أقوال العلماء في صرف(أشياء)*
د. أبوأوس إبراهيم الشمسان
ملخص البحث:
مُنعت كلمة "أشياء" من الصرف في القرآن الكريم في موضع واحد. فاختلف علماء العربية القدماء والمحدثون في تفسير ذلك. ذهب القدماء مذهبا صرفيا فرأى الخليل والأخفش والفراء على اختلاف بينهم في التفاصيل أنها انتهت بلاحقة تأنيث(ألف ممدودة) فمنعت من الصرف. وذهب الكسائي إلى أنها منعت الصرف توهما لشبهها الشكلي بما ينتهي بتلك اللاحقة المانعة من الصرف. أما المحدثون فمنهم وصفيون يقبلونها كما وردت في سياقها دون تعليل. ومنهم من فسر ذلك تفسيرا صوتيا بأنها منعت من الصرف كراهة توالي المقاطع المتماثلة؛ ولذلك دعا بعضهم إلى صرفها متى تخلفت دواعي المنع ومنعها هي وأمثالها متى تحققت دواعي المنع. رصد الباحث كل تلك الآراء موردا ما عليها من مآخذ وانتهى إلى نتيجة سجلها آخر البحث مفادها أنه يمكن صرف أشياء متابعة للأصل فيها أو منعها متابعة لما استقر عليه الاستخدام العربي.
* * *
وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في موضع واحد ممنوعة من الصرف؛ قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾[101-المائدة]. ولاحظ النحويون أنها منعت الصرف –أي التنوين- وجعلت من الكسرة الفتحة علامة على الجر. وقد أشكل ذلك عليهم بعض الإشكال؛ ذلك أن الكلمة منعت من الصرف على غير قياس، فهي ليست مما تنطبق عليه شروط المنع من الصرف. ولم يروا وصف ذلك بالشذوذ كما وصفت مخالفات أخرى في غير القرآن(1). لذلك ذهب النحويون يتأولون محاولين تبين علة منع هذه الكلمة من الصرف. قال ابن جني:"اعلم أنَّه إنَّما ذهب الخليل، وأبوالحسن في (أشياء) إلى ما ذهبا إليه، وتركا أن يحملاها على ظاهر لفظها، فيقولا: إنها (أفعال) لأنهما رأياها نكرة غير مصروفة نحو قوله تعالى:﴿لا تسألوا عن أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكمْ تَسُؤْكُمْ﴾[101-المائدة] فلمّا رأياها نكرة غير مصروفة في حال التنكير ذهبا إلى أنّ الهمزة فيها للتأنيث"(2). وتدور محاولات بعض النحويين في النظر إلى الكلمة على أنها كانت مما تنطبق عليه شروط المنع ثم غيرت؛ فصارت ذات ظاهر لا يقتضي المنع وباطن كان يقتضي المنع؛ ولذا منعت من الصرف. وقد اتخذت محاولات النحويين اتجاهات مختلفة. ولكنها في الغالب ظاهرة التكلف، وهو تكلف أدركه أبوحاتم السجستاني وصرح به، قال النحاس:"قال أبوحاتم: أشياء أفعال مثل أنباء وكان يجب أن تنصرف إلا أنّها سمعت عن العرب غير مصروفة فاحتال لها النحويون باحتيالات لا تصح"(3). وردّ النحاس قول أبي حاتم قال:"وأما أن يكون أفعالاً على قول أبي حاتم فمحال لأن أفعالاً لا يمتنع من الصرف وليس شيء يمتنع من الصرف لغير علة"(4). وليس في كلام أبي حاتم زعم أنها منعت الصرف بدون علة بل فيه ردّ لأقوال النحويين التي هي عنده احتيالات لا تصح.
وقد بلغ من احتفال الناس بهذا الخلاف أن كتب فيه نظم(5) :
فِي وَزْنِ أَشْياءَ بَيْنَ الْقَـوْمِ أَقْـوالُ قـالَ الْكِسائِيُّ إِنَّ الْوَزْنَ أَفْعـالُ
وَقالَ يَحْيَى بِحَذْفِ اللامِ فَهْيَ إِذَنْ أَفْعاءُ وَزْنًا وَفِي الْقَوْلَيْنِ إِشْكـالُ
وَسِيبَوَيْـهِ يَقُـولُ الْقَلْـبُ صَيَّرَها لَفْعاءَ فَافْهَمْ فَذا تَحْصِيلُ ما قالُوا
ونجد أن من المفيد إفراد هذه المسألة بالدرس لتبين أقوال القدماء والمحدثين في سبيل البحث عن إجابة لما تثيره الكلمة من أسئلة من مثل: هل منع صرفها خاص بالقرآن الكريم؟ وما السبب الصحيح لمنعها من الصرف؟ وهل يجوز لنا أن نصرفها في لغتنا الحاضرة، من أجل ذلك سوف نبسط أقوال النحويين فيها ثم نذكر رأي المحدثين في هذه المسألة.
أولا: أقوال القدماء:
سلم القدماء بمنعها الصرف فسارت محاولات تفسير ذلك في ثلاثة اتجاهات: التأنيث حقيقة، والتأنيث توهما، والاتجاه التلفيقي :
الاتجاه الأول:التأنيث حقيقة
ذهب طائفة من النحويين إلى أنّ اللفظ مؤنث لانتهائه بألف تأنيث ممدودة، على أنهم اختلفوا في بناء اللفظ وفي كيفية تغير اللفظ عن أصله الباطن. ونجد في ذلك مذاهب.
المذهب الأول:التغير في ترتيب الأصوات:
التسليم المباشر بمنع هذا اللفظ من الصرف كان وراء محاولة البحث عن علة مقبولة للمنع من الصرف، وتمنع الأسماء الصرف ما انتهت بألف تأنيث ممدودة، فالهمزة في نهاية (أشياء) للتأنيث أما الهمزة في أولها فهي لام الكلمة أي اللام من (شيء) ولكنها قدمت وهذا هو التغير في ترتيب الأصوات فيها.
وهو قول الخليل ،ويذهب إليه سيبويه، وتابعهما المازني وجميع البصريين إلا الزيادي(6). قال سيبويه: "وكان أصل أَشْياءَ شَيْئَاء، فكرهوا منها مع الهمزة مثل ما كره من الواو"(7). وقال المازني موضحًا ما حدث للفظ:"فجعل الهمزة التي هي لام أولاً فقال:(أشياء) كأنها (لفعاء)"(8). وذلك "يعني أن (شيئاء)هي (فعلاء)كحمراء فكرهوا الياء وبعدها الهمزة، كما كرهت الواو وبعدها الهمزة في (مساوِئة)حين قلبوا فجعلوا الهمزة مكان الواو، فانقلبت الواو ياء لكسرة الهمزة قبلها فقالوا: مسائية(9) فهي (مفالِعة) مقلوبة من (مفاعِلة)، فكذلك شيئاء لما كرهت الياء مع الهمزة قلبوها فقالوا:أشياء فهي (لفعاء) مقلوبة من (فعلاء)"(10). وكان المبرد ذكر تفسيرًا لمذهب الخليل يختلف عن الوارد سابقًا، قال:"فكرهوا همزتين بينهما ألف فقلبوا؛ لنحو ما ذكرت لك من خطايا كراهة ألفين بينهما همزة. بل كان هذا أبعد، فقلبوا فصارت اللام التي هي همزة في أوله، فصار تقديره من الفعل:(لَفْعاءَ) ولذلك لم ينصرف، قال الله عز وجل:﴿ لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُم تَسُؤْكُم﴾ ولو كان(أفعالا) لانصرف كما ينصرف أحياء وما أشبهه"(11). ويقتضي قول الخليل هذا تفسير العلاقة بين (شيء) و(أشياء)، فذُهِب إلى أن (أشياء) ليست جمع تكسير لـ(شيء)، فلفظها مفرد ومعناها جمع، قال الفارسي: "وهو واحد بمعنى الجمع كرهط ونفر؛ لأن(فعلاء) ليس مما يكسر عليه الواحد".(12)
ينطلق تفسير الخليل من فرضية أن(أشياء) منعت من الصرف لأنها تنتهي بألف تأنيث ممدودة وهي من الأمور المانعة من الصرف، واقتضت هذه الفرضية القول بتقديم الهمزة، واقتضت أيضا القول بأنها ليست جمعا لشيء بل اسم جمع(13). ولهذه الأمور أهميتها في تصريف (أشياء) يعرض لها النحويون في معالجة تفسير منعها من الصرف.
يذهب المؤيدون قول الخليل إلى أن تصغيرَ (أشياء) وجمعَها دليلان على صحة مذهبه، فـ(أشياء) تصغر على (أُشَيـَّاء)(14) ؛ "فلهذا كان قول الخليل هو الصواب دون قول أبي الحسن. ألا ترى أنه لا يلزمه أن يقول: (شييئات) لأنها ليست بجمع كُسِّر عليه (شيء)، وإنما هي اسمٌ للجمع، بمنْزلة: (نفر،ورهط) فكما تقول: (نُفير، ورُهيط) كذلك جاز أن تقول: (أُشَيـَّاء)، فمن هنا قوي قول الخليل، وضعف قول أبي الحسن! وهذا الذي يلزم أبا الحسن لازم للفراء؛ لأنهما جميعًا يقولان: إنها(أفعلاء)"(15).
أما جمعها فيذكر المازني أن (أشياء) جمعت على (أشاوَى)، قال: "ثم جمع فقال:(أشاوَى) مثل (صحارَى)"(16)، ويؤيد المازني ورود (أشاوى) عن العرب بما نقله عن الأصمعي قال: "وأخبرني الأصمعي، قال: سمعت رجلا من أفصح العرب يقول لخلف الأحمر: (إنّ عندك لأَشاوَى)"(17). أمّا الزجاج فيرى هذا الجمع مقوّيًا لقول الخليل، قال: "ويُصَدِّق قولَ الخليل جمعُهم أشياءَ على أشاوَى، وأشاياه"(18)، وذهب الرضي إلى أبعد من ذلك حين رأى أن هذا الجمع يضعف قول غير الخليل، قال: "ويضعف قول الأخفش والكسائي قولهم:أشايا؛ وأشاوى، في جمع أشياء، كصحارى في جمع صحراء، فإن أفعلاء وأفعالاً لا يجمعان على فَعَالى"(19).
وتجمع(أشياء) على (أشياوات)(20). ويذكر ابن الأنباري اتخاذ البصريين هذا دليلا على أنها مفرد لا جمع تكسير، قال:"والذي يدل على ذلك أيضًا أنهم قالوا في جمعه أيضا(أشياوات) كما قالوا في جمع فَعلاء فَعْلاوات نحو صَحْراء وصَحْرَاوات، وما أشبه ذلك، فدل على أنه اسم مفرد معناه الجمع، وليس بجمع "(21). ولعل ابن الأنباري استفاد مما جاء عند الفراء الذي قد ساق في عرضه لرأي الكسائي أنّ (أشياء) التي على(أَفْعالٍ) كثرت في الكلام فأشبهت فَعْلاءَ، فمنعت من الصرف كمنع حَمْراءَ، وجمعت على فَعَالَى: (أشاوى) كعَذْراءَ على عَذارَى، وجمعت على فَعْلاواتٍ (أَشْياواتٍ) كحَمْراواتٍ(22).
ولم يسلم قول الخليل من نقد الناقدين ؛ إذ ذكر ابن جني أن الفراء (23) أنكر قول الخليل للقلب إذ جعلها(لَفْعاءَ)، وللجمع جمع ما واحده محرك العين مؤنث بالهاء نحو: طَرَفَةٌ: وطَرْفَاءُ، وقَصَبَةٌ: وقصباء(24). وأجاب ابن جني عن ذلك بأن الفراء يقول بحذف الهمزة وليس تقديم اللام بأشنع من حذفها(25)، أما الجمع فلا يلزم الخليل "لأنه ليس عنده أنَّ (أشياء) جمع كسِّر عليه (شيْءٌ) بمنْزلة:(كلْب وكلاب، وكعْب وكعاب)، وإنما (أشياء) عنده اسم للجمع فيه لفظ الواحد بمنْزلة (الجامل والباقر) فهذان لم يكسّر عليهما (جمل ولا بقر)، وإنما هما اسمان للجمع بمنْزلة (نفر، ورهط، وقوم، ونسوة، وإبل، وجماعة)، فمن هنا لم يلزم الخليل ما ألزمه الفراء إياه"(26).
وواضح أن انتصار ابن جني لرأي الخليل لا يستند إلى حجة قوية فهو يقر بشناعة القول بالتقديم، أما الزعم بأن (أشياء) اسم جمع لا جمع تكسير فأمر ينقضه وجود مفرد من لفظه هو (شيء)، فإن لم تكن (أشياء) جمع تكسير لـ(شيء) فما جمع التكسير لها؟
أما تصغير (أشياء) على (أُشيّاء) وإن دعم قول الخليل في مقابل قول الأخفش والفراء فإنه لا يدعمه في مقابل قول الكسائي فهي على رأيه تصغر هذا التصغير.
وأما الاستدلال على تقديم الهمزة بالجمع على (أَشاوَى) :(لَفاعَى)(27) فهو معترض من جهة أنّ الواو تظهر في موضع الياء، وهذا أمر أدركه ابن جني فراح يعتذر عنه بقوله: "فأما قولهم في جمعها: (أشاوى) فقياسه: (أشايا)، لأن الياء ظاهرة في (أشياء)، ولكن الياء قلبت واوًا، كما قالوا: (جبيت الخراج جباوة)، وكما قالوا:(رجاء بن حيوة) يريدون:(حيّة). وحكى أبوزيد: (باد الشيء يبيد بوادًا) بالواو؛ وكأنهم إنما فعلوا ذلك كراهة للياء بين الألفين في (أشايا) لو قالوها لقرب الألف من الياء؛ وليكون قلب الياء واوًا هنا عوضا للواو من كثرة دخول الياء عليها(28) ؛ وكأن من قال في ( مطيّة، وهديّة: مطاوى وهداوى) إلى هذا ذهب"(29). وقد أدرك ابن جني بفطنته أن هذه العلل ضعيفة فقال:"على أنه ليس بعلة قاطعة، ولكنّ فيه ضربًا من التعلل"(30). ولذلك ينقل قولا ينقض الاحتجاج بهذا الجمع على تقديم اللام،قال:"وأخبرني أبوعلي أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ (أشاوى) ليس بجمع (أشياء) من لفظها، وأنه من لفظ قول الشاعر:
يا حبّذا حين تمسي الريح باردة وادِي أُشَيٍّ وفتيانٌ به هُضُم
فـ(أشاوى) على هذا (فَعَالَى) بمنْزلة (عذارى)؛ لأن الهمزة في (أُشيٍّ) فاء، فينبغي أن تكون في (أشاوى) فاء؛ كأنّ واحدتها:(إشاوة) وتكون (إشاوة) كإداوة وتكون (أشاوى): فعائل- في الأصل- كأداوى"(31).
ويحاول ابن جني لما أدركه من ضعف القول بالتقديم أن يخرج بتفسير فيتوجه بسؤاله إلى أبي علي، ومفاد السؤال هو أيمكن أن تكون (أشياء) جمعًا لـ(شيء) من غير لفظها كما جمعت (أشياء) نفسها على (أَشاوَى ) من غير لفظها؟، قال ابن جني:"فقلت لأبي علي: فهلا كانت (أشياء) على هذا (فعلاء) من غير لفظ (شيء)، وتكون الهمزة فيها: فاء، دون أن تكون (لفعاء)؟ فقال: إنه إنما ذهب في (أشاوى) إلى أنها من غير لفظ (أشياء) لأن في (أشياء) ياءً، وفي (أشاوى) واوًا، فأمّا (أشياء) فلا إبدال فيها يسوغ أن يقال فيها:إنّها من غير لفظ(شيء)"(32). وواضح من النص أن أبا علي لا يرتضي كون (أشياء) اسم جمع بل هي جمع لشيء من لفظه، فهو مخالف لمذهب الخليل.
وعلى الرغم من أن ابن جني يقول:"فأما التقديم فجائز كثير في كلام العرب"(33) فإن القول بهذا التقديم لم يقبله نحويون آخرون ذهبوا يجتهدون في اتجاه آخر.
المذهب الثاني:حذف الصوت
ونجد في هذا الاتجاه أربعة أقوال:قول الأخفش، وقول الفراء، وقول يفهم من تفسير المبرد قول الأخفش، وقول ذكره مكي بن أبي طالب. وتتفق كل هذه الأقول على أن (أشياء) جمع وليس باسم جمع خلافًا للخليل، وأنّها على البناء (أَفْعِلاء)؛ وأنَّه حذف منها حرف؛ ولكن هذه الأقوال تختلف في تفاصيلها أو في فهمها وتفسيرها لقول الأخفش.