هل العربية بحاجة إلى الاقتراض من اللغات الأخرى؟
(مجمل المقال يدور حول فكرة رفض وجود كلمات أعجمية في عربية القرآن، وأن اللغة العربية مستغنية بنفسها، ولا تحتاج إلى الاقتراض من اللغات الأخرى)
أ.د ياسر درويش
اللغات كالناس، وكالشعوب،
لا يمكن أن يستغني شخص عن آخر،
ولا يمكن أن يستغني شعب عن آخر، ولا دولة عن أخرى حتى أمريكا عن باناما
واللغات كذلك.
والاقتراض واقع بين اللغات كلها، وإذا أنكر أحد وقوع الاقتراض في اللغة العربية فإنه يزعم استغناءها عن كل اللغات، فإذا كانت كذلك فينبغي أن تكون مستغنية بنفسها في كل عصر، فلماذا تقترض اليوم آلاف الكلمات وتقوم مجامع اللغة العربية بتعريب المئات، وتبقى المئات الأخرى دون تعريب؟
أليست عربية اليوم هي نفسها عربية الأمس؟
ألم يحتج عرب الأمس الذين عاشوا في صحراء لا تعرف الدينار والدرهم والبريد والصولجان والسوسن والسيسنبر والبنفسج والقولنج والكيموس ... إلى آخر ما يحتاج إليه أي شعب لم ير في بيئته أشياء تنمو خارج بيئته؟
إن ما ترونه نقيصة في العربية هو مزية كبرى، وقدرة فريدة على استيعاب كلمات من لغات أخرى وإدخالها في نظامها اللغوي واشتقاق كلمات أخرى من مفردة واحدة.
خذ مثلاً كلمة (برنامج) المعربة من الفارسية (بر نامه)، وترجمتها الحرفية: بر: عمل. نامه: كتاب: كتاب العمل. وعربتها العرب على برنامج، واشتقت منها مفردات أخرى وأفعالاً فصرنا نقول: برمج يبرمج برمجةً وتبرمج.....
أليست هذه عبقرية اللغة؟ أم تريدونها أن تجمد وتبقى على ألفاظ الصحراء والجمل والأسد وأطلسَ عسّال وما كان صاحباً؟
أما وقوع الكلمات الأعجمية في القرآن (مثل السندس والإستبرق وطوبى...) فإنه لا يتعارض مع وصف الله لكتابه العزيز بأنه نزل {بلسان عربي مبين}؛ لأنه نزل باللغة العربية التي تحوي مفردات معرَّبة، وهذه المفردات دخلت العربية قبل نزول القرآن، فلاكتها ألسنتهم العربية، وغيرت صيغها، وجرت على سنن العرب في نحوها وصرفها، فصارت في حكم الكلام العربي، ومن ثم فلا تعارض. فإن قلت إن هذه الكلمات أعجمية فأنت صادق إن قصدت أن أصلها أعجمي، وإن قلت إنها عربية فأنت صادق لأنها صارت عربية باستعمال العرب لها. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: (والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعاً، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية، كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق ومن قال: إنها أعجمية فصادق).