام عليهم من صورهم وتراكيبهم حجج عقلية هي موجودة في معاني القرآن دون ظاهر لفظه عند الراسخين في العلم، يقوم بها برهان نبوة النبي، صلى الله عليه وسلّم، وإلا فلا برهان"
ودمتم بخير
هـ