mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (48): من مقالات مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية

كُتب : [ 08-22-2017 - 10:25 AM ]


اللسانية العربي بين الأصالة والتعريب
من مقالات مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للدكتور محمد منذر عياشي


ما تزال اللسانية كعلم غريبة على فهم بعض الناس، ولا نزال نسمع هنا وهناك من يفسر أهدافها تفسيراً يخالف العلم وقوانينه. ونحن نعتقد أن لهذا ما يعلله من الأسباب. ويمكننا أن نختار منها سببين رئيسيين:
1- سبب خارجي:
أ- الاستعمار.
ب- الموقف المعادي الذي تجلى عند كثير من رجالات العلم في الغرب، ومن والاهم من العرب إزاء الحضارة الإسلامية واللغة العربية.
2- سبب داخلي:
أ- الانحطاط العلمي كنتيجة للانحطاط السياسي.
ب- مقاومة غريزية لكل كشف علمي جاء من الغرب المستعمر.
1- 1- نظرة الغرب إلى اللغة العربية:
- لقد اخترنا، لهذه الفقرة، اثنين من المفكرين الغربيين يمثلان- في رأينا- السبب الأول ويحملان كل الأفكار التي يحملها الغرب تجاه:
- الحضارة الإسلامية والإنسان العربي.
- الحضارة العربية وآدابها.
أما عن النقطة الأولى فقد اخترنا "المفكر"المستشرق (شارل بلا) وهو أستاذ في جامعة السوربون بباريس. إنه يقول:
"هذا العربي البدائي، الظريف في بعض النواحي من شخصيته، الفخور الكريم، وصل به الأمر أن يحتفظ بعنجهية عشائرية وشخصية في منتهى العنف، وهو يعتبر أن ليس هناك شيء آخر بالنسبة إليه غير القبيلة والأنا. وفوق ذلك، فقد ظهر كتاب من أصل إلهي يحث العربي على التعجرف ويدفعه إلى الاحتقار، أي إلى تجاهل كل غريب أجنبي. ومنذ ذلك الوقت أصبح مستنداً إلى القرآن في حياته اليومية. أما عن الأدب، فإن العربي يحتفظ بتقاليد شعرية قديمة وهذا كل ما يكوّن القاعدة الجوهرية لنشاطه الأدبي [1] .
أما عن النقطة الثانية، فقد اخترنا "أندريه مارتينه "، وهو واحد من أكبر علماء اللسانية في فرنسا، وصاحب شهرة واسعة في العالم، ومع ذلك سنراه في الفقرة التي سنأخذها من أحد كتبه يقف من اللغة العربية موقفاً غير علمي. إنه يقول:
"ربما تكون اللغة قبل كل شيء، لغة تقليدية، أدبية، أو مقدسة ثم تكون سيئة التأقلم بحيث لا تلبي مجموع الحاجات المنوعة للأمة، كما هو الحال بالنسبة للغة العربية "الكلاسيكية "في البلدان الإسلامية" [2] .
هل المقصود من ذلك هو الطعن في القرآن؟ يعلم كل عالم موضوعي ونزيه أن هذا الكتاب، منذ أنزله الله وحتى يومنا هذا، يمثل الضمير اللغوي للأمة العربية. كما يعلم كل عالم أن القرآن ما دام حياً بين أظهر معتنقيه، ويعيش في مشاعرهم، فإن اللغة العربية ستبقى حية.
إذا كان الطعن في القرآن لإبعاد الناس عن لغة القرآن هو قصدهم، فإن هذا ليس من أهداف البحث العلمي اللساني ولا من أغراضه، وقد كان الأجدى بهم كعلماء في اللغة وآدابها أن يتجهوا إلى دراسة العلاقة بين القرآن من جهة والعربية من جهة أخرى.
أ- 2- إن مناقشة هذين الرأيين توقعنا في حرج شديد. ولذا فإننا نرى أن لا نناقش الأول، لأن صاحبه لا يمثل في عالم العلم أية قيمة كما يدل عليه قوله. وأما الثاني فنرى في مناقشته بعض الفائدة لا لأنه موضوعي وعلمي ولكن لأن لصاحبه في عالم العلم مؤلفات- في اللسانية- ذات قيمة علمية معترف بها.
قبل أن نبدأ نود أن نسوق خمس ملاحظات إلى كل مفكر غربي لها أهميتها الإنسانية:
ا- إن على المفكرين في الغرب أن يدركوا أن العالم الغربي لا يملك الحق من وجهة نظر علمية أن يعتبر نفسه المركز الوحيد لحركة الفكر في العالم.
2- إن على هؤلاء أن يعلموا أن النظريات التي تنطبق على عالمهم قد لا تنطبق على غيرهم بشكل آلي، وخاصة في ميدان العلوم الإنسانية.
3- إن عليهم أن يعترفوا بأن النتاج العلمي الفكري والإنساني عند غيرهم من الأمم لا يقل أهمية عما أنتجوه.
4- إن عليهم أن يعلموا أن عهد السيطرة الثقافية قد انقضى، وأن الشعوب قادرة على إبداع ما يتناسب ومستواها الحضاري من علم وفكر.
5- أخيرا، نريد أن نقول لهم بأن الحضارات يَأخذ بعضها من بعض. عندما نلفظ كلمة "لساني"، فإنه ينزل في تفكيرنا مباشرة أن الباحث، في هذه الأمور يمتاز بموضوعية مطلقة يستمدها من طبيعة البحث ومنهجيته. والعلم لا ينفصل عن الحقيقة. ولذا فإن الاغتصاب الذهني، والعنصرية الثقافية، وتشويه الحقائق ... كل هذا لا يدخل في ميدان البحث العلمي، ومع ذلك فإن هذا لم يمنع "أندريه مارتنيه"أن يخوض مع الخائضين، فينسب إلى العربية ما ليس منها ولا فيها. وقد نعجب من هذا المفكر إذا نظرنا إليه وهو يتكلم عن لغته القومية، وكيف يمتدحها في نفس الكتاب المذكور آنفاً. إنه يقول:
"إن اللغة الفرنسية، كأداة، يستعملها عدد من الكائنات الحية بنجاح للاتصال فيما بينهم"ص (147) .
لننظر إلى كلمة "نجاح"هنا، وإلى "سيئة التأقلم"هناك عندما تكلم عن اللغة العربية، وربما زال عجبنا إذا علمنا أن "أندريه مارتينه"لم يتكلم، ولم يتعلم، ولم يتصل بالعربية لا من قريب ولا من بعيد.
ب- 2- لكي نحدد موقفنا ونبين الحقائق ونكشف المغالطات، لابد لنا من تصنيف الأفكار التي تدور حول اللغة. وإننا نرى أنها تنقسم عموماً إلى ثلاثة أقسام:
- الأفكار التي تعتبر لغة من اللغات الحية كلغة سيئة التأقلم.
- الأفكار التي تسعى أن تقيم علاقة بين إحدى اللغات وإيديولوجية سياسية معينة.
- الأفكار التي تنطوي على أحكام غير صحيحة كأن تعتبر أن لغة الشعب الفلاني أغنى وأرفع وأفضل من لغات الشعوب الأخرى. دون أي دليل علمي.
وبما أننا نريد أن نعالج الأمر من الناحية اللسانية، فمن الأفضل أن نبقى ضمن مناهجها وطرقها العلمية، وأن نبين اهتماماتها. ونعتقد أن هذه هي الوسيلة المثلى لرد أقوال أولئك الذين لم ينظروا إلى اللغة إلا من خلال أفكار إن صلحت في فترة من الفترات لطمس الحقائق العلمية، فهي لا تصلح أن تكون علماً يدرس ويستفاد منه في تعميق وتثبيت الأطر المنهجية التي تتبناها اللسانية في أبحاثها:
1- إن الدراسات اللسانية تهدف إلى بناء أسس نظرية تنطبق على جميع اللغات.
وتنقسم هذه الأسس قسمين:
- أما القسم الأول فإن الاتجاه فيه يقوم على تزويد المنهج التحليلي بالأدوات اللازمة لاستخراج القواعد المكررة ضمن الكلام الإنساني، وذلك لدراسة الفوارق التي تميزها عن غيرها من القواعد التي تبنى عليها وسائل التعبير والاتصال الأخرى عند الإنسان، كالموسيقى وإشارات المرور، أو الموجودة عند الحيوان كرقصات النحل مثلاً.
- أما القسم الثاني فالاتجاه فيه يهدف إلى شرح نص من النصوص مع افتراض عدة طرق تأويلية له.
إذا كانت كل اللغات الإنسانية تنطبق على هذه الأسس، لا لشيء إلا لأنها وسائل اتصال مرتبطة بنشاط البشر في حياتهم اليومية والفكرية، فلا يجوز أن ينظر إلى العربية أو إلى غيرها إلا بهذا المنظار.
2- عندما تعمد اللسانية إلى دراسة لغة من اللغات، فإنها تدرسها لذاتها، وتغض الطرف عن الاعتبارات الفلسفية والسياسية والمذهبية والطائفية، ذلك لأنها علم والعلم منهج، وبالإضافة إلى أنه مجرد من هذه النزعات فهو موضوعي.
يجب أن لا تكون الدراسات اللغوية موطن صراعات إيديولوجية. فاللغة- كحد أدنى من التعريف- أداة. ومن شأن الأدوات أن لا تفكر، ولكن تستخدم وتستعمل.
إن اللغة نظام، ونظامها القواعد. وإن شئنا فإننا نستطيع القول أن نظام القواعد فيها هو نظام الاستعمال والاستخدام، وبما أنها كذلك، أي أنها أداة توصيل، فإن الفكرة الواحدة ونقيضها تأخذ فيها طريق الظهور. وبمعنى آخر، إن الأفكار لا تنقل اللغات ولا تعكسها ولكن اللغات هي التي تنقل الأفكار وتعكسها.
ب-3- إن ما ذكرناه آنفاً يحتم علينا أن ننظر إلى اللغة كأداة، وأن نجرد نظرتنا عن النزعات غير العلمية. ومما لا يدخل في مجال الدرس العلمي قولنا مثلاً بأن لغة البلد الفلاني لغة ثورية وأن لغة البلد الآخر لغة رجعية، أو قولنا بأن اللغة الفلانية لغة مؤمنة على حين أن باقي اللغات تعتبر كافرة، أو قولنا- والقول هنا لأندريه مرتينه- بأن هناك لغات "مقدسة " وأخرى "سيئة التأقلم "ونحن نعني ضمنياً بأن هناك لغات غير مقدسة وأخرى جيدة التأقلم.
إن كل هذه الأقوال، وقول (مارتينه) من ضمنها لا تدخل في إطار الدراسات اللسانية تماماً، ككل من يجعل اللغة مولوداً لإيديولوجية معينة. ولو أن "مارتينه"درس علاقة الحضارة الإسلامية باللغة وأثرها في تطوير العربية لقبل منه وحمد مسعاه، ولكنه لم يفعل. وهنا نود أن نقف على كلمة "مقدسة"لشرح المقصود منها في ذهنية وفكر الغربيين حين يطلقونها على لغة من اللغات:
1- عندما عكف الغربيون على دراسة اللغات الشرقية عثروا في بعض جهات الهند على لغات خاصة بالصلوات والشعائر الدينية، وتستعمل فقط من قبل رجال الدين لهذه الغاية. ولقد وقفوا عند هذا الحد من الملاحظة ولم يعنّوا أنفسهم جهد البحث عن أصولها- في الحقيقة إن عالم الشرق وحضاراته لا يزال مغلقاً على أفهامهم- واكتفوا بتسمية هذه اللغات بلغات "مقدسة "، أي لغات خاصة بالعبادة. وكعادة بعض منهم ممن لا يرون إلا القشور دون اللباب جاء "مارتينه" بحكمه السريع، وصنف اللغة العربية في عداد هذه اللغات. وإننا نعتقد أن الذي أوحى له ولغيره بهذه الفكرة هو نزول القرآن المجيد باللغة العربية وأن الصلاة عند المسلمين لا تصح إلا بنطق الآيات باللغة العربية. ولقد نسي "مارتينه"أو تناسى أن العربية سابقة على نزول القرآن، وأن العرب يستخدمونها كأداة لاتصال بينهم في حياتهم اليومية والأدبية والعلمية وفي مساجلاتهم الفكرية، وأن المكتبات تعج بملايين الكتب العربية، وأن المطابع لا تزال تطبع يومياً أعداداً كبيرة منها في كل مجالات العلم.
2- إن كلمة "مقدسة"تعود ببعض الغربيين إلى المفهوم المسيحي للغة. وهم يرفضونه لسببين: أولاً: لأنه لا يتفق ومناهج البحث العلمي. ثانياً: لأن تفكيرهم المادي يحول بينهم وبين أي تصور ديني لأي أمر من الأمور. أما فيما يخص السبب الأول فنحن لا نملك إلا أن نشاركهم الرأي، لأن المفهوم المسيحي للغة يقوم على مغالطتين: المغالطة الأولى من وجهة نظر علمية، والمغالطة الثانية من وجهة نظر إسلامية. ويمكننا أن نعرض هذا المفهوم لنرى ذلك:
لقد استمد علماء الغرب والدارسون للغة في العصور "الكلاسيكية "مفاهيمهم العلمية واللغوية من الإطار الثقافي الذي كان يحيط بالحياة الذهنية ويهيمن على كل النشاطات الفكرية. وقد كان هذا الإطار يقوم أساساً على الإنجيل. وكان من نتيجة تبنيهم للتصور الإنجيلي ميلاد المفهوم اللغوي الذي يعتبر كجدول من الكلمات ومجموعة من المفردات، وليس كنظام قائم على قوانين، ولما ظهرت اللسانية في العصر الحديث رفضت هذا المفهوم وتخلت عنه. وهنا لابد لنا من طرح السؤال التالي: إذا كان هذا المفهوم غير العلمي قد وجد في المسيحية فهل يعني هذا أن له ما يقابله في الإسلام؟ لكي لا نطيل نقول إن المفهوم الإسلامي للغة يخالف المفهوم المسيحي لها. وإن الرأي الذي سنقدمه من خلال القرآن مقارناً مع الإنجيل يبين ذلك:
اللغة العربية، كشأن لغات الأرض جميعاً، لغة طبيعية وإنسانية. ولها خصائصها التي تنفرد بها ككل لغة لها خصائصها. وإن القرآن لا يعارض هذا المفهوم في شيء، بل على العكس، إنه يؤكده ويدعمه، ففي مواضع متعددة منه يشير إلى وجود لغات منوعة. ولا يقف القرآن عند هذا الحد بل يوسع الدائرة بما يضيف من لغة الحيوان إلى اللغات الإنسانية، إنه ليخبرنا بأكثر من ذلك إذ ما من شيء إلا ويسبح بحمد الله:
- لغة الإنسان.
أما عن اللغات، فيجب أن لا نتصور أن القرآن يحصيها عدداً. إنه يشير إلى وجودها واختلافها. يقول تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ} (الروم:22) .

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-22-2017 - 10:27 AM ]


إن الإشارة إلى تعدد الألسنة لها أهمية من وجهة نظر لسانية، لأنها تنفي فكرة الأصل الواحد للغة والوارد في الإنجيل. ونعني بالأصل الواحد اعتبار الإنجيل أن الله لم يخلق إلا لغة واحدة، وأنه سبحانه جعلها كمجموعة من الكلمات التي هي مسميات للأشياء، أو كأنما هي جدول رصفت في داخله المفردات. ويدلك على هذا ما ورد في الإنجيل:
"لقد سمى الله النور نهاراً والظلمات ليلاً ". (GENESE 5)
"لقد سمى الله الفضاء سماء واليابسة أرضاً، وسمى مجامع المياه بحاراً " (GENESE 8) [3]
- لغة الحيوان.
وأما عن لغة الحيوان فإن القرآن يشير إليها في آيات كثيرة، ونكتفي هنا بالآية:
{قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُم} (النمل: من الآية18) .
بالطبع لا يفصح القرآن عن الطريقة التي عبرت بها النملة، ولكن الدارسين لحياتها يعلمون أن لها نظاماً من الإشارات تستخدمه كأداة للاتصال.
ومن يقرأ القرآن يجد أن الله قد ركز على اعتبار رسالة الأنبياء تذكرة، وفي هذا دلالة على اعتبار اللغة أداة توصيل واتصال:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (فصلت: من الآية44) .
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف:2) .
{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} (سورة ق: من الآية45) .
هذه الآيات وغيرها كثير تبين هذا المعنى، أي تعتبر اللغة أداة اتصال بين البشر. وقد نزداد عجباً إذا علمنا أن الإسلام يذهب إلى نفي اللغة المقدسة كلية إذ لا يوجب على الناس اختيار لغة معينة للتوجه إلى الله، بل لا يوجب عليهم الكلام في ذلك أصلاً. وإن قراءة القرآن في الصلاة بلغة عربية لا يغير من هذا شيئاً، الأمر الذي يجعلنا نستيقن أن القرآن يعتبر اللغات على حد سواء، وأن استعمال اللغة إنما هو من طبيعة الإنسان.
لم يطلع "مارتينه"على القرآن، لذا فهو لا يستطيع أن يبني أحكاماً صائبة.
ونعتقد أنه أراد أن يندد بمفهوم تقليدي للغة، فسار على عادة بعض الغربيين في النظر إلى الأمور، أي أنه استوحى مما يعرفه عن الإنجيل ليحكم على العربية. ولكن العجيب عند هذا اللساني أنه قد حمل حكماً على اللغة ذاتها لا على الفكرة أو على المفهوم اللغوي، وكل يدري أنه بين اللغة وبين جملة المفاهيم التي نبنيها حول اللغة فرقاً وبعداً، أو على الأقل هما شيئان لا شيء واحد.
لو عمدنا إلى حصر الأخطاء التي وردت في قوله فإننا نستطيع أن نبرز ثلاثة:
- لقد وضع اللغة العربية تحت ما سماه بـ "اللغة المقدسة"حتى يتمكن من تضييق مجالاتها فلا تكون مستعملة إلا في الصلاة والشعائر الدينية. وهذا خطأ شنيع يكذبه أو يصححه الواقع. فاللغة العربية مستعملة في الصلاة وفي كل مجالات الحياة.
- لقد أطلق حكمه على اللغة وكان أولى به أن يطلق حكمه على المفهوم اللغوي.
وهذا يعني أن "مارتينه"لم يفرق بين ما يسمى "بالنظرية اللغوية" واللغة.
- لقد أغفل "مارتينه" الواقع اللساني للغة العربية. ومن البديهي أننا إذا أنكرنا وجود لغة ما، فإننا ننكر وجود الشعب الذي يتكلمها. فكيف تأتى له ذلك؟ وهل للعرب وجود أو لا؟.
ج 1- إن اللغة تحتفظ بسيطرتها كاملة على المجموعة الاجتماعية مادامت تملك القدرة على تسجيل المشاعر وأداء أغراض من يستعملها ويتكلمها. وإن قدرة اللغة تدل على حيويتها. وتتجلى هذه القدرة في احتواء اللغة- كلما دعت الحاجة- للعناصر الجديدة التي تنبع من حاجة الأمة وتطورها، لذلك فإن اللغة عندما تكون حية لا تشكل نظاماً مقفلا يحول بينها وبين التأقلم. وإن ما نعنيه بالتأقلم هنا هو مجموع الإمكانات اللغوية التي تسمح.
إن اللغة ليست انعكاساً للفكر. ومن العبث أن نظن أن مثل هذا القول يضفي على اللغة أهمية خاصة. فاللغة تستمد أهميتها الاجتماعية أولاً وأخيراً من الدور الذي تضطلع به ضمن المجتمع كأداة للتوصيل والتفاهم، والتعبير والتخاطب، إلى آخر ذلك من الأغراض التي تلبيها.
نود أن نضيف عنصراً جديداً إلى جملة ما قلناه سابقاً، ألا وهو دور الجماعة في إغناء اللغة: إنه مما لا جدال فيه، أن الجماعة التي تؤلف أمة تعطي اللغة قوة الثبات وتدفع بها نحو التجديد في آن واحد. وما دامت هناك جماعة فهناك لغة. ومن المعروف أن كل جماعة تبحث لنفسها عن مثل لغوي أعلى ينطوي تحته كل الأفراد الراغبين في العيش ضمن مجتمع واحد. وإن من شأن هذا البحث عن المثل اللغوي الأعلى أن يقوي وحدة الأمة، وانطلاقاً من هذه النظرة نستطيع أن ندرس أثر اللغة في الحدث القومي، كما لا نريد أن تكون مفاهيمنا مستوحاة من هذه النظرة. وذلك لأن مفهوم القومية، أو قومية اللغة لا يفيد في دراسة اللغة باعتبارها مجموعة من القواعد التي تؤلف نظاماً. ونحن حين نقف على دراسة لغة من اللغات، فإنه لا يدخل في حسابنا موضوعياً الشعب الذي يتكلمها، لأن هذه الناحية لا تدخل في مجال الدراسات اللسانية، ومن الأفضل إحالة مثل هذه النواحي إلى ميادين علمية أخرى تعنى بمثل هذه الدراسات كالعلوم السياسية والاجتماعية مثلاً. إن العلم يقتضي منا أن نقف إزاء اللغة موقفاً مجرداً دون خلط بين عدة ميادين. وكما يقف الكيميائي من المواد التي يحللها ويجري تجاربه عليها بمعزل عن الأفكار غير الكيميائية، فإن على اللساني أن يقف هذا الموقف من مادته، وأن لا يستعير من الميادين الأخرى إلا ما يسمح به موضوع البحث نفسه.
قبل أن نغادر هذا الأمر إلى أمر آخر نحدد فيه موضوع اللسانية، نرى أن نقدم الأسباب التي تدفعنا إلى اتخاذ هذا الموقف:
إن مفهوم قومية اللغة- في رأينا- مفهوم خاطئ تماماً. فاللغة ككل أداة تمتاز بخصال ثلاث:
1- اللغة هي حصيلة لتجربة إنسانية عاشها الأفراد ضمن جماعة وليست حصيلة لتجربة قومية بالمعنى الحديث لهذا المصطلح.
2- اللغة كتجربة لا تختلف عن باقي التجارب، يشارك فيها المجتمع الذي يتكلمها بشكل مباشر، وتشارك فيها الإنسانية جمعاء بشكل غير مباشر.
2- إذا كانت اللغات كلها إنسانية، فهي ملك لمن يتكلمها لا ملك لقوم بالذات. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تكلم العربية فهو عربي" [4] .
يدرس اللسان في اللغة مجموع الرموز الصوتية والبنى القواعدية، ويعني بدراسة المعاني، وهذا هو موضوع اللسانية، وإذا كنا نلح على هذه الناحية فلأن اللسانية تريد أن تكون علماً أولاً وأخيراً. أما إذا تدخلت الأهواء القومية، والنزعات المذهبية، فإن العلم- مهما كان نوعه- يفقد أهم خصائصه الموضوعية، ونعني التجرد والبحث الدقيق للوقوف على القوانين التي يسير بموجبها الأحياء والأشياء. ولو نظرنا في تاريخ الفكر الإنساني لوجدنا أن هذه الأهواء وهذه النزعات قد اتخذت طريقها- في بعض الأحيان- ضمن البحث اللغوي حتى كادت أن تودي بمفاهيمه العلمية الأصيلة. ونستطيع أن نضرب مثلاً بأحد أعلام الفكر الغربي من المتعصبين لنرى بعد ما يقوله عن التجرد والبحث الدقيق والحقائق العلمية، يقول "ديورو"الفرنسي في حديث عن لغته وعن باقي اللغات ما يلي:
"إن الحكمة تقضي باختيار الفرنسية لغة. ويجب استعمال الفرنسية في المجتمعات الراقية، والمدارس الفلسفية. وإن لغتنا ستكون لغة الحقيقة إذا قدر لها أن تعود إلى الأرض، على حين أن اليونانية واللاتينية واللغات الأخرى ستكون لغات الخرافة والكذب.
لقد جعلت الفرنسية للتثقيف والإيضاح والإقناع، وأما لمخاطبة الشعب فلا بأس من استعمال اليونانية واللاتينية والإيطالية، ولكن لمخاطبة الحكماء يجب استعمال الفرنسية" [5] .
إن مثل هذه الأقوال توجد في كل الحضارات وعند كل الشعوب، ولكن هل يمكن اعتبارها براهين علمية؟ ولكي ننتهي من هذه الفقرة، نعود مرة أخرى إلى "مارتينه" ونقول: إذا كانت اللغة الفرنسية مستعملة بنجاح، فإن كل اللغات الحية، ومن ضمنها العربية، مستعملة بنجاح أيضاً. وحول هذا الأمر يقول CHRISTION Nigue:
"إن لكل اللغات وظائف منتظمة وقوانين عامة للكلام، وإن كل اللغات الواقعة تحت الملاحظة منتظمة ومباشرة، ولكن بشكل مختلف. لذا فإنه من غير الصحيح أن نقول بأن هناك لغات غنية وأخرى فقيرة، وأن هناك لغات متطورة وأخرى بدائية، كما أنه لا توجد لغة قريبة من الاتصال الحيواني وأخرى بعيدة. إن كل لغة تنطبق على حضارة الشعب الذي يستعملها وعلى أنماط حياته وعاداته " [6] .
2- اللغة العربية- نظرة من الداخل:
1- موقف سلبي:
لقد ذكرنا سابقاً في بداية هذا المقال، أن الدراسات اللسانية العربية ما تزال غريبة على فهم بعض الناس. وقد يكون قولنا هذا من قبيل المبالغة، فهناك من الأعمال والمؤلفات ما هو جدير بالذكر، ولكن مجموع هذه المؤلفات ما زال قليلاً ولا يسد الحاجة. وإذا أردنا أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى هذا، فإننا نستطيع أن نحصرها في سببين:
- السبب الأول خاص بالبُحَّاث العرب.
- السبب الثاني خاص بظروف الاحتلال.
- البحاث العرب:
أ- تتجلى أولى سلبيات البحاثة العرب في العصر الحديث في وقوفهم على ما أبدعه القواعديون العرب القدماء دون السعي إلى تطويره ومتابعته وتعميقه. وإذا كان القدماء قد فجروا عبقريات لغوية، فلأن حضارتهم الإسلامية كانت وراء ذلك، وكان الباحث منهم يستفيد منهجياً وذهنياً من تلك الحضارة. وعندما وصل إلينا ما تركوه لنا، أخذناه نريد درسه، غير أننا لم ننجح تمام النجاح، وظل هذا العلم مغلقاً على أفهامنا في معظم نواحيه. وللحقيقة نقول بأن هذا الفشل يعود إلى أننا قد عزلنا هذا العلم عن الحضارة التي أنشأته وولدته، فإذا هو يصبح في أيدينا جثثاً هامدة لا حياة فيها، أو أوراقاً تلقى على الأسماع دون أن تعيها العقول، وتحفظ عن ظهر قلب لتردد في بعض المحافل أو في امتحانات آخر السنة الدراسية.
ب- وإذا كنا لم ننفذ إلى أعماق التراث- إلا من رحم ربي وهم قليل- فإننا لم نتابع بفهم جيد ما جد في ميدان البحث العلمي. وربما يكون الأمر كذلك لنفس السبب الذي ذكرناه آنفاً، أي لأننا لا نعير العنصر الحضاري اهتماما في دراستنا، مع العلم أن كل تقدم مهما كان نوعه إنما هو حصيلة للحضارة التي أنشأته. ونحن إذا لم نعتمد العنصر الحضاري كأساس في كل أبحاثنا العلمية فسنبقى عالة على غيرنا لا نتاج لنا ولا عطاء.
- ظروف الاحتلال:
من الأسباب التي أدت إلى خلق السلبيات عند البحاث العرب، نجد الاستعمار بمختلف أشكاله. وباعتبار أن الغرب هو مصدر الاستعمار فقد وقفوا منه موقف العداء.
لقد رأى القواعديون العرب في العصر الحديث، وغيرهم من العلماء، ما أنزله الغرب المستعمر ببلادهم من البلاء، حيث انطمست الحركة العلمية، وخمد النشاط الذهني الخلاق. وشاهدوا أيضاً مدى ما ألحقه باللغة العربية من ضرر عند متكلميها، حتى كان من عاقبة ذلك:
أ- الابتعاد عن منبع اللغة ومصدرها الحضاري.
ب- الابتعاد عن اللغة نفسها وذلك عن طريق:

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-22-2017 - 10:31 AM ]


ب- إذا كان هذا الاتجاه قد نجح نسبياً، فإنه قد أخفق نسبياً أيضاً. وإذا كان من أهداف هذا الاتجاه نقل التراث، فإن هذا لا يعني أن الإفادة من التراث ستتم بطريقة آلية. والتفسير الممكن لهذا هو أن الذهنية التي أنتجت التراث هي غير الذهنية التي تلقته. وإننا لا نملك، بالإضافة إلى ذلك، لا الاستعدادات العقلية لذلك، ولا الاستعدادات النفسية، ومناهج التربية وأساليب البحث العلمي عندنا تحول بيننا- في معظم الأحيان وعند معظم المثقفين- وبين بلوغ النضج العقلي الذي يسمح بالإفادة الكلية. وإذا كنا نحكم بأن إفادتنا جزئية، فمن الأفضل أن نعدد الأسباب بشكل أوضح:
ا- إن المكونات الحضارية التي وَلَّدت هذا الفكر تختلف عن المكونات الحضارية للمجتمع الذي نعيش فيه، والتي من خلالها ننظر إلى التراث.
2- إذا كان هذا التراث هو نتاجاً حضارياً لمجتمع متحضر، فإن المجتمع الذي نؤلفه لا يمت إلى الحضارة بصلة، هذا إذا اعتبرنا الحضارة فكراً وروحاً. إن مجتمعنا في أحسن أحواله مجتمع "متقدم مادياً وتقنياً ". ولو عدنا إلى العلامة ابن خلدون لرأيناه يربط تطور الذهنية العلمية بالحضارة ربطاً لا انفصام فيه، إنه يقول:
"وأما العلوم العقلية أيضاً فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه" [7] .
وهو يعزو ذلك كما قلنا إلى الحضارة:
"فلم يزل كل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة.
فلما ضربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع ذهب العلم" [8] .
3- إن هذا التراث يقوم على الديمومة لأنه يتمثل في المجتمع المتحضر الذي أبدى لسان الحقيقة. وهذا يعني أن جوهر التصور الذهني والفكري للذين أوجدوه كان مبنياً على اليقين. أما المجتمع الذي نعيش فيه، فيقوم على عكس ذلك تماماً: لا ديمومة تمثل الحقيقة، ولا ثبات يرافق النمو الفكري والإبداع العقلي، ولقد حل الشك محل اليقين. إن مجتمعنا كتصور ذهني، قد بني على الفرضية ونقيضها في نفس الوقت.
4- كان المجتمع العلمي الذي ولَّد هذا التراث، في كل ميادين أبحاثه، يعمد إلى تفكيك العناصر ثم تركيبها وفق قوانين مستقاة من سنن صدرت عنها هذه العناصر. والاتجاه العلمي المعاصر يعمد فقط إلى تفكيك العناصر إلى وحدات، ثم يعمد إلى هذه الوحدات فيفككها إلى وحدات أخرى أصغر، ثم أصغر حتى تفقد كل صلة لها بأصولها الأولى، أو بالقوانين التي بنيت عليها والنظم التي جمعت بينها. ولقد عبر ابن خلدون عن الرؤية العلمية التي كانت عند أصحاب هذا التراث فقال:
"وأما العلوم التي هي آلة لغيرها (.....) ، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط ولا يوسع فيها الكلام، ولا تفرع المسائل لأن ذلك مخرج لها من المقصود، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير. فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود" [9] .
نستخلص من كل ما سلف أن الإفادة من التراث تستدعي منا تأمين شروط معينة بدونها لا نستطيع استيعاب كل الأبعاد الحضارية لهذا الفكر. وقد تثير هذه النظرة حفيظة "المغتربين"أي الذين طوتهم معايير المقاييس الغربية، ولكن لا بأس علينا منهم.
أخيراً نستطيع القول أن الذين نقلوا التراث -بصورة عامة- والذين علقوا عليه أو ألفوا وكتبوا على غراره لم يكونوا على مستوى الشروط الحضارية، أي لم يكونوا عقليا وذهنيا مشبَّعين بها- هناك استثناءات قليلة- ولذا فإنهم لم يستطيعوا أن يثيروا بالتراث ما كان يثيره في بيئته الطبيعية. وهذا ما قصدنا عندما عزونا إليهم الإخفاق النسبي.
- اتجاه نحو الغرب:
إلى جانب الاتجاه الأول، نجد اتجاها ثانيا يكاد يكون معزولاً عنه. فهو لا يؤمن بالتراث ولا يعيره أي اهتمام إنه اتجاه نحو الغرب. ومن العجيب الغريب في هذا الاتجاه هو ما يضفيه عليه أصحابه من صفة العلمية دون أن يكلفوا أنفسهم أي جهد علمي للتحقق من ذلك أو النظر إلى التراث قبل رفضه.
إذا أنعمنا النظر في هذا الاتجاه، فإننا سنقف فيه على حركتين تسيران معا بآن واحد، وفي نفس الاتجاه:
أ- أما الحركة الأولى فتعنى بترجمة ونقل المؤلفات الغربية إلى العربية.
ب- وأما الحركة الثانية، فتستلهم من المؤلفات الغربية وتحاول أن تزرع المفاهيم المستوردة في حقل الذهنية العربية.
إن النقد الذي وجهناه للاتجاه الأول يصلح، في بعض نواحيه، أن يكون موجها للاتجاه الثاني. وإذا كان الاتجاه الأول قد أخفق نسبيا كما بينا، فإن الاتجاه الثاني لم يحقق في مقابل ذلك، نجاحا يذكر. ومع ذلك، نريد أن نبين ما حققه من خلال نقطتين:
أ- لقد مكن هذا الاتجاه الباحث العربي من الإطلاع على ما يجري في الغرب، وكشف له عن التقدم العلمي الهائل الذي تم إحرازه. وهذا الأمر إيجابي في ظاهره، سلبي في حقيقته وجوهره كما سنرى.
2- لقد أدى تضاعف هذا النشاط إلى "تغريب"في الحياة العقلية لبعض البحاث العرب وبعض المثقفين، فنتج عن ذلك انفصال بين ذهنية هؤلاء والمجتمع الذي يعيشون فيه.
3- أدى هذا الاتجاه إلى ميلاد شيئين خطيرين:
- "المسخ"، أي التحول إلى شيء لا شكل له ولا هوية.
- "التبعية"، وتبرز هذه الظاهرة عند من رأى في ثقافة الغرب شخصية جديدة له فتقمصها وأخذ يعمل على أساسها.
نستخلص من هذا كله أن كلا من الاتجاهين، على ما فيه من إيجابية، لم يؤد الغرض المطلوب منه، كما نلاحظ أن كلا من الاتجاهين أيضا لم يؤد إلى كشف علمي يذكر لا من وجهة نظر حضارية، ولا من وجهة نظر تقنية.
لقد كان لقدماء العرب من المسلمين ميزان دقيق يزنون به لك أعمالهم وأبحاثهم العلمية، كما كانوا في كل دراساتهم يقفون على وجهين من وجوه البحث:
أ- الوجه الداخلي أو الروحي.
2- الوجه الخارجي أو المادي.
لو أن الدراسات العربية الحديثة اعتمدت هذا المفهوم، وسعت لكشف القوانين الداخلية والروحية، والقوانين الخارجية والمادية والتداخل القائم بينها لحققت الأمل المنشود دون نقص. ونحن نعتقد أننا إذا أدخلنا هذا المفهوم في أبحاثنا فسنسد ثغرة تركها الشرق والغرب مفتوحة. ولو عدنا للمرة الأخيرة إلى ابن خلدون نستنطقه، فسنجد أنه يعيد العلوم إلى هذين الأصلين دون أن يفصل بينهما. إنه يقول:
"اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين:
علوم مقصودة بالذات، وعلوم هي وسيلة آلية لهذه العلوم".
أخيراً، يجب أن نوفق بين الأصول الحضارية لتراثنا، والتقدم الحادث، ويكون ذلك بجعل العنصر الثاني، أي التقدم بالمفهوم الذي شرحناه، من منتجات العنصر الأول ووسائله، أي الحضارة. وهذا يتطلب منا أن نبني تصورنا الذهني والفكري على ما قامت عليه حضارتنا، ثم ننظر في كل ما جد من تطور فنأخذ به من خلال ما استقر عندنا من مفهوم حضاري.
والله الموفق والمستعان
--------------------------------------------------------------------------------

CHARLES PELLAT: LANGUE ET LITTERTURE ARABE. P227.
[1]
ANDRE MARTINET: ELEMENT DE LINGUISTIQE GENEVAE. P155.
[2]
LA bible: Traduction en Franqis: louis segond.
[3]
ورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الفقرة في حديث أم سلمة بن عبد الرحمن ثم علق عليه بقوله: هذا الحديث ضعيف…لكن معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه، انظر (اقتضاء الصراط المستقيم) ص169 ج1 ط مكة 1389.
[4]
Di derot: lettre sur les suords et les muetes. P371-372. EJ j, assezat, ceuvrescompletes DA Divrot, Vol (1) Franier Freres.1875. PARIS.
[5]
Initiation methodice'a la grammaire generatique. p10. ED. Armand Colin. 1974.
[6]
المقدمة ص/544/.
[7]
المقدمة ص/545/.
[8]
المقدمة ص/537/.
[9]

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سطور في كتاب (47): من مقالات مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مصطفى شعبان مقالات مختارة 3 08-20-2017 08:45 AM
سطور في كتاب (46): من مقالات مجلة البيان مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 08-13-2017 07:13 AM
سطور في كتاب (45): من مقالات مجلة المنار مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 08-11-2017 06:42 AM
سطور في كتاب (43): من مجلة البحوث الإسلامية مصطفى شعبان مقالات مختارة 1 07-25-2017 11:58 AM


الساعة الآن 11:28 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by