(أن) الزائدة عند النحويين والمفسرين
الأستاذ الدكتور حسن محمود هنداوي
ملخص البحث:
يقع البحث في توطئة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وقد تحدثت في التوطئة عن المنهج الذي اتبعته في البحث، وذكرت في التمهيد أوجه (أنْ). وفي الفصل الأول تناولت المواضع المشهورة التي زيدت فيها (أنْ)، وهي أربعة مواضع: بعد «لَمَّا» المقابلة ل «لو»، وبين فعل القسم و(لو)، وبين كاف التشبيه والاسم المجرور بها، وبعد (إذا). وفي الفصل الثاني تتبعت مواضع الزيادة غير المشهورة، وقد وجدتها عشرة، هي: بين (ما لك) ونحوه و(لا)، وفي (أمَّا) في بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وبعد (ما) النافية في بيت شعر لأبي قيس بن رِفاعة، وبعد (لكي)، وبعد لام الجحود، وبعد (لئلا) في بيت من الشعر، وبعد (أمَا) المخففة، وفي (ألاَّ) في آية قرآنية، وبعد (ما) الموصولة، وبعد (حتى). وتكفل الفصل الثالث ببيان معنى (أنِ) الزائدة وأحكامها، وفي أحكامها ذكرت علامتها، وتأصيلها، والوقف عليها. وفي آخر البحث وضعت قائمة بمراجع البحث.
أ. د. حسن محمود هنداوي1
تـوطئة
الحمد لله أنْ أكرمَنا بالإسلام، وخلَّد العربية بالقرآن، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وصَلَّى الله على نبيِّنا محمد الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين.
وبعدُ، فهذه رسالة في (أنِ) الزائدة، تقع في توطئة وتمهيد وثلاثة فصول، تتبعتُ فيها أقوال النحويين والمفسِّرين في المواضع التي زيدت فيها، سواء في ذلك ما كان منها مجموعًا في كتب حروف المعاني، وما كان مفرقًا في أبواب النحو المعروفة في سائر كتب علم النحو، وما كان مبثوثًا في عدد من تفاسير القرآن الكريم، وتقصَّيتُ حُجَجَهم، وذكرتُ ما رَدَّ به كُلٌّ منهم على غيره، وناقشتُ بعضهم فيما ذهبوا إليه، وأشبعتُ القول في كلِّ مسألة من المسائل التي درستُها. وبعد الفراغ من مواضع زيادتِها تحدثتُ عن معناها، وأعقبتُه بذكر أحكامها، ولم أدَّخر وسعًا في تحرير القول في مذاهب النحويين في مواضع زيادة هذه الأداة. واخترتُ من الآراء ما رأيتُ أنَّه الصواب وإنْ لم يكن صاحبه من المتقدمين. وسمَّيتُها «أنِ الزائدة عند النحويين والمفسِّرين: مواضعها، ومعناها، وأحكامها».
ولئن كان بعض الأئمة قد غلب عليه علم النحو، وصنَّف فيه كتبًا، فسُمِّي نحويًّا، كسيبويه وابن السَّرَّاج وابن هشام وغيرهم، وبعضهم غلب عليه علم التفسير، وصنَّف فيه كتبًا، فسُمِّي مفسِّرًا، كأبي جعفر محمد بن جرير الطبري وابن عطيَّة والبيضاوي وغيرهم، إنَّ كثيرًا منهم قد صنَّف في كِلا العلمين، فكان نحويًّا ومفسِّرًا، أمثال الفراء والزَّجَّاج والزمخشري وأبي حيَّان الأندلسي وغيرهم ممن تطالع أسماءهم في فصول هذا البحث، ولذلك يصعب في كثير من المواضع فصل مذاهب النحويين عن مذاهب المفسرين، ومن ثَمَّ فسوف نرى أقوال الفريقين متداخلة في فصول هذه الرسالة. والله أسأل أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن ينفع بهذا البحث، إنه لطيف خبير.
تمهيـد
أنواع (أنْ)
ذكر النحويون أنَّ (أنْ) قد وردت في العربية على أربعة أوجُه2 :
الوجه الأول: أن تكون حرفًا مصدريًّا، ينصب الفعل المضارع.
والوجه الثاني: أن تكون مخففة من الثقيلة.
والوجه الثالث: أن تكون مُفَسِّرةً بمنـزلة (أَيْ).
والوجه الرابع: أن تكون زائدة3 . وهذا الوجه هو موضوع بحثنا، فأقول:
يمكن تقسيم المواضع التي زيدت فيها (أنْ) قسمين:
القسم الأول: مواضع كثُر ذِكْرُ النحويين لها في مصنفاتِهم، وعدّدوها في كتب النحو، وفي الكتب الخاصة بحروف المعاني، وهذا هو موضوع الفصل الأول من هذا البحث.
والقسم الثاني: مواضع لم يكثر ذِكْرُ النحويين لها في مصنفاتهم، وإنَّما ذهب إلى القول بزيادة (أنْ) فيها بعضُ النحويين، ونراها مبثوثة في أبواب النحو المعروفة، وفي كتب معاني القرآن وإعرابه، وفي كتب التفسير، ولا تُذكر في كتب حروف المعاني إلا نادرًا، وقد تكفَّل الفصل الثاني من هذه الرسالة ببيان هذه المواضع.
وثَمَّ مسألتان أخريان تضمنهما هذا البحث، وهما: معنى (أنِ) الزائدة، وأحكامها، وعليهما عقدت الفصل الثالث.
الفصل الأول
مواضع الزيادة المشهورة
يذكر النحويون في كتب النحو وفي كتب حروف المعاني أنَّ (أنْ) قد زيدت في أربعة مواضع، بعضها اتفق على القول بزيادة (أنْ) فيه واطرادها، وبعضها كثُرت زيادتها فيه، وبعضها وقع فيه اختلاف، وبعضها لم تُزَدْ فيه إلا قليلاً، وتلك المواضع هي:
1 ـ (أنِ) الواقعة بعد (لَمَّا) المقابلة لِ (لَوْ).
2 ـ (أنِ) الواقعة بين فعل القَسَم و (لَوْ).
3 ـ (أنِ) الواقعة بين كاف التشبيه والاسم المجرور بها.
4 ـ (أنِ) الواقعة بعد (إذا).
وذهب ابن عطيَّة المفسِّر إلى أنَّها لا تزاد إلا في موضعين، وأنَّ زيادتها فيهما قليلة، قال: «والعرب تزيدها أحيانًا في الكلام بعد لَمَّا وبعد حتى فقط»4 .
الموضع الأول: – وهو الأكثر5 – أن تقع بعد (لَمَّا) التوقيتيةِ6 المقابلةِ لـ (لَوْ)7 – وتسمَّى أيضًا الحينيةَ8 ، أي: التي تكون ظرف زمان بمعنى (حين)، والتعليقيةَ9 – نحو قولك: لَمَّا أنْ جاءوا ذهبتَ10 ، وقولِه تعالى ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ﴾ (يوسف:96)، وقولِه سبحانه: ﴿ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى﴾ (القصص:19)، وقولِه عز وجل ﴿ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ (العنكبوت:33). وزيادتُها في هذا الموضع مطردة كما ذكر بعض المتأخرين من النحويين كابن مالك والمالقي وأبي حيان11 ، على سبيل الجواز12 . وقالوا: إنَّها لا تُزاد بقياس إلاَّ في هذا الموضع13 .
ولنا في هذا الموضع وقفة مع هؤلاء النحويين، فإنَّ المشهور أنَّ القياس إنَّما يكون على ما كَثُرَ في كلام العرب، ونرى أنَّهم في هذه المسألة قد قاسوا على القليل، والدليلُ على ذلك أنَّ (لَمَّا) التوقيتيَّة قد ذُكرت في القرآن الكريم (131) مرة، ولم تُزد (أنْ) بعدها إلا في ثلاث آيات، وهي الآيات التي استشهدنا بِها آنفًا، فنسبة المواضع التي زيدت فيها إلى المواضع التي لم تزد فيها في كتاب الله عز وجل لا تكاد تجاوز اثنين في المائة، وهذه نسبة لا تُسوغ القياس على هذه الظاهرة.
وذهب ابن عطيَّة المفسِّر إلى أنَّ زيادتها بعد (لَمَّا) قليلة، فقد قال: «والعرب تزيدها أحيانًا في الكلام بعد لَمَّا»14 .
وهناك أمر آخر يتعلق بهذه المسألة، وهو أنَّ النحويين المتقدمين لم ينصوا على أنَّ زيادة (أنْ) تطَّرد في هذا الموضع فيما أعلم، وإذا ذكروا زيادتها فيه قالوا: «زيدت أنْ بعد لَمَّا»، دون التعرض لاطراد زيادتها فيه أو قصرها على المسموع، وإنَّما نص على ذلك بعض المتأخرين كما ذكرنا.
والموضع الثانِي: أن تقع بين فعل القسم و(لَوْ)، سواء أكان مذكورًا أم متروكًا، فالأول كقولِ المسيَّب بن عَلَس15 :
فأُقْسِـمُ أَنْ لَوِ الْتَقَينا وأَنتمُ
لَكانَ لَكُمْ يومٌ من الشَّرِّ مُظْلِمُ
والثاني كقولِك: أَمَا واللهِ أَنْ لو فَعلتَ لأَكرمتُك16 ، وقولِ الشاعر17 :
أَمَا واللهِ أَنْ لـو كُنْتَ حُرًّا
وما بِالحُـرِّ أنـتَ ولا العَتيقِ
وزيادتُها في هذا الموضع مطردة18 على سبيل الجواز19 . وعبارة ابن مالك في «شرح الكافية الشافية» تدل على أنَّ زيادتَها فيه قليلة، قال: «وأنّها قد تُزاد قبل لو في القسم»20 ، فوضعه (قد) قبل الفعل المضارع مشعربالتقليل.
ولم يُقيد المالقيُّ21 وقوعَها في هذا الموضع بكونِها بين القسم و«لو»، واكتفى بأن قال: إنَّها تُزاد قبل (لو). ومثَّل بنحو: أنْ لو قام زيدٌ لخرجتُ، وبقوله تعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ﴾ (الجن:16)، وبقول الشاعر الذي تقدم آنفاً:
أَمَا واللهِ أَنْ لو كُنْتَ حُرًّا
………………
فخلط بذلك بين (أنِ) الزائدة و(أنِ) المخففة.
وربما يكون قد قَفا أثر الأخفش في ذلك، فإنه حين تحدث عن زيادة (أنْ) لم يقيدها أيضًا بالقيد المذكور، ومثَّل بمثال ليس فيه قَسَمٌ، فقال: «وتُزادُ أيضًا مع لَوْ، يقولون: أنْ لو جِئتَني كان خيرًا لك، يقول: لو جِئتَني»22 .
وذكر الرضيُّ أنَّ بعضهم توهم أنَّ (أنْ) في قوله تعالى ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ ﴾ (الأعراف:185)، وقولِه ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا ﴾، وقولِه ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ (يونس:105) زائدة. وبَيَّنَ أنَّ (أنْ) في الآيتين الأُولَيَيْنِ مخففة، وفي الثالثة مُفسِّرة23 .
واطِّراد زيادتِها في هذا الموضع أيضًا مما ذهب إليه المتأخرون، ولم أرَ مَن نَصَّ عليه من المتقدمين.
ومذاهب النحويين في (أنْ) هذه أربعة:
المذهب الأول: أنَّها زائدة: وقد ذكر أبو حيان في باب (عوامل الجزم من التذييل والتكميل)24 أنَّ هذا ظاهر كلام سيبويه، وذكر في باب (إعراب الفعل وعوامله) أنَّ القول بزيادتِها في هذا الموضع مذهب سيبويه وغيره من النحويين25 ، ونقل فيه ما قاله سيبويه فيها حيث ذكر أقسام (أنْ)، وما قاله في باب (عدة ما يكون عليه الكلم). وقال أبو حيان في الارتشاف: «وهذا مذهب سيبويه ونَصُّ قوله»26 . وقال ابن هشام: «هذا قول سيبويه وغيره»27 .
ويبدو أنَّ أبا حيان حين ذكر أنَّ هذا هو ظاهر مذهب سيبويه إنَّما اعتمد على قول سيبويه فيها في باب (الأفعال في القَسَم)، فإنه لم يصرح فيه بزيادتِها، وإنما شبهها باللام الموطئة عند اجتماع القَسَم والشرط للدلالة على أنَّ الجواب للقَسَم لا للشرط، كما سنذكر بعد قليل.
قلت: قال سيبويه وقد ذكر أقسام (أَنْ): «فأمّا الوجه الذي تكون فيه لَغْوًا فنحو قولك: لَمَّا أنْ جاءوا ذهبتَ، وأمَا واللهِ أنْ لو فعلتَ لأَكرمتُك»28 .
وقد صحح أبو حيان في الفصل الأخير من باب (النواصب للفعل المضارع المعرب) في (الارتشاف) مذهب سيبويه29 في مقابل قولٍ لابن عصفور ذهب فيه إلى أنَّها رابطة كما سنذكر؛ ولم يذكر فيه ما ذهب هو إليه من أنَّها مخففة من الثقيلة، وذكره في باب القَسَم30 .
المذهب الثانـي: أنَّها مُوَطِّئة كاللام في (لَئِنْ): وهو أحد قولين لسيبويه فيها، ونَصُّ أبي علي الفارسي، وقد نصَّ عليه سيبويه في باب (الأفعال في القَسَم)، وفي باب (عدة ما يكون عليه الكلم)، قال في باب (عدة ما يكون عليه الكلم): «وأمّا أنْ فتكون بمنـزلة لام القَسَم في قوله: أمَا واللهِ أنْ لو فَعلتَ لَفَعلتُ، وقد بَيَّنَّا ذلك في موضعه. وتكون توكيدًا أيضًا في قولك: لَمَّا أنْ فَعَلَ، كما كانت توكيدًا في القَسَم، وكما كانت إنْ مع ما»31 . ويعني بقوله «في القسم» اللامَ الداخلة على (ما) الأولى في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ (آل عمران:81)، واللامَ الداخلة على (إنْ) في قولك: واللهِ لئنْ فَعَلتَ لأَفعَلَنَّ، كما ذكر في باب الأفعال في القَسَم32 .
وممن نَصَّ على أنَّ كونَها موطِّئة مذهبُ سيبويه الرضيُّ33 ، ونَسب القولَ بزيادتِها إلى غير سيبويه34 .
وقال أبو علي: «فأمّا (أنْ) في قولك (واللهِ أنْ لو جِئتَني لأَكرمتُك) فليست بزائدة، ولكن هي مثل اللام التي تلحق لَئنْ»35 . ووجه الشبه بينهما عنده أنّ هذه اللام أُثبتت تارة، وحُذفت أخرى؛ لأنّ ما دخلت عليه لم يكن المُقْسَمَ عليه نفسَه، وإنما تعلق بالجزاء الذي هو المُقْسَم عليه في الحقيقة، و(أنْ) مثلها في أنَّها تُثْبَت وتُحذف36 .
وذكر أبو حيان37 أنّ هذا قول ابن عصفور، وقولُ غيره، كابن الضائع38 . وهذا أحد قولين لابن عصفور في (أنِ) الواقعة في هذا الموقع، فإنه قد نَصَّ في «شرح الإيضاح» على أنه إذا توسطت (لَوْ) أو (لولا) بين القَسَم والفعل الواقع جوابًا له فإنَّهم قد يُدخلون أنْ على لَوْ توطئة، كما يُدخلون اللام على (إنِ) الشرطية39 .
واستُدلّ على بطلان هذا المذهب بكون (أنْ) هذه لا يُحذف القَسَم مع وجودها كما جاز حذفه مع وجود اللام الموطئة، إذْ لم يُسمع من كلام العرب مجيئها إلا مع القَسَم الذي لا يُحذف، في حين أنّ اللام الموطئة تثبت والقَسَمُ محذوف، فأنت تقول: لو كان كذا لَيكون كذا، ولا يجوز أن
تقول: أنْ لو كان كذا لكان كذا، وهذا يدل على أنَّها ليست للتوطئة40 .
وفَهِمَ عبدُ القادر البغدادي مما قاله سيبويه في باب الأفعال في القسم أنَّ (أنِ) الداخلة على (لَوْ) قِسمٌ مستقلٌّ برأسه، وليست زائدة، ولذلك أَنكرَ على ابن هشام ما نسبه إلى سيبويه من القول بزيادة (أنْ) بين القَسَم و(لَوْ)، ووَصَفَ قوله هذا بأنه « خلاف الواقع »41 .
وأقول: إنّ سيبويه قد نَصَّ مرة على أنَّها لَغْوٌ، أي: زائدة، ونَصَّ مرة أخرى على أنَّها بمنـزلة لام القَسَم، أي: موطئة، وذكر أنَّ (أنِ) الموطئة هذه تُفيد التوكيد، وإنما يُفيد التوكيدَ الحرفُ الزائد. فهذه الأقوال تدلُّ دلالة صريحة على أنَّ (أنِ) الواقعة في هذا الموضع زائدة عنده، وليست قِسمًا آخر غير الزائدة. وقد ذكر ذلك أبو حيان42 .
المذهب الثالث: أنَّها رابطةٌ للمُقْسَم به بالمُقْسَم عليه: قال أبو حيان: «ويُفهَم من كلام السيرافي43 ، وهو نَصُّ ابن عصفور»44 . وهذا هو القول الآخر لابن عصفور في هذه المسألة، فإنه ذهب في (المقرب)45 و (شرح جمل الزجاجي)46 إلى أنَّه إذا كانت الجملة الواقعة جوابًا للقسم (لو) وجوابَها فإنَّ الحرف الذي يربط المُقْسَم به بالمُقْسَم عليه إذ ذاك إنما هو (أنْ)، ولا يجوز الإتيان باللام كراهية الجمع بين لامين، فلا يجوز: واللهِ لَلَوْ قامَ زيدٌ قامَ عمرٌو. وهذا يعني أنه يرى أنَّ «قامَ عمرٌو» جوابٌ ل (لَوْ) لا جوابٌ للقَسَم، وجوابُ القَسَم هو: لَوْ قامَ زيدٌ قامَ عمرٌو.
والقاعدة المقررة في هذا الباب أنه إذا توالى قَسَمٌ وشَرْط، ولم يقع بعدَهما غيرُ جوابٍ واحد – جُعل جوابًا للسابق، واستُغني به عن جواب اللاحق، فإذا تقدم القَسَم على الشرط كان الجواب للقَسَم، وأغنى عن جواب الشرط. وقال الدَّمامينيُّ: «وقد نص بعض المغاربة أنه لا فرقَ في هذا الحكم بينَ الشرط الامتناعيِّ وغيرِه، وهو ظاهر كلام الجماعة. وأمّا ابن مالك فوافق على ذلك إنْ لم يكن الشرط امتناعيًّا، واضطرب كلامه في التسهيل في الشرط الامتناعيِّ، فظاهرُ ما قاله في باب القَسَم أنّ الجواب لـ (لَوْ)، وأنَّها مع جوابها جوابُ القَسَم، وكلامُه في باب الجوازم على أنّ جواب القَسَم محذوف، أغنى عنه جواب لَوْ»47 .
ورَدَّ ابنُ الضائع48 على ابن عصفور مؤيدًا ما نَصَّ عليه سيبويه مِن أنّ (أنْ) في جواب القَسَم كاللام الأولى في نحو: واللهِ لئنْ فَعلتَ لَيَفعلَنَّ، ومُبينًا أنّ جواب القَسَم هو ما زعمه ابن عصفور أنه جواب لَوْ، والدليل على ذلك أنّ اللام لم تدخل عليه في قوله تعالى ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (سبأ:14) لأنه جواب القَسَم. واستَدلَّ على صحة ذلك بأنّ (لو)ك (إنْ)، فكما لا يجوز أن تكون (إنْ) وجوابُها جوابًا للقَسَم فكذلك (لَوْ)، بل ما كان يكون جوابَهما لولا القَسَم هو جوابُ القَسَم. وأمّا امتناعُ: واللهِ لقامَ زيدٌ لَوْ قامَ عمرٌو، وجوازُ: واللهِ لَيَقُومَنَّ زيدٌ إنْ قامَ عمرٌو، فسـببُه المُضِيُّ والاستقبال؛ لأنه يجوز: يقومُ زيدٌ إنْ قامَ عمرٌو، ولا يجوز: قـامَ زيدٌ لَوْ قامَ عمرٌو. ورأى أنّ هذا هو الذي غَلَّطَ ابنَ عصفور.
وأضاف ابنُ الضائع قائلاً: «على أنَّ في لفظ السِّيرافيِّ ما يقتضي أنَّ (أنْ) مع (لَوْ) جواب، كما زَعم ابن عصفور، فليُنظَر». وأقول: يريد بذلك ما شَرَحَ به السيرافيُّ قولَ سيبويه في باب عِدَّة ما يكون عليه الكَلِم: «وأمّا (أنْ) فتكون بِمنـزلة لام القَسَم في قوله: أَمَا واللهِ أنْ لَوْ فَعَلتَ لَفَعَلتُ»49 ، فإنه قال في شرحه: «يعني أنَّ أنْ تكون جوابًا للقَسَم إذا أُقْسِمَ على شيء في أَوَّلِه لَوْ، ولا تكون جوابًا له في غير ذلك»50 .