mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي المعنى النحوي قراءة في مرحلة التأسيس وما بعد التأسيس

كُتب : [ 03-15-2017 - 12:24 PM ]


المعنى النحوي قراءة في مرحلة التأسيس وما بعد التأسيس
مصطفى محمد العطار

إن أول سؤال يطالعنا ونحن بصدد الوقوف على تعريف للمعنى النحوي هو: هل كان هناك مكان للمعنى في الدراسات النحوية؟ بمعنى آخر: ما نصيب الدراسة الدلالية من تفكير النحاة الأوائل؟
إن سؤالاً كهذا يتطلب منا بالضرورة حديثاً عن مرحلتين هامتين طبعتا الدراسات اللغوية عامة والدراسة النحوية على وجه الخصوص، مرحلة التأسيس ووضع الأصــــول، ومرحلة النحو المؤسس الذي يشمل كلاً من المعنى والإعراب اعتباراً من أن هذا الأخير هو فرع المعنى.
وإذا أردنا أن نقوم بتوطئة تاريخية، وجدنا أنه لما جاء الإسلام، وجد اللغة العربية قد استكلملت أدوات التعبير، وأصبحت قادرة على استيعاب جميع المعاني الجديدة، خصوصاً تلك التي كانت تمتاز بالصفاء والنقاء من لغة أهل وسط الجزيرة العربية لا لغة السواحل التي كانت متاخمة لأمم وشعوب أخرى كالفرس والروم، وهذه حقيقة تاريخية عجت بها كتب التاريخ، وكان من مخالطة العرب الفاتحين لهذه لشعوب والأمم أن فسدت الألسن وتفشى اللحن في أعز ما يملكه العرب، اللغة العربية، الإرث الحضاري والزخم التراثي الذي لا ينضب، وفي ذلك يقول أحدهم: «فلما كانت الفتوحات واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب التي كانت تحت سيطرة الفرس والبيزنطيين والأحباش ودخول كثير من هؤلاء في الإسلام واضطرارهم إلى تعلم ما استطاعوا من العربية، وكان من بين هؤلاء الفاتحين وهؤلاء الشعوب اختلاط وأخذ وعطاء، تسرب الفساد إلى لغة كثير من العرب وبدأ يسمع كثير من اللحن في التخاطب، قليلاً في الأول ثم أخذ في الانتشار حتى لفت إليه أنظار المسؤولين وغيرهم من أهل الحل والعقد(1)، إن النص هذا باعتباره صيرورة تاريخية لبوادر ظهور اللحن، يبرز الخطر الكبير الذي طال اللغة العربية وأصبح يتهدد كيانها، خصوصاً بعد الفتوحات الإسلامية التي كان لها الفضل كل الفضل في اعتناق كثير من الأمم الإسلام، فكان لزاماً على هؤلاء أن يتعلموا العربية حتى تترسخ قدمهم في مراقي الحياة الاجتماعية والسياسية وحتى يزدادوا فهماً للإسلام والمسلمين.
ولعل التاريخ الإسلامي يحوي من الشواهد والأمثلة الكثير على تفشي اللحن واللكنة ما يجعلنا نبجل الجهد الكبير الذي بذله علماؤنا ولغويونا الأجلاء في تقعيد اللغة وضبطها خوفاً عليها من الفساد، وحسبنا شاهدان فقط على ذلك، فقد ورد في كتاب الخصائص لابن جني قوله: «إن رجلاً لحن بحضرة النبي فقال: (أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل)، والشاهد الثاني وهو أخطر من ذلك وأشد، وهو أن أعرابياً قدم في خلافة عمر وقال: (من يقرئني مما أنزل على محمد؟) فأقرأه رجل سورة براءة بهذا اللحن (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله) بكسر اللام، فقال الأعرابي: إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه)(2).
إن هذين الشاهدين اللذين أوردناهما ليدلان على أن اللحن كان متفشياً حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين الأعراب أنفسهم حيث لم تسلم ألسنتهم من الخطأ حتى في القرآن، إلا أن ظهور اللحن والفساد بصورة سافرة كان مع المسلمين غير العرب الذين صعب عليهم مجاراة اللسان العربي الفصيح الذي لا يضيق سلمه الصوتي على استيعاب جميع الحروف، بخلاف الموالي الذين نجدهم عاجزين عن نطق بعض الحروف كالحاء والقاف مثلاً، دون أن ينال ذلك من المعنى، لكن عندما يصيب اللحن الثوابت والضوابط العربية التي توارثها العرب آباء وأجداداً فإن ذلك يصبح أخطر لا على لغة العرب وحدها، بل على القرآن بصفته وعاء لها، فلحن بسيط كإبدال الفتحة كسرة ـ مثلاً ـ قد يؤدي إلى فهم أبتر يصل ذروته أحياناً كقول الأعرابي الذي سبق ذكره (أن الله بريء من المشركين ورسوله) فقد عطف (رسوله) على (المشركين) فكانت (رسوله) مجرورة. إذن من الطبيعي أن يكون القرآن السبب المباشر لظهور علم النحو «لأن النحو دراسة للتركيب اللغوي ورصد للظواهر الإعرابية الناجمة عن القرائن اللفظية التي سميت فيما بعد بالعوامل النحوية، فقراءة القرآن تعتمد اعتماداً بارزاً على تغير أواخر الكلمات أي الإعراب، وقد ظهر اللحن أول ما ظهر في القضايا الإعرابية(3). فقراءة القرآن لا بالنسبة إلى العربي القح ولا بالنسبة إلى الموالي، لا يمكن أن تتم دون أدنى مراعاة للقواعد النحوية والعلامات الإعرابية، فتغيير هذه الأخيرة هو تغيير لمعنى بأكمله وفي هذا إثم كبير وجناية عظمى على المتن القرآني.
ونحن لسنا هنا بصدد التأريخ لنشأة النحو أو للظروف التي أحاطت به، بقدر ما نريد أن نشير إلى أن تقعيد اللغة العربية كان بدافع الغيرة والخوف عليها من الفساد واللحن الذي من شأنه أن يهز فصاحتها وبلاغتها التي تعتبر الميسم الذي يسمها ويميزها عن غيرها من اللغات.
إن هذه التوطئة تجعلنا نسلم بأن جهود علمائنا ونحويينا الأوائل كانت منصبة أساساً على تعليم القواعد وتلقينها للمتعربين حتى يسهل عليهم التمكن من اللغة العربية، فيقل اللحن ويعود لهذا اللسان رونقه وصفاؤه، أما الحديث عن واضع النحو العربي فتلك مسألة لا تخصنا في شيء مادام الأمر يتعلق بالإجابة عن سؤال المعنى وحضوره في الدراسة النحوية.
ويجب التنبيه إلى كون الدراسة الدلالية في المرحلة الأولى ـ مرحلة التأسيس ـ لم تكن ذات أهمية، وإن وجد هناك حديث عن المعنى فإنما هو المعنى النحوي الوظيفي الصرف «إنه معنى الأبواب النحوية كالفاعل ونائبه والمفعول والحال والتمييز والمستثنى والمضاف إليه والنعت والبدل والمبتدأ والخبر... وهذه المعاني تحرصها قرائن صوتية كالعلامة الإعرابية ونغمة الكلام، أو صرفية كالبنية الصرفية والمطابقة والربط والأداة، أو تركيبية كالتضام والرتبة، ومعنى هذا أن الأبواب النحوية وظائف تكشف عنها القرائن أو بعبارة أخرى معان وظيفية للقرائن المستمدة من الأصوات والصرف والمماثلة في التركيب والسياق»(4).
فالفاعل النحوي ليس هو الفاعل الدلالي، بمعنى أن هذا الفاعل لا يخرج عن ثلاث قرائن: صرفية وصوتية وتركيبية وليست دلالية. فالجملة الآتية مثلاً:
(ضرب زيد عَمْراً) يدرسها النحوي على الشكل الآتي: (ضرب) فعل ماض و(زيد) فاعل و(عمر) مفعول به، بمعنى آخر إن جملة (ضرب زيد عَمْراً) لا تفيد النحوي في شيء إلا في الوظائف التي تؤديها كل كلمة على حدة. وإذا انطلقنا من كون النحاة تعاملوا مع الكلمة التي تتشكل منها الجملة، فإن ذلك لم يكن عبثاً وإنما كان لاعتبار هام جداً هو أن الجملة الواحدة يسهل ضبطها وحصرها، في حين إذا تجاوزنا الجملة إلى بعد فوق جملي، فإن ذلك يصعب معه ضبط اللغة العربية، وما دمنا نتحدث عن الكلمة المفردة في علاقتها بكلمة أخرى داخل النسق الجملي، فإن الحديث عن معنى دلالي يغدو شبه مستحيل، ومن ثم يتحدد التمايز بين علم النحو وعلم المعاني.
إلا أن تمام حسان عندما تحدث عن هذا التمايز بين علم النحو وعلم المعاني منطلقاً من فكرة أساس مفادها: كون الأول يتعلق بالجملة في علاقاتها بجمل أخرى داخل البنية النصية فإنه أغفل الفرق الأساسي بين العلمين وهو الرأي الذي انتقد بشدة انطلاقاً من كون التنافر بين العلمين لا يغدو محدداً أساسياً ينبغي الاستناد إليه «فاختلاف النحو والمعاني في بعض الموضوعات واتفاقهما في البعض لا ينبغي أن يخدعنا فنغفل عن الفارق الأساسي وهو أن النحو يدرس أعمال الواضع، والمعاني أعمال المتكلم»(5). بعبارة أخرى إن النحو في تعامله مع جملة ما لا يدرس معناها بقدر ما يدرس الكلمة الموضوعة بما هي اسم وفعل وحرف. أما دراسة المعاني فتلك من اختصاص المتكلمين الذين يدرسون الكلام والمتكلم فينتقلون من الجملة الواحدة إلى ما فوق الجملة أي إلى النص.
لكن ما موقع المعنى من دراسة النحوي للجملة؟ إن سؤالاً كهذا يجعلنا تائهين بين ثلاثة تعريفات للمعنى، فهل نحن بصدد تعريف نحوي للمعنى؟ أم بصدد تعريف معجمي للمعنى؟ أم أننا في الأخير أمام تعريف دلالي؟
إن ما تقدم من معطيات حول مسألة تأسيس النحو ليبرز بوضوح أن دراسة المعاني أو المعنى بمفهومه الواسع كانت دراسة مغيبة تماماً، وإن كانت حاضرة فإن النحاة كانوا يرجئونها ويؤجلون النظر فيها إلى حين اكتمال عملية تأسيس النحو لا لأن المعنى لا طائل من دراسته ولا لأن الدراسات الدلالية لم تكن قد تطورت بعد، ولكن لعامل أساسي هو كون النحو لم يكن يتجاوز القواعد والضوابط التي كان الهدف منها هدفاً تعليمياً صرفاً كما رأينا، ولذلك ما يبرره بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي عرفت دخول كثير من الأمم إلى الإسلام، فما كان إلا أن فسدت السليقة اللغوية.
نستنتج أن المرحلة الأولى عرفت ما يسمى بالمعنى الوظيفي أو الإعرابي، ذلك أن «حركات الإعراب ليست شيئاً زائداً أو ثانوياً وهي لم تدخل على الكلام اعتباطاً، وإنما دخلت لأداء وظيفة أساسية في اللغة، إذ بها يتضح المعنى ويظهر، وعن طريقتها نعرف الصلة النحوية بين الكلمة في الجملة الواحدة»(6)، وفي هذا الصدد يعرف ابن جني الإعراب قائلاً: «هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعت «أكرم سعيد أباه وشكر سعيداً أبوه، علمت بنصب أحدهما ورفع الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجاً واحداً لاستبهم أحدهما عن صاحبه، فإن قلت فقد تقول: ضرب يحيى بشرى، لا تجد هناك إعراباً فاصلاً»(7) فمهمة الإعراب عند ابن جني هي الإيضاح والإبانة عن المعنى، والمتأمل في كلامه هذا يجد أن المعنى عنده هو معنى الأبواب النحوية، فالرفع يدل لا محالة على الفاعل، والنصب يدل على المفعول، والكسر يدل على الشيء المضاف أو المجرور، وفي نفس الوقت يكون المعنى عنده شاملاً للإعراب والمعجم والدلالة، إذ إن ابن جني لم يكن نحوياً عادياً كمعظم النحاة الذين سبقوه أو عاصروه، أولئك الذين نظروا إلى النحو نظرة تقليدية وفصلوه عن باقي فروع العربية، بل إن النحو عند ابن جني «ليرتبط بباقي الفروع العربية وليس مجرد قواعد مبنية على شواهد وأمثلة بعيدة عن الواقع اللغوي قريبة من الفلسفة وإعمال الذهن»(8). إن هذا من شأنه نفض الغبار وإزالة اللبس الذي قد يعلق بأذهاننا فيما يخص طبيعة الدلالة في المرحلة الأولى من الدراسة النحوية.
لقد أشرنا ـ سابقاً ـ إلى أن النحوي لم يكن يتجاوز المعنى الوظيفي وحصرنا ذلك في المرحلة الأولى التي عرفت تأسيس النحو، أما وقد نضجت الدراسة النحوية بل واللغوية عامة فإن الأمر قد تغير، وابن جني واحد من الذين عاشوا هذه المرحلة وتجاوزوا المفهوم التقليدي للنحو بما هو إعراب لا غير، إذ يمكن القول، إنه مع هذا اللغوي لم تعد دراسة النحاة للمعنى دراسة وظيفية فقط، بل أصبح النحو ذا عمق أكبر في المبحث اللغوي وهو ما يطلق عليه المعنى الدلالي الاجتماعي حسب تمام حسان الذي يؤكد أنه للوصول إلى المعنى الدلالي في صورته الشاملة لا بد أن نضع بعين الاعتبار فروع الدراسات اللغوية المختلفة من صوتيات وصرفيات ونحو، أما المعنى المعجمي فإنه يقصد به العلاقات العرفية الاعتباطية التي تنشأ بين المفردات ومعانيها(9).
وهكذا فبإمكاننا أن نأتي بجملة لا يوجد بين مفرداتها علاقات عرفية أي أنها ليس لها معنى، ولكن من الناحية الوظيفية النحوية تغدو صحيحة ومقبولة، وهذا ما أكدته الدراسات اللغوية الحديثة خصوصاً مع العالم اللساني الأمريكي تشومسكي Chomsky في كتابه المعروف بالبنية التركيبية Syntactic structures (1957).
ويضيف تمام حسان قائلاً: «لقد كان اكتمال الوظائف سبباً في قدرتنا على إعراب الجملة ولكن قصورها معجمياً واجتماعياً حال بينها وبين أن تكون نصاً عربياً مفهوماً(10)، واضح إذن من قول تمام حسان أنه وإن اتضحت معاني المفردات فإنها لن تكشف لنا حتى عن المعنى الحرفي أو ما يسمى عند الأصوليين ظاهر النص أو المقال عند البلاغيين، وذلك لأن معاني المفردات تحتاج بدورها إلى المعنى الوظيفي والمعنى العرفي حسب تمام حسان يشكل ما يسمى بالمقال.
لكن إلى أي حد تستطيع الجملة ذات المعنيين الوظيفي والعرفي أن تكون جملة واضحة المعنى من الناحية الدلالية ؟هاهنا يصبح من الضروري أن نضيف عنصراً ثالثاً هو عنصر المقام أو العنصر الاجتماعي على حد تعبير تمام حسان لأن الجملة الواحدة تصلح لأن تدخل في سياقات متعددة فوجود الجملة متجردة عن مقامها التخاطبي بقرائنه اللسانية وشبه اللسانية والخارج لسانية قد يؤدي إلى نوع من اللبس ambiguity وهذا لن يصل بنا إلى المعنى الدلالي إذ يستأثر المقام? وظروف إنتاج الكلام بدور كبير في القدرة على فهم وتأويل خطاب ما وللبرهنة على ذلك نقدم المثال الآتي?:
(مرحباً بالمجتهد) هذه الجملة صحيحة صوتياً وصرفياً ونحوياً (وظيفياً) كما أنها صحيحة معجمياً ولكن قابليتها للدخول في سياقات اجتماعية موسومة بالتعدد تجعل العنصرين السابقين قاصرين عن إيراد المعنى الدلالي المقامي ذلك أنه إذا قلنا لتلميذ حصل على نقطة مشرفة في الامتحان (مرحباً بالمجتهد) فإن المقام الاجتماعي لاشك سيكون محدداً إذ نفهم مباشرة أن مقام الخطاب هو التعظيم والتمجيد أما إذا كان الأمر يتعلق بتلميذ رسب في الامتحان فإن الأمر في هذه الحال يكون متعلقاً بمقام التحقير والاستهزاء ذلك ما نفهمه من المعطى التداولي.
رأينا كيف أن المعنى كما فهمه نحاة الصناعة لا يكشف لنا عن عمق الجملة بقدر ما هو معنى سطحي شكلي. أما المعنى الشمولي الكلي الذي يراعي التمظهرات التي وقفنا عليها آنفاً، فيمكن القول معه إنه كان حاضراً في أذهانهم وفكرهم فقط، لأن الهم الذي كان يحمله النحاة هو تعليم النحو بأبوابه المختلفة: باب الفاعل والمفعول والفعل، حتى تضبط اللغة العربية لكي تصبح لغة معياراً تستفيد من تقنيات التقعيد، الأمر الذي سيختلف تماماً مع نحاة ما بعد التأسيس، ونحن نرى أنه من الضروري الوقوف على هذا التقسيم حتى يتسنى لنا معرفة حجم الاهتمام الذي أولاه علماؤنا الأوائل لدراسة المعنى.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-15-2017 - 12:25 PM ]


والدارس المتصفح للكتب النحوية السابر لأغوارها وكنوزها العلمية، لا يمكن أن يغفل بحال من الأحوال عن أب النحاة العرب، إنه سيبويه الذي يعد كتابه مرجعاً هاماً لا مناص منه بالنسبة إلى الباحث في حقل اللغويات العربية العامة والنحو خاصة بما هو إعراب ومعنى «فقد كان رحمه الله يحرص الحرص كله على أن يصحح الإعراب وعنايته به قبل عنايته باللفظ ولو أنه تعارض أكثر الرأيين إعراباً مع المعنى الذي يقتضيه الحال، رجع إلى الأقوى ما دام المعنى يأتلف به ويضطرد معه»(11). فسيبويه من النحاة الذين تفطنوا إلى العلاقة الجدلية الجوهرية بين المعنى والإعراب، فلم يكن يتقاعس عن استحضار المعنى إن في واقعه وإن في ذهنه اعتباراً لكون الإعراب فرع المعنى فهو تمييز للمعاني «فأما الإعراب فبه تميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين، وذلك لو أن قائلاً قال (ما أحسن زيد) غير معرب لم يوقف على مراده، فإذا قال (ما أحسن زيداً!) و(ما أحسن زيدٍ؟) و(ما أحسن زيدٌ) أبان بالإعراب عن المعنى الذي أراده وللعرب في ذلك ما ليس لغيرهم، فهم يفرقون بالحركات وغيرها بين المعاني، يقولون مفتح للآلة التي يفتحون بها ومفتح لموضع الفتح.... »(12). إن ظاهر النص يثبت ما للإعراب من دور رئيسي داخل الجملة الواحدة، إذ به يظهر المعنى ويخرج عن لبسه كاللبس الذي رأيناه مع الجملة السابقة، فـ ( ما أحسن زيداً!) الأولى تدل على التعجب والذي أجاز ذلك هو الفتحة والثانية تدل على الاستفهام لأن الكسرة أجازت ذلك والثالثة تدل على النفي لأنها حملت ضمة في آخرها.
إذن فعناية العرب إنما تكون بالمعنى والإعراب معاً، وإن حصل أن تشبثت العرب بالإعراب دون المعنى فيجب حينئد ألا تعتبر أن المعنى ملقى به بل إنما حاضر في أذهانهم، ولكن تم إرجاؤه إلى فترة تكتمل فيها صناعة النحو حتى تصبح ناضجة. ومادمنا قد وقفنا على أن سيبويه لم يغفل مسألة المعنى في تفكيره فلأن«المعنى عنده أولاً والإعراب ثانياً فهو يتحسس المعنى الذي يساق له الكلام، فإن أفاد الإعراب الظاهر قبحه وهجنه ومضى يحتال لغيره، وكم رد أمثلة يظهر في أول الأمر مسايرتها للقواعد العربية وانسجامها معها، وذلك لأنها في اعتباره قد جفت المعنى وجانبته ونبت عن الغرض الذي من أجله سيقت»(13). ونحن لا نخال لغويينا القدامى قد أغفلوا هذا الشق من الدراسات النحوية، فأي إعراب يجافي المعاني ولا يتماشى وظاهرها هو إعراب مردود، لأنه لا يعقل أن يتم إعراب بيت ما ـ مثلاً ـ دون النظر في معناه أولاً، وهذا ما جعل ابن هشام الأنصاري رحمه الأولى يقول في الجهة الأولى التي يدخل الاعتراض عن المعرب من جهتها: «أن يراعى ما يقتضيه ظاهر الصناعة ولا يراعى المعنى، فكثيراً ما تزل الأقدام بسبب ذلك، وأول ما يجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه مفرداً أو مركباً، ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور على القول إنها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، ولقد حكى لي أن بعض مشايخ الإقراء قد أعرب لتلميذ له بيت المفضل:
لا يبعد الله التلبب والـــــــــــ غارات إذ قال الخميس نعم
فقال (نعم) حرف جواب، فطلبا محل الشاهد فلم يجداه، فظهر لي حينئذ حسن لغة كنانة في (نعم) الجوابية وهي (نعم) هنا واحد الأنعام وهو خبر لمحذوف أي (هذه نعم) وهو محل الشاهد(14)، فمن شرط الإعراب النظر في المعنى أولاً. الأمر نفسه ينسحب على سيبويه، فإن نحن نظرنا إلى كتابه وجدناه غص بالأمثلة والشواهد، فكم من إعراب كان مردودا حينما لم يجئ طبق المعنى، «فالمعنى في مذهبه هو وحي الشرط والقاعدة وهو الذي يحكم الإعراب ويهيمن عليه، ولهذا فهو يعرض على القارئ الأمثلة في صور مختلفة مما يحسن ويقبح، ما يصح وما لا يصح، ويعلل كلاً بعلّته ويقرن كلاً بمعناه، فيبطل من التراكيب ما لم يجد طبق المعنى المقصود» (15).
إن الدلالة النحوية Combinatorial semantics « هي النسب القائمة بين مواقع الكلمات في الجملة »(16)، وما دمنا نتحدث من داخل نسق نحوي فإن هذه العلاقات أو النسب تقوم بين الوظائف فيما بينها كالفعل والفاعل والمفعول وتفاعل هذه العلاقات فيما بينها داخل النسق الواحد يشكل ما يسمى بالدلالة النحوية، وقد ذكر أحمد نعيم الكراعين فيما نقله السيوطي عن الفخر الرازي قوله: « ليس الغرض إفادة المركبات والنسب بين المفردات كالفاعلية والمفعولية وغيرهما »(17). إذن فصلب الدلالة لا يسير في منحى المعنى بقدر ما يسير في منحى الوضع، وذلك ما أشار إليه كثير من الدارسين: فتمام حسان وأحمد علوي يعتبران الفارق بين علم النحو وعلم المعاني إنما هو في كون الأول يدرس أعمال الواضع، أي يدرس الكلم. بما هو اسم وفعل وحرف، بينما الثاني فهو يدرس أعمال المتكلم، وهذا التفاعل بين الاسم والفعل والحرف أي إعمال هذا في هذا كما تقول به نظرية العامل هو من اختصاص النحوي الخالص، حتى وإن كانت الصناعة النحوية «يجب أن تخضع للمعاني لا أن تخضع المعاني لها لأن مقصود المتكلم واحد لا يختلف وأما وجوه الإعراب فتحمل معاني متعددة وهو عمل النحوي، ولا ينبغي أن نلزم القارئ بأن يقصد ما يريده المعرب»(18)، ذلك أن المعرب المتشبت بالصناعة وبالإعراب لا دخل له في المعاني، وإنما الهدف من دراسته هذه هو الوقوف على الجانب الشكلي الوصفي ـ أو إن صح التعبير ـ على الجانب البنيوي بلغة دي سوسير، ذلك لأنه عندما نقول: (ضرب زيد عَمْراً) فإن النحوي يعتبر هذه الجملة بمثابة نسق أو بنية تضم مجموعة من العناصر التي تقوم بينها علاقات خلافية فرفع (زيد) تأتي عن طريق إعمال الفعل فيه، وهذا الأخير أعمل النصب في المفعول(عَمْراً) وهكذا بما لا يدع مجالاً للنظر في المعنى حتى ولو كان هذا الأخير واحداً والأعاريب مختلفة.
الخلاصة التي يمكن أن نعصرها من بنية هذا المبحث يمكن إجمالها في كون المعنى في الدراسات النحوية ـ وإن درس هذا الأخير في علاقته بالإعراب ـ من منطلق كون هذا الأخير فرع المعنى، فإن الدراسة النحوية لمسألة المعنى كانت دراسة لم تتعد المستوى الجملي بما هو دراسة نسقية مكونة من عناصر مفردة (فعل، فاعل ومفعول) وبذلك تاه المعنى وسط ركام التقديرات الإعرابية.
وعموماً لم يكن النحو في المرحلة الأولى، مرحلة التأسيس غير دراسة قواعدية معيارية هدفها التمييز بين صحيح الكلام وفاسده، كما هو الشأن بالنسبة إلى المرحلة اللاتينية الرومانية والتي كان النحو عندها تمييزاً بين منضبط للقواعد سائر على نهجها، وبين ما هو نشاز خارج عنها، لهذا فاللحن الذي طال اللغة الرومانية جعلهم يضعون قواعد ومقننات للتمييز بين الأسلوب الجيد والأسلوب الرديء، ولم يكن العرب أقل تأثيراً باليونان والرومان، لأن «المطلوب هو أن نستوحي لنخلق الجديد سواء عبرنا المكان لننقل عن الغرب أو عبرنا الزمان لننشر عن العرب الأقدمين»(19).

_________________
الهوامش:
(1) سعيد الأفغاني: من تاريخ النحو، دار الفكر. الطبعة 2، 1398-1978 ص 8. (2) أبو الفتح عثمان بن جني،: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار. دار الكتاب العربي، 1952 - ص 8/ج 2. (3) د. محمد خير الحلواني. المفصل في تاريخ النحو العربي، الجزء الأول قبل سيبويه. مؤسسة الرسالة، الطبعة I ص 18، ج 1. (4) د. تمام حسان. الأصول. دار الثقافة، الدار البيضاء، 1401 – 1981. ص 318. (5) د. أحمد العلوي. الطبيعة والتمثال، الرباط 1988. ص 231. (6) د. عبد العزيز عبده أبو عبد الله. المعنى والإعراب عن النحويين ونظرية العامل، الجزء الثاني، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، طبعة 1391-1982. ص 271 / ج2. (7) د. أحمد سليمان ياقوت. دراسات نحوية في خصائص ابن جني، دار المعرفة الجامعية، 1410-1990. ص 36. (8) نفسه، ص 237. (9) د. تمام حسان، الأصول، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1401 ـ 1981. ص 340. (10) نفسه. ص 341. (11) د. عبد العزيز عبده أبو عبد الله. المعنى والإعراب عند النحويين ونظرية العامل، الجزء I، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، طبعة 1391ـ1982 ص 307. (12) عبد الرحمن جلال الدين السيوطي. المزهر في علوم اللغة وأنواعها، الجزء I، المجلد I، دار الفكر. ص 329. (13) د. عبد العزيز عبده أبو عبد الله. المعنى والإعراب عند النحويين ونظرية العامل، الجزء I، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، طبعة 1391-1982 ص 307. (14) ابن هشام الأنصاري. مغني اللبيب، الجزء 2، بحاشية خاتمة المحققين الشيخ محمد الأمير. ص119. (15) د. عبد العزيز عبده أبو عبد الله. المعنى والإعراب عند النحويين ونظرية العامل، ص 308/ج1 . (16) أحمد نعيم الكراعين. علم الدلالة بين النظرية والتطبيق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، ص98. (17) نفسه، ص 98. (18) د. عبد العزيز عبده أبو عبد الله. المعنى والإعراب عند النحويين ونظرية العامل، الجزء I، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، طبعة 1391/1982، ص 314. (19) د. زكي نجيب محمود. تجديد الفكر العربي. دار الشروق، الطبعة (7) 1980 ص 245.

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
قلة المترجمين وضعف التأسيس في اللغة العربية أبرز مشكلات الصم مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 10-08-2018 09:05 AM
المؤتمر الدولي اللسانيات وتحليل الخطاب: التأسيس والتمثيل والتكامل مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 08-02-2016 07:43 AM
معايير الاحتجاج اللغوي قراءة جديدة في ضوء نقض نظرية الاحتجاج اللغوي الدكتور علي العبيدي مقالات أعضاء المجمع 0 05-24-2013 08:23 PM


الساعة الآن 05:40 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by