شخصية الشهر
تهدف زاوية (شخصية الشهر) إلى إلقاء الضوء على أحد أعلام العربية في الوطن العربي، سواء أكان ذلك بالحوار أم بالكتابة عنه؛ وذلك بهدف إبراز الوجه التنويري والتثقيفي لهؤلاء العلماء، وتقريب مؤلفاتهم للمثقف العربي، وهذا غيض من فيض نحو حق هؤلاء العلماء علينا.
18- البروفيسور فاروق إبراهيم مواسي
أستاذ محاضر بكلية القاسمي في باقة الغربية- منطقة حيفا في فلسطين،
وعضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية.
فاروق إبراهيم مواسي (1360هـ= 1941م): أديب، شاعر، ناقد، قاصّ، مترجم، لغوي.
وُلد في باقة الغربية في فلسطين. حصل على الثانوية عام 1959م، ثم بدأ العمل في الصحافة المحلية، وعلى إثر ذلك عُيِّن معلمًا في عام 1961م، وظل في سلك التعليم في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في المدارس المختلفة، حتى أُحيل إلى التقاعد عام 1996م.
درس في جامعة بار إيلان عام 1970م موضوعي اللغة العربية والتربية، وفي عام 1973م واصل دراسته للحصول على الماجستير في الأدب العربي عام 1976م، وفي أثناء ذلك حصل على شهادة التدريس للغة العربية، ثم التحق بجامعة تل أبيب للحصول على الدكتوراه فيها بعنوان "أشعار الديوانيين: العقاد والمازني وشكري" بإشراف الأستاذ ماتي بيلد. اختير ليكون رئيس تحرير مجلة "مشاوير" من عام 1978-1980م، وهي مجلة نقابة الكُتّاب العرب في إسرائيل. شارك في مهرجانات ومؤتمرات أكاديمية في داخل البلاد وخارجها، ونشط قلمه في الصحافة المحلية والصحافة في الخارج، وذلك بتقديم مقالات أدبية وسياسية واجتماعية. عُيِّن عضوًا في لجنة إعداد منهاج قواعد اللغة العربية في جامعة حيفا عام 1984م، ثم عضوًا في لجنة منهاج خاص لتعليم اللغة العربية والتراث للمدارس العربية، وعضوًا في اللجنة العليا لشؤون اللغة العربية، ومحاضرًا في الكلية العربية في حيفا من عام 1998-2007م. كان نائب رئيس نقابة الكُتّاب على اختلاف لغاتهم عام 2003م، ثم شغل وظيفة نائب رئيس مجمع اللغة العربية في إسرائيل من عام 2004-2007م، ومع تأسيس المجمع الرسمي الجديد عام 2007م اختير ليكون عضوًا، فرئيس لجنة المصطلحات فيه. ومع تأسيس مجمع القاسمي للغة وآدابها اختير ليكون عضو لجنة الأبحاث فيه. حصل على لقب ("محاضر كبير أ= درجة أولى)، وعمل محاضرًا في كلية القاسمي في باقة الغربية بدءًا من تأسيسها عام 1989م، ثم عُيِّن رئيسًا لقسم اللغة العربية في كلية القاسمي في أكثر من دورة، ثم حصل على درجة (الأستاذية = بروفيسور) في عام 2011م، وما زال يعمل في القاسمي حتى كتابة هذه السطور. أصدر نحو سبعين كتابًا في ألوان أدبية مختلفة. من دواوينه الشعرية: "في انتظار القطار"، و"غداة العناق"، و"يا وطني"، و"اعتناق الحياة والممات، و"الخروج من النهر"، و"قبلة بعد الفراق"، و"ما قبل البعد"، و"لما فقدت معناها الأسماء"، و"إلى الآفاق"، و"أغاريد وأناشيد" (وهما أشعار للصغار)، والأعمال الشعرية الكاملــة "(مجلدان)، و"أحب الناس"، و"الأحزان التي لم تُفهم"، و"أتيتك"، وهذان الأخيران بالعبرية. من مؤلفاته النقدية: "عرض ونقد في الشعر المحلي"، و"صلاح عبد الصبور شاعرا مجددًا، و"الرؤيا والإشعاع"، و"الجنى في الشعر الحديث"، و"الجنى في النثر الحديث"، و"دراسات وأبحاث في الأدب العربي الحديث"، و"لغة الشعر عند بدر شاكر السياب"، و"أشعار الديوانيين"، و"قصيدة وشاعر"، و"القدس في الشعر الفلسطيني الحديث"، و"هدي النجمة "، و"تمرة وجمرة"، و"نبض المحار: دراسات في الأدب العربي"، و"محمود درويش: قراءات في شعره". من مؤلفاته في القصة القصيرة: "أمام المرآة وقصص أخرى"، و"مرايا وحكايا". وفي السيرة الذاتية: "أقواس من سيرتي الذاتية، و"حوارات كانت معي". وفي النقد الاجتماعي: "أستاذ قد الدنيا"، و"حديث ذو شجون". وفي النحو والصرف: "الجديد في قواعد اللغة العربية- بالاشتراك مع د. فهد أبو خضرة ود. إلياس عطا الله، و"دروس في النحو والصرف"، و"دروس تطبيقية في النحو والإعراب"، و"من أحشاء البحر" -مقالات في اللغة، و"المرشد في تدريس قواعد اللغة العربية للمرحلتين الإعدادية والثانوية". وفي اللغة والتعبير: "فصول في تدريس اللغة العربية والتعبير"، و"أساسيات اللغة العربية في كليات ومسارات إعداد المعلمين للمدارس العربية"- بالاشتراك مع آخرين. مما كُتب عنه: "الشيخ علي خلدون: صورة الشهيد الفلسطيني في شعر فاروق مواسي" (ويضم الكتاب بين دفتيه مقالات أخرى لحسان نزال وعبد الناصر صالح وبدر الكيلاني وسهام عارضة وسناء بدوي)، وكتاب "أضواء وأصداء"، ويضم نحو أربعين دراسة عنه وعن أدبه.
فاز في مسابقة القرآن، وحصل على لقب "حافظ القرآن" عام 1967م، وحصل على جائزة التفرغ للإبداع من وزارة الثقافة عام 1989م، ثم ثانية في عام 2005م، كما حصل على جائزة توفيق زياد للعام 2001م. تُرجمت أشعاره إلى بعض اللغات.
• ما حفَّز حافظتي وأنعشها هو التنافس، وبدون التنافس لا أجد حتى اليوم مسوِّغًا لتقدم ما.
• المعلم هو الذي يغرس تذوق النص، وهو الذي يحبِّب العربية أو ينفِّر منها، وهو الذي بأسلوبه يشوِّق الطلاب للبحث والتنقيب والمطالعة.
• في رأيي يجب أن نشرك الطلاب في الاستقراء أو استنباط ما نبغي توصيله وتحصيله.
• إنه ليعزّ علينا جدًّا أن نرى طلابنا يرسبون في امتحان القواعد عند تقدمهم لامتحان اللغة العربية في الجامعات.
• ما تقترحه المجامع لا يُعمل به غالبًا، فتيار العجمة هادر مع الأسف، خاصة ونحن أمام ثورة تقنية وعولمية متواصلة ومتسارعة.
• الشعر ليس هواية بمعنى ترفي، بل هو قدري ولعنتي وحبي ومجتلاي، وكما تفرح الوردة في نشر أريجها أفرح أنا في نشر قصيدتي.
• فلسطين ليست مجرد ترديد يُحفظ. إنها كينونة وانصهار في بوتقة.
• أطالب القارئ أن يكون مسلَّحًا بمعرفة أولية عن الشعر وتوليداته، ولا يهمني كيف يقرأ أو يفهم.
• تجربة المجمع فذة بمعنى فريدة، وعن طريق المراسلات والمناقشات نتعرف إلى آراء وأصداء، وفي ذلك الغَناء.
• أدعو إلى أن يكون لقاء (للمجمع) كل سنتين في إحدى الدول العربية، وأن تُلقى المحاضرات، وتُناقش موضوعات تؤرِّقنا جميعًا.
• أعكف هذه الأيام على أن أحتفل على طريقتي بيوم ميلادي الماسي- الخامس والسبعين (11/10)، فأصدر عددًا من الكتب.
كل هذا وغيره الكثير... فإلى تفاصيل الحوار:
• بدأتم حياتكم العملية معلمًا وصحفيًّا صاحب قلم، ورأستم تحرير مجلة "مشاوير". كيف أَثْرَتْ هذه الفترة شخصيتكم العلمية؟
كنت معلمًا قارئًا أنقّب في بطون الكتب، وكنت أقدِّم لطلابي نصوصًا هي من عيون الأدب العربي؛ الأمر الذي هيّأ لي أن أحفظ كثيرًا عن ظهر قلب، بل شاركت في مسابقات "نجم الشهر" التي كانت تقدمها الإذاعة، ففزت في المكان الأول في حفظ عدد من أجزاء القرآن، وفي موضوع الخنساء وفي الأدب المهجري، وفزت في المكان الثاني في موضوعَيِ المتنبي ثم المعلقات.
ما حفَّز حافظتي وأنعشها هو التنافس، وبدون التنافس لا أجد حتى اليوم مسوِّغًا لتقدم ما، وفي أي ميدان، ورحم الله عبد الحميد الكاتب الذي كتب في رسالته: "فتنافسوا يا معشر الكُتَّاب في صُنوف الآداب..."!
كنا في المدرسة زملاء نتنافس ونحن نتناقش ونتحاور حول بيت شعر أو حول إعراب كلمة، أو حول معنى بين السطور، فيأتي هذا بالشاهد، وذاك بالنقيض، وهكذا كانت حلبة الدرس تدور كل يوم، وكنت أنا من فرسانها.
مجلة "مشاوير" كانت محفِّزًا لي لترجمة الشعر العبري التقدمي الإنساني الذي يرى في الاحتلال شرًّا ووبالاً لنا جميعًا، ثم إنها كانت مجلة مستقلة تنتقي من الثقافة والأدب في العالم العربي ما كان يصل إلى أيدينا وإلى عيوننا، وخاصة من مجلة (الآداب) البيروتية التي كان لها وقع في ثقافتي وفي كتابتي.
• من خلال مطالعتي لسيرتكم الثرية اتضح أن مكان نشأتكم يقع جغرافيًّا ضمن النطاق الإداري لإسرائيل؛ فكانت دراستكم وبعض أعمالكم في "تل أبيب". برأيكم هل كان هذا الاحتكاك المباشر مع الكيان الإسرائيلي من آثار إيجابية في تكوينكم العلمي، خاصة الجانب الإبداعي والشعري؟
- صدقًا فإن أبرز ما تأثرت به وتعلمته في الجامعة هو منهج البحث، فلم يكن من اليسير أن أدخل المحاضرة، وأقرأ نصًّا على غرار: "لقحطبة بن شبيب دور بارز في إقامة الدعوة العباسية وانتصارها، وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم الإمام محمد بن علي العباسي، وقد عقد له لواءً".
إذ يجب أن أكون عرفت قبل دخولي إلى المحاضرة عن قحطبة، وعرفت كيف يُلفظ اسمه واسم أبيه، ومن هما، وعرفت معنى النقباء، ولماذا هم اثنا عشر، ومن هو محمد بن علي وما معنى "عقد له لواء"...إلخ.
أذكر أننا في محاضرة ما، وكنا طلابًا عربًا ويهودًا فإذا بالمحاضر يطلب منا جميعًا أن نكتب عن لفظة (نعم) في اللغة. في الأسبوع التالي حضر الطلاب العرب بدون أن يبحثوا فـ (نعم) تعني (نعم)، فماذا سنبحث؟ بينما حضر عدد من اليهود الذين حضَّروا من المصادر، فإذا بهم يجيبون أن للفظة صورًا أخرى: نِـعَمْ، نَـعِم، نَعام، وأنها تأتي مرة للتصديق، ومرة للوعد للطلب، وأخرى لإعلام المستخبر، وتأتي حرف توكيد، وساقوا لنا أمثلة. كما تعلمت أن أركِّز في إجاباتي، فقد سأل محاضر عن مسألة بعينها، فأخذت أستعرض عضلاتي المعرفية، وإذا به يرفض هذه الجولة الثقافية، ويدعوني للتمركز في النقطة، وهكذا كان.
عندما التقيت محمود درويش في لندن سألني مستهجنًا: كيف تدرُسون العربية في الجامعة، وتلقى المحاضرة بالعبرية؟ قلت له: نحن نتعلم مناهج البحث، ولا نتعلم معرفة اللغة، والمناهج يمكن تدريسها بأية لغة ما دمنا نفهم ما نسمع، وسقت له نماذج مما نعالجه في المحاضرة...
في الجانب الشعري قدَّم لي مجموعتي الأولى (في انتظار القطار) د. ساسون سوميخ، وهو من اليهود الذين وفدوا من العراق في الخمسينيات الأولى. يقول سوميخ في المقدمة ص4: "ثمة بشائر أسلوب خاص بالشاعر الشاب فاروق مواسي.... إذا تعهده صاحبه بالعناية والصقل والمثابرة فلسوف يستطيع أن يصل به درجة الإبداع الفني"، كما أن الأستاذ شموئيل موريه كان يتابع كتاباتي الأولية، فيرى بي شاعرًا يستجيب لرؤيته الشعرية، فكان يطلب مني أحيانًا أن أقرأ نصي الجديد أمام الطلاب؛ فهُما وغيرهما من الشرقيين نهلوا الثقافة من العراق أولاً، وتابعوا دراساتهم الأكاديمية في أوربا، وبذلك كانت دائرة التواصل التي أفدت منها.
• شاركتم في فترة ما من حياتكم العملية في إعداد منهاج قواعد اللغة العربية في جامعة حيفا، وفي إعداد منهاج خاص لتعليم اللغة العربية والتراث للمدارس العربية، وعضوًا في اللجنة العليا لشؤون اللغة العربية. ما رؤيتكم الإصلاحية الواقعية لتطوير تدريس اللغة العربية سواء في المدارس أو الجامعات العربية؟
- المشكلة كما أراها لا تتعلق بالمنهاج أو المقرر بقدر ما تتعلق بالمعلم، إنها أولاً وقبلاً تتصل بمعلم اللغة، فهو الذي يغرس تذوق النص، وهو الذي يحبِّب العربية أو ينفِّر منها، وهو الذي بأسلوبه يشوِّق الطلاب للبحث والتنقيب والمطالعة. أيقنت في السنوات الأخيرة من عملي أننا لا يمكن أن نتغير فكرًا ومنطقًا وحضورًا علميًّا كافيًا ما دمنا ننهج أسلوب التلقين، فهو قرين التسليم والخمول والقبول، وعدم الابتكار. في رأيي يجب أن نشرك الطلاب في الاستقراء أو استنباط ما نبغي توصيله وتحصيله، وأن نحسن صياغة الأسئلة، حتى يجيب الطلاب خطوة بعد خطوة، فيصلون إلى موضوع الدرس، وكأنهم هم الذين اهتَدوا وحدهم إلى فهم المُرسَلة.
لا أقول ذلك تنظيرًا فقط، فقد عمدت إلى دروس تجريبية قدمتها لمعلِّمي الاستكمال في اللغة العربية، فكانوا هم طلابًا في التجربة، وكنتُ أقدِّم الدرس كما أطمح أن يكون، وبعد إنهاء الموضوع نناقش ماذا تعلمنا من التجربة، وأين نقاط القوة، وكيف يمكن أن يكون الدرس أفضل.
ألفت مع أستاذين كتب "الجديد في قواعد اللغة العربية"، وفيها طريقة الاستقراء، وما زلت أذكر لقائي بالناقد الكبير محمود أمين العالم، فقد شرحت له الطريقة التي نهجناها، فتحمس لها كثيرًا، وقال لي مازحًا: "حذار أن تزور القاهرة ثانية بدون الكتب"
!
• أرجو أن توضِّح لنا الفرق بين الكتب التي كانت لتدريس طلابكم وبين كتاب "الجديد"؟
- قبل أن أجيب أود أن أشير إلى كتاب "الجديد" لم يعد معمولاً به في مدارسنا، فقد درجنا على تدريسه من 1985-2012م. ومع ذلك فما زلت متحمسًا لمنهجنا، وأراه هو الأصوب والأجدى.
1- في "النحو الواضح" لعلي الجارم ومصطفى أمين- الكتاب الذي اعتمِد سابقًا يبدأ الدرس بأمثلة متفرقة هي عبارة عن جمل مقطعة ثم يتبع ذلك (البحث)، وبعد ذلك تأتي (القواعد)، تليها تمارين. أما في "الجديد" فيبدأ الدرس بنص مشوق، ثم يتبع ذلك توجيه أسئلة استنباطية للطالب، وفي أثناء ذلك محاولة لمساعدة الطلاب على الاستنتاج حتى يصلوا إلى الإجمال (وفي هذا الإجمال محاولة للدقة في التعريف)، وبعد ذلك تأتي التمارين، تليها فوائد إضافية، فتمارين اختيارية للطلاب المتفوقين والمتخصصين. بمعنى آخر فإن المعلم هو المرْكز في" النحو الواضح"، بينما الطالب هو المركز في كتاب "الجديد".
2- في "النحو الواضح" لا تجد إطلاقًا آية قرآنية أو حديثًا شريفًا، بينما يُكثر "الجديد" من استعمال الشواهد القرآنية والأحاديث الشريفة استئناسًا بقوة البيان وجزالة اللغة في هذه النصوص التراثية.
3- يعمد كتاب "الجديد" في الدرجة الأولى إلى الناحية الوظيفية، فبعد كل درس تُعطَى قطعة للتشكيل، الأمر الذي لا يتكرر كثيرًا في "النحو الواضح".
4- تُعطى الدروس في" النحو الواضح" في توزيع متباين حسب المستوى... وفي كتب متعددة (انظر مثلاً موضوع المبتدأ والخبر)، بينما يتركز في "الجديد" بصورة موضوع واف.
أما موضوع الصرف فهو في كتاب مستقل للصف التاسع.
وقد تأتّى ذلك التركيز بسبب اعتماد كتب "الجديد" على تقسيم يعتبر شبه ثورة في تعليم القواعد، حيث يتعلم طلاب الإعدادية مادة القواعد وظيفيًّا من غير أن يتعلموا الإعراب، بينما يتركز الطلاب في الثانوية على الإعراب؛ ذلك لأن لنا قناعة أن الإعراب صعب للغاية لا يستوعبه عامة الطلاب، وحتى تدرك صعوبة الإعراب اسأل بعض المحامين وبعض الأطباء، وهم من خيرة مثقفينا- ماذا تبقَّى لهم منه؟ إنه ليعز علينا جدًّا أن نرى طلابنا يرسبون في امتحان القواعد عند تقدمهم لامتحان اللغة العربية في الجامعات. ولعل هذا يقودنا كذلك إلى ضرورة التركيز في مرحلة الثانوية بالذات على هذه القضايا الإعرابية؛ لأن المرحلة أنضج وأدرك وأبعد نظرًا.
• هل لك أن توضح كيف سيتعلم الطالب في الإعدادية مادة (البدل) مثلاً، وكيف سيتعلمها في الثانوية؟
- في الإعدادية سيتعلم أن البدل هو اسم تابع لاسم آخر سبقه في الجملة ومهَّد لذكره، ويتعلم تعريف البدل المطابق منه، والغرض من استعمال البدل، ثم تأتي التمارين ليميِّز الطالب البدل، ويحدده، من غير النظر إلى إعرابه، بينما يعود الطالب في الثانوية إلى هذه التعريفات، ويعرِّف العلاقة الإعرابية بين البدل والمبدل منه، ويعرف كذلك أنواع البدل المختلفة، كما يعرف عطف البيان أو غير ذلك مما هو ضروري له في السياق.
• شغلتم وظيفة نائب رئيس مجمع اللغة العربية في إسرائيل عام 2004م، ثم تم اختياركم عضوًا في المجمع الرسمي عام 2007م، ثم رئيسًا للجنة المصطلحات فيه. برأيكم هل استطاعت المجامع العربية في الوطن العربي الاضطلاع بمسؤولياتها في الحفاظ على العربية، ومواكبة الطفرة الهائلة في المصطلحات العلمية الوافدة إلى العربية؟ وما السبيل إلى ذلك؟
- المشكلة الأساس هي أن للعرب نحو عشرة مجامع، وأنهم يجتمعون في مجمع اللغة العربية في القاهرة في دورات معينة، وقد التقينا رئيس مجمع القاهرة المرحوم شوقي ضيف، وطلبنا أن نشارك ولو ضيوفًا على المؤتمر، فأبى، وقال لنا "هذا تطبيع"! ما تقترحه المجامع لا يُعمل به غالبًا، فتيار العجمة هادر مع الأسف، خاصة ونحن أمام ثورة تقنية وعولمية متواصلة ومتسارعة، فأي مجمع يستطيع متابعة كل نحت لغوي أجنبي؟ في إسرائيل ثمة مجمع عبري أعضاؤه ولجانه والمشاركون فيه ذوو اختصاصات متباينة، فعندما تُـقترح ألفاظ جديدة يوزعونها على الصحف وعلى المدارس والمؤسسات، ويتبنونها غالبًا. لقد حاولتُ إزاء هجمة العبرية على العربية في حديثنا اليومي نحن العرب أن أضع كتاب (البديل من العبرية) سنة 2012م، فاقترحت كلمات فصيحة ومقابلها دارجة لكل لفظة عبرية طاغية؛ لأنني على يقين أن استخدام الفصيحة في الحديث اليومي نحو (يُحبَّذ) ضرب من العبث، فجعلت إزاءها (يسوى، يستاهل). أرجو ألا يُعجَب أو ينكر أحد علينا هذه اللغة المعبرنة التي سميتها "عِـرْبِـيَّـة"، فقد زرت المغرب وتونس فوجدت حظ الفرنسية أعلى من حظ العبرية عندنا، ولا أظن أن الإنجليزية في الخليج العربي وسواه أقل حظًّا.
يتبع..