مجابهة الضعف اللغوي
أ.د أبو أوس الشمسان
الأستاذ في قسم اللغة العربية
كلية الآداب-جامعة الملك سعود
ظهر الضعف اللغوي في وقت مبكر من تاريخ العربية المدّون إذ تحتفظ لنا كتب التراث بطائفة من الحكايات التي تدل على ذلك؛ لكن الأمر استفحل بعد اختلاط العرب بالأمم الأخرى فبدأت مواجهة هذا الضعف اللغوي تأخذ أشكالاً عملية لعل من بينها تقعيد اللغة وجمعها من مظان يركن إليها من حيث هي بمنأى عن الاختلاط المتهم بأنه علة للضعف اللغوي ومن أشكال المجابهة ما وضعه العلماء من كتب لحن العامة(1 ) التي ينبهون بها على مواطن الخلل.
واستمر الضعف بل زاد مع السنين حتى بدا شديدًا في عصورنا الحديثة هذه وهو ظهور دفع الغيورين على اللغة إلى أن يحاولوا جاهدين مجابهة هذا الضعف الذي يحسونه يعصف بلغتهم( 2). وظهرت أشكال مختلفة من المجابهات تمليها الدوافع الكامنة وراءها والأسباب التي يرى أصحابها أنها وراء الضعف( 3)؛ فالذين اتهموا النحو وطريقة تدريسه ذهبوا إلى محاولة تيسيره وإصلاحه( 4) فأصابوا حينًا وأخطأوا حينًا وبلغ من غالى منهم إلى أن دعا إلى إلغاء بعض الظواهر اللغوية توهمًا منه أنّ في وسع العلماء أن يلغوا من ظواهر اللغة ما يشاؤون من عند أنفسهم دون أن يكون للمجتمع اللغوي السطوة في ذلك من حيث أن الاستعمال أو الإهمال هو العامل المؤثر في حياة ظاهرة لغوية أو موتها( 5).
والجهود الهادفة لمعالجة الضعف اللغوي مستمرة. واستمرارها دليل استحكام المشكلة وإخفاق الحلول التي قدمتها الجهود السابقة؛ إما لأنها حلول غير عملية، أو لأنها لم تؤخذ مأخذ الجد. وسوف نحاول في هذه الصفحات أن نعرض لنماذج من هذه الجهود. وقد اخترناها اختيارًا يهدف إلى التمثيل لا الاستقصاء.
تنوعت الجهود التي تصدت لمعالجة الضعف اللغوي، فمنها الأعمال الفردية، ومنها الأعمال الجماعية، ومنها ما كان ثمرة ندوة ومنها ما كان ثمرة مؤتمر، وهذه الأعمال قد تختلف في تسمياتها لكنها تهدف بشكل عام إلى معالجة هذه المشكلة؛ ومن أجل ذلك التنوع ولكثرة الدراسات والندوات(6 ) والأعمال سوف نكتفي بعرض خمسة أعمال منها؛ لنرى جوانب الضعف وأسبابه وما الحلول المقترحة لمعالجة ذلك؛ وهذه الأعمال هي:
1-ندوة مشكلات اللغة العربية على مستوى الجامعة في دول الخليج والجزيرة العربية (جامعة الكويت/ الفترة 4-6 نوفمبر، 1979م).
2-كتاب (تطوير مناهج تعليم القواعد النحوية وأساليب التعبير في مراحل التعليم العام في الوطن العربي)، إعداد: محمود أحمد السيد (ط1، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم/ تونس، 1987م).
3-دراسة "ظاهرة الضعف العام في استعمال اللغة العربية" (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية/ الرياض، 1992م).
4-مؤتمر تعليم اللغة العربيةة في المستوى الجامعي (جامعة الإمارات/ العين، الفترة 18-20 إبريل 1992م).
5-كتاب "فعاليات الندوة العامة لمعالجة ظاهرة الضعف اللغوي"(قسم اللغة العربية بكلية المعلمين بحائل بالتعاون مع إدارة التعليم في الفترة من 9/5/ 1414ﻫ- إلى 6/7/1414ﻫ).
أولاً:ندوة الكويت
طُبعت أعمال هذه الندوة في كتاب عنوانه: ندوة مشكلات اللغة العربية على مستوى الجامعة في دول الخليج والجزيرة العربية (جامعة الكويت/ الفترة 4-6 نوفمبر، 1979م)، وتضمن الكتاب أربعة عشر بحثًا، وتعليقات وتوصيات، وهذا مختصر لمحتوى بحوث الندوة وتوصياتها:
1-النحو الجامعي
النحو في المرحلة الجامعية، كتبه: الدكتور علي فودة نيل، وفيه دعوة إلى إعادة استقراء العربية لتلافي ما فات القدماء من ظواهر لغوية، وأشار إلى الدعوة إلى الفصل بين تقعيد الشعر والنثر لما بين نظاميهما من اختلاف، ودفع القول بوجوب فتح باب الاستشهاد حتى العصور الحديثة لما يراه من خطر تسرب استعمالات غير فصيحة، وانتهى إلى إعادة الاستقراء اعتمادًا على النثر والشعر في نماذجها العالية ليكون ذلك أساسًا صالحًا لوضع خطة لتدريس النحو تكفل شمولها جميع المسائل النحوية وتكون لغة التأليف جيدة سهلة، وكتب التدريس مزودة بروائع من النثر والشعر، وأن يحظى النحو بساعات كافية لتدريسه. ودعا إلى الاهتمام بتقويم طالب اللغة العربية بإجراء ما يلزم من اختبارات شفوية( 7).
ويبدو اتجاه الباحث إلى المحافظة على الدرس النحوي التقليدي، وبخاصة في مجال قضية الاستشهاد التي آن أن ينظر إليها نظرة جديدة فما نجده من شواهد نحوية إنما يرد ليعزز الاستعمالات النادرة والظواهر القليلة والمخالفات عن المشهور المطرد، ونحن اليوم بحاجة إلى معرفة الظواهر المطردة والاستعمالات الشائعة وليس يمكن ذلك إلا بمراجعة التراث العربي على مرّ العصور دون توقف عند عصر محدد أو الاكتفاء بأنواع محددة من الأداء اللغوي.
2-أخطاء الطلاب
أضواء على مناهج النحو والصرف في الجامعة من خلال أخطاء الطلاب في الامتحانات، كتبه: مصطفى النحاس، وقد وجد الباحث أن من الأخطاء ما يتعلق بالصيغة إذ لا يدرك الطالب المعنى الوظيفي للصيغة لذلك يخلطون بين الأسماء والأفعال ومن ثمّ يخلون في الأحكام الخاصة بكل منهما، ومن ذلك الخلط بين همزة الوصل وهمزة القطع، ويخلطون بين الهاء (الضمير) وتاء التأنيث المربوطة، ومن الأخطاء ما يتعلق بالضبط الإعرابي، وقد عدّد الباحث أمثلة منها تبين خلط الطلاب بين اسم إنّ وخبرها وجهلهم الفرق بين المعرب والمبني وعزا الباحث ذلك إلى قصور المنهج التدريسي ودعا إلى علاجه بما يتناسب والجامعة، ومن الأخطاء ما يتعلق بترتيب الجملة وعدّد طائفة من الأمثلة، ومن الأخطاء ما يتعلق بمعنى الجملة وقد ذكر الباحث وقع الطلاب في التناقض لجهلهم بمعنى الجملة ومن ذلك إدخالهم سوف على (لن)، وذكر كثرة وقوع الخطأ في المعاني العامة كالنفي والاستفهام والشرط وعزا ذلك إلى تشابه الأدوات في مبناها، وأكد الباحث على أن أي منهج لتعليم النحو لا بد أن يتضمن قراءات في كتب التراث وقراءات ومعالجات للغة المعاصرة وإشارات سريعة إلى بعض الاتجاهات الجديدة في درس اللغة لربط القديم بالحديث( 8).
3-عزوف الطلاب عن العربية
عزوف الطلاب عن دراسة اللغة العربية، كتبه: توفيق الفيل، وهذا البحث مبني على إحصاءات وجداول، وبيّن فيه أن ميل الطلاب أو عزوفهم عن فروع اللغة متدرج فهم يميلون إلى القراءة فالتعبير فالنصوص الأدبية فالنقد والبلاغة فالقواعد، وانتهى إلى توصيات مجملها جعل مقرر النحو منفصلاً في الامتحانات، وتدريبات المعلم، ووجوب اهتمام وسائل الإعلام بالعربية. وفتح مجالات أخرى لعمل طلاب العربية، ووضع حوافز للممتازين من الطلاب، والتحدث بالعربية في تدريس جميع المقررات، وتوجيه المشاعر الدينية والقومية للعناية بالعربية( 9).
4-تعليم العربية في الجامعة
تدريس اللغة العربية في الجامعة، كتبه: مازن المبارك، واقتصر فيه على الحديث عن تدريس النحو في الجامعة فبين قلة عدد الساعات المخصصة لذلك التدريس، وأثر فترات الانقطاع أثناء السنة الدراسية من جهة وأثناء الدراسة الجامعية لأن الطالب قد لا يوالي درس النحو، وبين أن الأستاذ يضيع وقتًا في ترميم ما فات الطلاب من النحو فلا يبقى لهم وقت لجديد، وبين أن تدريس العربية في كليات التربية مزاحم بالمقررات التربوية، ودفع الوهم بأن الضعف اللغوي عند الطلاب مرده الضعف في علوم العربية، وأكد على أن إجادة اللغة غير مكفولة بإجادة قواعدها إذ اللغة جملة من المهارات التي تُكتسب بالتدرب، ودعا إلى سماع اللغة الصحيحة وحفظ الجيد منها، ودعا إلى اتفاق الجامعات في خطة تدريس علوم العربية وإلى أن يتسع مقرر النحو والصرف لجملة الموضوعات التي يشتد طلبها. ودعا إلى تعدد مناهج تدريس العربية بما يلائم المستويات المختلفة والأغراض المتباينة. ودعا إلى ربط الطلاب بالمراجع القديمة والحديثة، ودعا إلى الرفع من شأن العربية إعلاميًّا واجتماعيًّا( 10).
5-قواعد النحو والصرف
قواعد اللغة العربية: النحو والصرف، كتبه: محمد عيد، وبيَّن أن مظاهر المشكلة تتلخص في جملة أمور منها غياب فهم الأساتذة لمستوى طلابهم، وجمود منهج النحو عند طريقة القدماء المعتمدة على المتون والشروح والحواشي، وأن كتب الأساتذة مشابهة لكتب القدماء في منهجها، ومنها إهمال التدريب والتطبيق أو استغلال وقته لمزيد من الدرس النظري. وأن دراسة الصرف توارت خلف دراسة النحو، ودعا لعلاج ذلك إلى استقرار خطط الدراسة وإدراك مستوى الطلاب والاقتصار من النحو على ما فيه الفائدة، أما منهج النحو حسب تصوره فيجب استخلاصه من كتب النحو القديمة، وأن تكون خالية مما لا يفيد النطق، والتخلص من طريقة الكتب القديمة في عرض النحو وأن تعرض الأفكار النحوية بأسلوب سهل مع استعمال أمثلة حديثة، مع المحافظة على الجيد من شواهد النحو شعرًا ونثرًا، وأن يوصل الطالب بالقديم بتكليفه دراسة باب منها كل عام، أما دراسة الصرف فدعا إلى شمول دراسته وإلى تيسيرها، وإلى إيجاد الألفة بين الطلاب وهذا العلم. وأنهى الباحث بحثه بالحديث عن التدريب والتطبيق فدعا إلى التدريب على صحة النطق بالقراءة وإلى التعبير السليم بالكتابة فيصحح لهم ما قرؤوا وما كتبوا( 11).
6- التعابير الاصطلاحية والسياقية
التعابير الاصطلاحية والسياقية ومعجم عربي لها، كتبه: علي القاسمي، وهي مشكلة قد واجهها الباحث أثناء تعليم اللغة لغير الناطقين بها إذ المعاجم العربية لم تتطرق حسب قوله لهذا النوع من التعابير على كثرتها في العربية، ويرى أنه لابد من دراسة تلك التعابير ووصفها وضمها في المعجم العربي. وقد حاول الباحث تأسيس منهج لدراسة تلك التعابير فتناول ماهيتها وبنيتها وحاول بيان الحدود الفاصلة بين التعابير الاصطلاحية مثل (على قدم وساق) وغير الاصطلاحية، وتحدث عما سماه بالتعابير السياقية وهو ما ينتج عن تلازم كلمتين أو أكثر مثل (مكة المكرمة، المدينة المنورة، القدس الشريف)، والكنايات مثل (بعيدة مهوى القرط)، والأسماء المركبة مثل (عبدالله، حضرموت، تأبط شرًّا). وتواجهنا المشكلة حين نتعامل مع الحاسوب فهو ليس بوسعه أن يفهم هذه التعابير على نحو ما نفهمها وبذلك لابد من بيانها له(12 ).
وقد تبدو هذه المشكلة غير ذات صلة مباشرة في تناول الضعف اللغوي ولكن الأمر الواضح أن كثيرًا من الناس يستعمل هذه التعابير استعمالاً وظيفيًّا دون أن يفهم المعنى اللغوي الأولي لما يستعمله( 13)، ولئن كانت المعجمات العربية العامة قد أغفلت هذا الجانب من الاستعمال اللغوي فإن ثم مصنفات عربية اهتمت بها مثل كتاب الفاخر لأبي طالب المفضل بن عاصم، وكتاب الزاهر لأبي بكر محمد الأنباري. ولكن تلك المحاولات المبكرة لا تغني عن العمل العلمي الجاد المستوعب على النحو الذي دعا إليه الكاتب.
7-المباني الصرفية والمعاني النحوية
المباني الصرفية والمعاني النحوية في تعليم اللغة العربية، كتبه: ولسن بشاي، وهو منهج جديد في تعليم القواعد العربية ينطلق من فكرة أن العقل البشري مزوَّد بمفاهيم داخلية تمكنه من فهم قواعد اللغة غير أن ما يناقض هذه المفاهيم من قواعد اللغة يبعث على اللبس ويعسر على الإنسان أن يتلقاه، وذكر الباحث أن طريقته قد نجحت في التعليم وأمكن استعمالها في الحاسوب من أجل تيسير أمر الترجمة، ولكنه دعا إلى تطويرها للاستفادة منها في وضع منهج لتعليم العرب(14 ).
8- تعليم العربية بين القواعد والنماذج
تعليم اللغة العربية بين القواعد والنماذج، كتبه: عبدالرحمن أيوب، وعرض فيه الباحث مسائل متفرقة من النحو العربي مأخوذة من كتب تعليم اللغة العربية وبيّن مواطن الخلل في معالجتها إذ لم تفلح تلك الكتب بسبب طريقة عرضها في معالجتها معالجة مثمرة، وناقش بعض المسائل التي فيها تناقض في النظر إليها وفي أحكامها، ودعا لعلاج ذلك بأمرين أحدهما إعادة النظر في القواعد العربية، والآخر اتباع طرق ملائمة في التدريس، وبيّن أن تحقيق الأمر الأول يجب أن يعتمد على تحليل الأخطاء، وعلى مراعاة التأثير اللهجي، واقترح حصر قواعد العربية وتقييمها وانتخاب الصالح منها. وركز على أهمية التدريبات في التعليم، وقد زوّد الباحث بحثه بملاحق؛ الأول نظرة بديلة في النحو العربي، عرض فيه بعض القضايا المفرقة في النحو فجعلها في حيز واحد، والثاني مثال لمساهمة طريقة العرض في شرح القاعدة، وأما الثالث فهو اقتباسات من كتاب يتصل بموضوع البحث(15 ).
9- استغلال اللغة الدارجة في تعليم الفصيحة
كيف نستفيد من اللغة الدارجة في تعليم اللغة الفصيحة، كتبه: محمد عبد غانم، وذكر فيه أن الدارجة وإن كانت عائقًا في سبيل تعلم الفصحى فإنه يمكن الاستفادة منها أيضًا لما بين الفصيحة والدارجة من تطابق في كثير من الأحيان، واشترط لقبول استعمال اللفظة من اللغة الدارجة أن تكون مشتركة بينهما في النطق والمعنى، وأن يكون لما في الدارج أصل فصيح، وأن يكون النطق الدارج وسيلة إلى تعلم الفصيح، وهي شروط غريبة لكن الغرابة تزول حين يضرب الباحث أمثلة من الدارجة فنجد الكلمات التي يذكرها كلمات فصيحة سجلها التراث لكنها قليلة الاستعمال، وهذا شأن اللغات الدارجة فهي تستعمل كلمات سجلتها كتب اللغة لكنها ليست مما يتداوله المثقفون والكتّاب والمؤلفون اليوم فغلب على ظنهم أنها من الدارجة، ولعل هذا راجع إلى أن المعجمات في الأصل هي جمع للغات دارجة ابتداءً، إذن البحث دعوة للاستفادة من إمكانات الدارجة لما فيها من حياة مع تفصيحها بتصحيح ما اعتورها من تغير عن الفصاحة( 16).
والحق أن العامية مما اختلف في شأنها فهناك من يظن أنها من أشد الأمور خطرًا على العربية الفصيحة، ويقف في مواجهة هؤلاء من يدعو إلى العامية، وفي موقف وسط من يرى أن العامية لا تشكل خطرًا كبيرًا بل يرى أن لها فضل التمهيد لتعلم العربية. من أوائل أصحاب هذا الرأي محمد عرفة، حيث قال: "إن العامية لا يمكن أن تقف في طريق تكوين ملكة العربية، بل إني أرى أنها عون على اللغة العربية، فمن السهل على من عرف العامية أن يتعلم اللغة العربية وتكون عونًا له عليها، وتطيعه ملكة اللغة العربية بأيسر وأسهل مما تطيع من لا يعرفها ولا يتكلم بها كالإنجليزي والفرنسي؛ لأن معرفة العامية تعلم الكثير من العربية، فتعلم كثيرًا من مفرداتها كالأرض والسماء والسحاب والماء والثرى والهواء، وتعلم كثيرًا من أساليبها وتراكيبها؛ والنقض الذي دخل على ملكاته من تحريف العامية شيء سهل يمكن ملافاته إذا سار في الطريق المستقيم، عكس من لم يعرف شيئًا من العامية، فيبدأ في تعلم العربية من جديد كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وأسلوبًا أسلوبًا، ونظمًا نظمًا"(17 ).