هل يجوز تصدُّرُ جواب الشرط بـ (ثُمَّ)؟
د. مصطفى شعبان
يقرر النحاة أن الأصل في الجزاء [ جواب الشرط ] أن يكون فعلًا ؛ (( لأنه شيء موقوف دخولُهُ في الوجود على دخول شرطه ، والأفعال هي التي تحدث وتنقضي ، ويتوقف وجود بعضها على وجود بعض ، لاسيما والفعلُ مجزومٌ ؛ لأن المجزوم لا يكون إلا مرتبطًا بما قبله ، ولا يصح الابتداء به من غير تقدم حرف الجزم عليه، وأما إذا كان الجزاء بشيء يصلح الابتداء به كالأمر ، والنهي ، والابتداء والخبر، فكأنه لا يرتبط بما قبله ، وربما آذن بأنه كلام مستأنف غير جزاء لما قبله ، فإنه حينئذ يفتقر إلى ما يربطه بما قبله فأتوا بالفاء ، لأنها تفيد الإتباع ، وتؤذن بأن ما بعدها مسَبَّبٌ عما قبلها؛ إذ ليس في حروف العطف حرفٌ يوجد فيه هذا المعنى سوى الفاء ، فلذلك خصوها من بين حروف العطف، ولم يقولوا : إن تحسن إليَّ والله يجزيك ، ولا : ثم الله يجازيك..))(1 ).
إذًا ؛ فكل جواب لا يصلح لمباشرة أداة الشرط وجب قرنه بالفاء ليعلم الارتباط؛ فإن ما لا يصح للارتباط مع الاتصال أحق بأن لا يصلح مع الانفصال ( 2).
وإنما خصُّوا الفاء للربط ؛ لما فيها من السببية والتعقيب والإتباع، ولمناسبتها للجزاء معنيً من حيث إن معناها التعقيب بلا فصل كما أن الجزاء يتعقب على الشرط، ولا تكاد تحذف إلا في الضرائر الكلامية ( 3).
والبعض تصور أن هذه الفاء إنما جاءت ثمَّ للعطف دون الربط السببي ، وردَّه النحاة .
قال أبو حيان : (( وهذه الفاء هي فاء السبب الكائنة في الإيجاب في نحو قولك : يقوم زيد فيقوم عمرو ، وكما يُرْبط بها عند التحقيق يربط بها عند التقدير، ولا يجوز غيره من حروف العطف ، لأنه - أي الفاء - بمنزلة الربط السببي ، وسيقت هنا للربط لا للتشريك، وقال بعض أصحابنا : هي هنا عاطفة جملة على جملة فلم تخرج عن العطف ، وهذا عندي فيه نظر..))(4 ).
يفهم من تقارير النحاة أنه لا يصلح لربط الجواب بالشرط عند عدم صُلُوح الجواب لمباشرة الأداة إلا (الفاء).
لكنَّ الزمخشري خرق القَتادَ وبالغ في الابتعاد حين جوز الربط بـ( ثمَّ) دون الفاء، .. فقد سوغ ذلك في توجيهه قول الحق جل وعلى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ)الآيات [يونس:50 - 51]، فقال :
(( ويجوز أن يكون ) أثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به ( جواب شرط ، وماذا يستعجل منه المجرمون اعتراض ، والمعنى : إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان ، ودخول الاستفهام على (ثمَّ) كدخوله على الواو والفاء ..))( 5).
وكدأبهِ تابع البيضاويُّ الزمخشريَّ في هذا النحو تمامًا (6 ).
قال : (( ويجوز أن يكون الجواب ماذا، كقولك : إن أتيتك ماذا تعطيني ؟ ، وتكون الجملة متعلقة بـ (أرأيتم) أو بقوله : (أثمَّ إذا ما وقع آمنتم به)(7 ).
والاستفهام من أنواع الجملة الطلبية التي أوجب النحاة اقترانها بالفاء لعدم صلوحها لمباشرة أداة الشرط ( أي لعدم إمكان جعلها شرطًا ) نحو قوله تعالى :(وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) فـ (مَنْ) استفهامية طلبية، لذا اقترنت بالفاء(8).
وقد شد الشهاب الخفاجي النكير على الشيخين في نحوهما ، واتهمهما بالبعد والمخالفة لإجماع النحاة .
قال شهاب الدين الخفاجي: (( قوله - أي البيضاوي - : (أو قوله: ) أثمَّ إذا ما وقع ( إلخ) ... معطوف على قوله (ماذا) أي والشرطية أيضًا متعلقة بأرأيتم كما مر ، وقد تبع في هذا الزمخشري، وهو في غاية البعد ؛ لأن (ثم) حرف عطف لم يسمع تصدير الجواب به ، والجملة المصدرة بالاستفهام لا تقع جوابًا بدون الفاء ... وأما الجواب عنه - أي عن الزمخشري وتابِعهِ - بأنه أجرى (ثُمَّ) مجرى (الفاء) فكما أن (الفاء) في الأصل للعطف والترتيب ، وقد ربطت الجزاء فكذلك هذه فمخالف لإجماع النحاة ، وقياسه على (الفاء) غير جلي؛ ولذا قيل : مراده أنه يدل على جواب الشرط ، والتقدير : إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه))( 9).
فالخفاجي يرد هذا التوجيه الزمخشريَّ لمخالفته للإجماع والقياس، ولبعده من ناحية المعنى .
ويؤيَّدُ الشهابُ بما قاله أبو حيان تعقيبًا على تقرير الزمخشري إذ يقول : (( وأما تجويزه أن يكون (أثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به ) جواب الشرط ، و(ماذا يستعجل منه المجرمون) اعتراضًا فلا يصح أيضًا لما ذكرناه من أن جملة الاستفهام لا تقع جوابًا للشرط إلا ومعها فاء الجواب ، وأيضًا فـ (ثُمَّ) هنا وهي حرف عطف ، تعطف الجملة التي بعدها على ما قبلها ، فالجملة الاستفهامية معطوفة ، وإذا كانت معطوفة لم يصح أن تقع جواب الشرط ، وأيضًا فـ (أرأيتم) بمعنى (أخبْرني) تحتاج إلى مفعول ، ولا تقع جملة الشرط موقعه))( 10).
فأبو حيان يذكر لنا علتين أخريين لردِّ توجيه الزمخشري ، أولاهما: أن الجملة الاستفهامية إذا كانت معطوفة لا يصح أن تقع جواب الشرط ، وأخراهما : أن (أرأيتم) في الآية بمعنى (أخبرني) تفتقر إلى مفعول به ، وجملة الشرط لا تسد مسد المفعول باتفاق .
ويؤيد الشهابَ في اعتراضه قولُ من سوَّغ عدم دخول الفاء في جواب الشرط إذا كان جواب الشرط مصدرًا بهمزة الاستفهام، سواء كانت الجملة فعلية أو اسمية، وكانت أداة الشرط مؤثرة من حيث المعنى في الجزاء؛ ولذا لم يحتج إلى الربط بالفاء كابن الحاجب، والرضي(11 ) .
فإذا كانت الفاء - وشأنها معروف في التعقيب والسببية والإتباع - يجوز تركها عند تأثير الأداة في الجزاء المصدَّر بهمزة الاستفهام فبأن تترك (ثُمَّ) - وهي في التراخي وعدم السببية والإتباع أصلٌ- أولى .
فاقتران جواب الشرط الذي لا يصلح أن يكون شرطًا ولا يقوى لمباشرة الأداة بـ ((ثُمَّ)) ربطًا له بالشرط مذهب ترفضه الجمهرة وتأباه الأقيسة.
-------------------------------
(1 ) ((شرح المفصل)) لابن يعيش (9/2-3) .
(2 ) ((شرح الأشموني)) (4/31) .
(3 ) ((شرح التصريح )) (2/249-250) ، ((شرح الأشموني)) (4/31) ، ((حاشية الخضري على ابن عقيل)) (2/123).
(4 ) (( ارتشاف الضرب)) (4/1874)، ((همع الهوامع)) (2/455) ، ((شرح الأشموني)) (4/33-34)
( 5) ((الكشاف)) (2/366-367) .
( 6) ((تفسير البيضاوي)) (3/115) .
(7 ) ((المصدر السابق)) (3/115).
(8 ) وعن مذاهب النحاة في المسألة ينظر : (( الكتاب)) (1/ 435- 436- ط بولاق)) (3/65- ط هارون)، ((المقتضب)) (2/66- 71)، ((شرح المفصل)) لابن يعيش (9/2-3) ، ((شرح التسهيل)) لابن مالك (4/75- 76) ، ((شرح الكافية )) للرضي(2/263- 264) ، ((ارتشاف الضرب)) (4/1872- 1874)، ((أوضح المسالك)) (ص: 164- حلبي) ، ((شرح ابن عقيل على الألفية)) (2/375)، ((شرح المكودي على الألفية)) ص(178-179)،((شرح الأشموني)) (4/29-34)، ((همع الهوامع)) (2/554-556) ، ((حاشية الخضري على ابن عقيل)) (2/123).
(9 ) ((عناية القاضي)) (5/37).
(10 ) ((البحر المحيط)) (6/68-69).
(11 ) ((شرح كافية ابن الحاجب)) للرضي الاسترآباذي (2/263- 264)