ب- إذا كان هذا الاتجاه قد نجح نسبياً، فإنه قد أخفق نسبياً أيضاً. وإذا كان من أهداف هذا الاتجاه نقل التراث، فإن هذا لا يعني أن الإفادة من التراث ستتم بطريقة آلية. والتفسير الممكن لهذا هو أن الذهنية التي أنتجت التراث هي غير الذهنية التي تلقته. وإننا لا نملك، بالإضافة إلى ذلك، لا الاستعدادات العقلية لذلك، ولا الاستعدادات النفسية، ومناهج التربية وأساليب البحث العلمي عندنا تحول بيننا- في معظم الأحيان وعند معظم المثقفين- وبين بلوغ النضج العقلي الذي يسمح بالإفادة الكلية. وإذا كنا نحكم بأن إفادتنا جزئية، فمن الأفضل أن نعدد الأسباب بشكل أوضح:
ا- إن المكونات الحضارية التي وَلَّدت هذا الفكر تختلف عن المكونات الحضارية للمجتمع الذي نعيش فيه، والتي من خلالها ننظر إلى التراث.
2- إذا كان هذا التراث هو نتاجاً حضارياً لمجتمع متحضر، فإن المجتمع الذي نؤلفه لا يمت إلى الحضارة بصلة، هذا إذا اعتبرنا الحضارة فكراً وروحاً. إن مجتمعنا في أحسن أحواله مجتمع "متقدم مادياً وتقنياً ". ولو عدنا إلى العلامة ابن خلدون لرأيناه يربط تطور الذهنية العلمية بالحضارة ربطاً لا انفصام فيه، إنه يقول:
"وأما العلوم العقلية أيضاً فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه" [7] .
وهو يعزو ذلك كما قلنا إلى الحضارة:
"فلم يزل كل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة.
فلما ضربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع ذهب العلم" [8] .
3- إن هذا التراث يقوم على الديمومة لأنه يتمثل في المجتمع المتحضر الذي أبدى لسان الحقيقة. وهذا يعني أن جوهر التصور الذهني والفكري للذين أوجدوه كان مبنياً على اليقين. أما المجتمع الذي نعيش فيه، فيقوم على عكس ذلك تماماً: لا ديمومة تمثل الحقيقة، ولا ثبات يرافق النمو الفكري والإبداع العقلي، ولقد حل الشك محل اليقين. إن مجتمعنا كتصور ذهني، قد بني على الفرضية ونقيضها في نفس الوقت.
4- كان المجتمع العلمي الذي ولَّد هذا التراث، في كل ميادين أبحاثه، يعمد إلى تفكيك العناصر ثم تركيبها وفق قوانين مستقاة من سنن صدرت عنها هذه العناصر. والاتجاه العلمي المعاصر يعمد فقط إلى تفكيك العناصر إلى وحدات، ثم يعمد إلى هذه الوحدات فيفككها إلى وحدات أخرى أصغر، ثم أصغر حتى تفقد كل صلة لها بأصولها الأولى، أو بالقوانين التي بنيت عليها والنظم التي جمعت بينها. ولقد عبر ابن خلدون عن الرؤية العلمية التي كانت عند أصحاب هذا التراث فقال:
"وأما العلوم التي هي آلة لغيرها (.....) ، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط ولا يوسع فيها الكلام، ولا تفرع المسائل لأن ذلك مخرج لها من المقصود، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير. فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود" [9] .
نستخلص من كل ما سلف أن الإفادة من التراث تستدعي منا تأمين شروط معينة بدونها لا نستطيع استيعاب كل الأبعاد الحضارية لهذا الفكر. وقد تثير هذه النظرة حفيظة "المغتربين"أي الذين طوتهم معايير المقاييس الغربية، ولكن لا بأس علينا منهم.
أخيراً نستطيع القول أن الذين نقلوا التراث -بصورة عامة- والذين علقوا عليه أو ألفوا وكتبوا على غراره لم يكونوا على مستوى الشروط الحضارية، أي لم يكونوا عقليا وذهنيا مشبَّعين بها- هناك استثناءات قليلة- ولذا فإنهم لم يستطيعوا أن يثيروا بالتراث ما كان يثيره في بيئته الطبيعية. وهذا ما قصدنا عندما عزونا إليهم الإخفاق النسبي.
- اتجاه نحو الغرب:
إلى جانب الاتجاه الأول، نجد اتجاها ثانيا يكاد يكون معزولاً عنه. فهو لا يؤمن بالتراث ولا يعيره أي اهتمام إنه اتجاه نحو الغرب. ومن العجيب الغريب في هذا الاتجاه هو ما يضفيه عليه أصحابه من صفة العلمية دون أن يكلفوا أنفسهم أي جهد علمي للتحقق من ذلك أو النظر إلى التراث قبل رفضه.
إذا أنعمنا النظر في هذا الاتجاه، فإننا سنقف فيه على حركتين تسيران معا بآن واحد، وفي نفس الاتجاه:
أ- أما الحركة الأولى فتعنى بترجمة ونقل المؤلفات الغربية إلى العربية.
ب- وأما الحركة الثانية، فتستلهم من المؤلفات الغربية وتحاول أن تزرع المفاهيم المستوردة في حقل الذهنية العربية.
إن النقد الذي وجهناه للاتجاه الأول يصلح، في بعض نواحيه، أن يكون موجها للاتجاه الثاني. وإذا كان الاتجاه الأول قد أخفق نسبيا كما بينا، فإن الاتجاه الثاني لم يحقق في مقابل ذلك، نجاحا يذكر. ومع ذلك، نريد أن نبين ما حققه من خلال نقطتين:
أ- لقد مكن هذا الاتجاه الباحث العربي من الإطلاع على ما يجري في الغرب، وكشف له عن التقدم العلمي الهائل الذي تم إحرازه. وهذا الأمر إيجابي في ظاهره، سلبي في حقيقته وجوهره كما سنرى.
2- لقد أدى تضاعف هذا النشاط إلى "تغريب"في الحياة العقلية لبعض البحاث العرب وبعض المثقفين، فنتج عن ذلك انفصال بين ذهنية هؤلاء والمجتمع الذي يعيشون فيه.
3- أدى هذا الاتجاه إلى ميلاد شيئين خطيرين:
- "المسخ"، أي التحول إلى شيء لا شكل له ولا هوية.
- "التبعية"، وتبرز هذه الظاهرة عند من رأى في ثقافة الغرب شخصية جديدة له فتقمصها وأخذ يعمل على أساسها.
نستخلص من هذا كله أن كلا من الاتجاهين، على ما فيه من إيجابية، لم يؤد الغرض المطلوب منه، كما نلاحظ أن كلا من الاتجاهين أيضا لم يؤد إلى كشف علمي يذكر لا من وجهة نظر حضارية، ولا من وجهة نظر تقنية.
لقد كان لقدماء العرب من المسلمين ميزان دقيق يزنون به لك أعمالهم وأبحاثهم العلمية، كما كانوا في كل دراساتهم يقفون على وجهين من وجوه البحث:
أ- الوجه الداخلي أو الروحي.
2- الوجه الخارجي أو المادي.
لو أن الدراسات العربية الحديثة اعتمدت هذا المفهوم، وسعت لكشف القوانين الداخلية والروحية، والقوانين الخارجية والمادية والتداخل القائم بينها لحققت الأمل المنشود دون نقص. ونحن نعتقد أننا إذا أدخلنا هذا المفهوم في أبحاثنا فسنسد ثغرة تركها الشرق والغرب مفتوحة. ولو عدنا للمرة الأخيرة إلى ابن خلدون نستنطقه، فسنجد أنه يعيد العلوم إلى هذين الأصلين دون أن يفصل بينهما. إنه يقول:
"اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين:
علوم مقصودة بالذات، وعلوم هي وسيلة آلية لهذه العلوم".
أخيراً، يجب أن نوفق بين الأصول الحضارية لتراثنا، والتقدم الحادث، ويكون ذلك بجعل العنصر الثاني، أي التقدم بالمفهوم الذي شرحناه، من منتجات العنصر الأول ووسائله، أي الحضارة. وهذا يتطلب منا أن نبني تصورنا الذهني والفكري على ما قامت عليه حضارتنا، ثم ننظر في كل ما جد من تطور فنأخذ به من خلال ما استقر عندنا من مفهوم حضاري.
والله الموفق والمستعان
--------------------------------------------------------------------------------
CHARLES PELLAT: LANGUE ET LITTERTURE ARABE. P227.
[1]
ANDRE MARTINET: ELEMENT DE LINGUISTIQE GENEVAE. P155.
[2]
LA bible: Traduction en Franqis: louis segond.
[3]
ورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الفقرة في حديث أم سلمة بن عبد الرحمن ثم علق عليه بقوله: هذا الحديث ضعيف…لكن معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه، انظر (اقتضاء الصراط المستقيم) ص169 ج1 ط مكة 1389.
[4]
Di derot: lettre sur les suords et les muetes. P371-372. EJ j, assezat, ceuvrescompletes DA Divrot, Vol (1) Franier Freres.1875. PARIS.
[5]
Initiation methodice'a la grammaire generatique. p10. ED. Armand Colin. 1974.
[6]
المقدمة ص/544/.
[7]
المقدمة ص/545/.
[8]
المقدمة ص/537/.
[9]