الضَّرُورَةُ الشِّعرِيَّةُ
دِراسَةٌ نَحْويَّةٌ فِي شَرحِ ابنِ عَقِيلٍ (ت769هـ)
بقلم الدكتور سعدالدين إبراهيم المصطفى
أستاذ مساعد في النحو والصرف بجامعة طيبة-فرع العلا
ملخص البحث:
يَتَحَدَّثُ هذا البَحثُ عنِ " الضَّرُورةِ الشِّعرِيَّةِ " فِي كتاب: (شرحِ ابنِ عقيل علَى ألفيَّةِ ابنِ مالك)، فـ " الضَّرُورةُ الشِّعريَّةِ " كما يَرَاها النُّحاة العَربُ هيَ مجموعَةٌ مِن الظَّواهِرِ اللغَويَّةِ المُختَلِفَةِ الَّتِي نَجِدُها مَبثُوثَةً فِي كُتُبِ النَّحو وكُتُبِ النقدِ الأدبِيِّ القَدِيمِ.
وقد تَعَدَّدَتِ الآراءُ فِي تَحدِيدِ مَفهُومِ " الضَّرُورةِ الشِّعرِيَّةِ " تَعَدُّدَاً غَيرَ قَلِيلِ، فَذَهَبَ بَعضُهُم إلَى إطلاقِها علَى كُلِّ ما جاءَ فِي الشِّعرِ، سَواءٌ كانَ للشِّاعِرِ عنهُ مَندُوحةٌ أم لا. ومِنهُم مَنْ رأَى أنَّها ما يَضطَرُّ الشَّاعِرُ إلَيها اضطِراراً، بِحيث لا تَكُونُ لَهُ عنهُ مَندُوحةٌ، ومِنهُم مَنْ يَرَى غيرَ ذلِكَ.
وجاءَتِ الدِّراسةُ لِتتَحدَّثَ عنِ الضَّروراتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي شَرحِ ابنِ عقيل وشواهِدِهِ الشِّعرِيَّة الَّتِي جاءَ التَّمثيلُ بِها، موزَّعةً علَى أربعةِ مَباحثَ، هي: الزِّيادةُ، والحذفُ، والتقديمُ ، والإبدالُ. وقد وضَّحَتْ هذهِ الدِّراسةُ آراءَ منْ سَبَقَ ابن عقيل، وفَصَّلَتِ القَولَ في آرائهِم بِحَسبِ انتِماءاتِهِم في كُلِّ شاهِدٍ تَمَّ الاستِشهادُ بِهِ. فـ " الضَّرُورةُ الشِّعرِيَّةُ " عندَ مُعظَمِ علمائِنا القُدامَى لَيسَتْ خَطأً نَحويَّاً أو لُغَويَّاً بل جاءَتْ تفسِيراً لِمُستوى لُغَويٍّ مُعَيَّنٍ، فقد تَنَاولُوا هذِهِ الظَّاهِرةَ علَى أَساسِ صحَّةِ الترَّكِيبِ وسلامتِهِ.
أهداف البحث:
يَسعَى هذا البحثُ إلَى تَحقِيقِ الأهدافِ الآتيةِ:
1-فَهْم علمائِنا الأقدمِينَ خُصُوصِيةَ لُغةِ الشِّعرِ، وتَميُّزِها عن لُغَةِ النَّثرِ.
2-بَيان أنَّ " الضَّرُورةَ الشِّعرِيَّةَ " عندَ أغلَبِ الدَّارِسينَ إنَّما جاءَتْ وَفقَ مُستَوى لُغوِيٍّ مُعيَّن.
3-المُحافَظة علَى المعنَى، والحَرصُ علَى أَمنِ اللَّبسِ فِيهِ، ولا بُدَّ مِنَ الاستِعانَةِ بِقرائِنَ نَحويَّةٍ وصَرفِيّةٍ وصَوتِيَّةٍ.
4- " الضَّرُورة الشِّعرِيَّة " لا تُفَسِّرُ الحاجَةَ إلَى الوَزنِ والقافيَةِ والرَّوي وحَسْبُ، بلِ الحاجةَ إلَى تَفسِيرِ المُستَوى الَّلغَويِّ والنَّحويِّ الَّذِي كانَ سائِداً.
منهج البحث
سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
1- المنهجَ الوصفِيَّ: عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ وتَفسِيرِها وتَحلِيلِها، وتَفصِيلِ الآراءِ النَّحويَّة فيها، وذلِكَ من مَظانِّها. وهذا المَنهَجُ هو السَّائِدُ فِي الدِّراساتِ الُّلغويَّةِ والنَّحويَّةِ المُعاصِرةِ.
2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ النُّحاةِ القُدماءِ و بَعضَ المُحدَثِينَ عن " الضَّرُورَةِ الشِّعرِيَّةِ"، وحَدَّدْتُ مفهُومَ الضَّرُورةِ إذْ إنَّهُ يَتَعلَّقُ بِالبُنيةِ والتَّركِيبِ والمعنَى، كما ذَكرْتُ آراءَ النُّحاةِ بِحَسَبِ وَفَيَاتِهِم، وبِحسَبِ انتِماءاتِهِم النَّحويَّةِ، لِلوصُولِ إلَى فوائِدَ مُستنبَطةٍ منها، وشَرحِ معانِيها وبيانِ مبانِيها أحياناً.
خُطَّةُ البَحثِ
قَسَمْتُ البَحثَ إلَى :
1- مقدمة : تحدَّثْتُ فِيها عنِ " الضَّرورةِ الشِّعرِيَّةِ "عِندَ النَّحويينَ، ودِراسةٍ عن مَواضِعِ وُرُودِهِا فِي كتابِ (شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك)، وبيَّنْتُ قِيمةَ البَحثِ، وأَهدافَهُ، ومَنهَجَهُ.
2- المَوضُوعُ: فِيهِ أَربعَةُ مَبَاحِثَ، مسبُوقاً بِدِراسةٍ عن " الضَّرُورَةِ الشِّعرِيَّةِ " وآراء العلماء قدِيماً وحدِيثاً فيها، بَسَطْتُ فِي الأوَّلِ القَولَ عنِ الزيادة ومدلُولها وشَواهدِها، وفائِدتِهِا، ثُمَّ عَرَضْتُ في المَبحَثِ الثَّانِي الحذْفَ والمواضِعَ التِي جاءَتْ فِي الكِتابِ، مَعَ بَيانٍ وتَفصِيلٍ بِالأدِلَّةِ والشَّواهِدِ.
وفي المبحثِ الثَّالِثِ تَحدَّثْتُ عنِ مواضِعِ التَّقدِيمِ الَّتي تَعرَّضَ لها ابنُ عقيل مِن خلالِ الشَّواهِدِ الَّتِي وَرَدَتْ، وأَورَدْتُ آراءَ مَنْ تَقَدَّمَهُ فِيها، وفي المبحث الرابع الإبدالُ تحدَّثْتُ عن مواضِعِ الإبدالِ، حركة بدلاً مِن حَركَةٍ، وحرفٍ بدلاً من حرف، ومَنعِ التِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
3- الخاتمة وأهم ُّ النتائِجِ
خَتَمْتُ البَحثَ بخاتمة بيَّنْتُ فِيها مفهوم " الضَّرُورةِ الشِّعرِيَّةِ " وأهميتِهِا، ومنها الضَّرائِرُ النَّحويَّة والصَّرفِيَّة، وطَريقة الدِّراسَةِ، وَبعدَ ذلِكَ ذَكَرْتُ أَهمَّ النَّتائِجِ.
مقدمة:
قَالُوا قَدِيماً: " الشِّعرُ دِيوانُ العَرَبِ "، لِذلكَ اهتَمَّ العَربُ بِنَقلِهِ وحِفظِهِ ولكنَّهم اختَلَفُوا في فَهمِهِ وتَفسِيرِهِ، فظهرَتْ عندَهُم عدَّةُ ظواهِرَ، منها ظاهِرةُ " الضَّرُورة الشِّعرِيَّة " فَتَنَاولُوا هذِهِ علَى أَساسِ صِحَّةِ الترَّكِيبِ وسَلامَةِ المعنَى. و" الضرورَةُ الشِّعرِيَّةُ " ما وَقَعَ فِي الشّعرِ دُونَ النَّثرِ سواءٌ أكانَ لِلشَّاعرِ مَندُوحةٌ عَنهُ أو لا. وأنَّ " الضَّرُورةَ الشِّعريَّةَ " هِيَ كُلُّ ما وَقَعَ فِي الشِّعرِ ممَّا لا تُجِيزُ القَواعِدُ مَجِيئَهُ فِي النَّثرِ سَواءٌ كانَ الشاعِرُ مُضطراً إلَيهِ لا يَجِدُ عَنهُ مَعْدِلاً أَمْ لم يَكُنْ ذَلِكَ.
ومَعنَى هذا أنَّ الشِّعرَ لمَّا كانَ كَلاماً مُوزوناً فإنَّ الزِّيادةَ فِيهِ والنَّقصَ مِنهُ يُخرِجُانِهِ عن صِحَّةِ الوَزنِ، ويُحِيلانِهُ عن طريقِ الشِّعرِ المَقصُودِ مَعَ صِحةِ مَعناهُ، فَاستُجِيزَ فِيهِ لِتَقويمِ وَزنهِ مِن زِيادةٍ ونُقصَانٍ، وغيرِ ذلِكَ ممَّا لا يُسْتَجازُ فِي الكَلامِ مِثلِهِ.
ودَرَسْتُ " الضَّرُورةَ الشِّعرِيَّةَ " في كِتابِ (شَرحِ ابنِ عَقيل علَى ألفيَّةِ ابنِ مالك) فَوَجَدْتُ علَيهِ شواهِدَ كَثيرةً، تَطَرَّقْتُ إلَيهَا، وهِيَ: الزِّيادة والحَذفُ، والتَّقدِيمُ، والإبدالُ. وقد ذَكَرْتُ آراءَ النُّحاةِ الَّذِينَ قالُوا فِي هذِهِ المَسائلِ، مَعَ بَيانِ رَأيِ الشَّارحِ، وذلِكَ لِبيانِ المقصُودِ وتحقيقِ الفائِدةِ.
المبحث الأول
مَفهُومُ الضَّرُورَةِ عِندَ النُّحاةِ
والضَّرُورةُ لُغةً: الاضطِرارُ، وهُوَ الحَاجةُ إلَى الشَّيءِ، أو الإلجاءُ إلَيهِ، فَيُقالُ: رَجُلٌ ذُو ضَرُورةٍ، أي: ذُو حاجَةٍ، وقَد اضطَرَّ إلَى الشَّيءِ، أي: أُلجئَ إلَيهِ، والاضطِرارُ هوَ الاحتِياجُ إلَى الشَّيءِ، واضطَرَّهُ: أَحوَجَهُ وأَلجَأَهُ1 .
الضَّرُورةُ فِي الاصطِلاحِ " ما وَقَعَ في الشِّعرِ مُخالِفاً للقِياسِ ممَّا لم يَقَعْ لَهُ نَظِيرٌ في النَّثرِ، سواءٌ أكانَ عنهُ مَندُوحةٌ أم لا، أو ما وَقَعَ في النَّثرِ للتناسبِ أو السَّجعِ علَى خِلافِ ذلِك"2 . أو يمكنُ القَولُ إنَّها مُخالفةٌ لِقَواعِدَ مِعيارِيَّةٍ وَضَعَها النَّحويونَ، وخالَفَها الشُّعراءُ، وخَرَجُوا بِها عن الأصلِ امتِثالاً لِمُتَطلَّباتِ الشِّعرِ مِن وَزنٍ وقافِيةٍ ومُوسِيقا.
ثمَّ تَطوَّرَ مَفهُومُ الضَّرُورةِ بَعدَ مَرحلةِ التَّدوينِ في القَرنِ الهِجرِيِّ الثَّانِي، وظُهُورِ مُصنَّفاتٍ فِي النَّحو، وهذا الفَهْمُ أَتَى مِن تَصَوُّرِ النَّحويِينَ أَمثالَ سِيبوَيهِ (ت180هـ)، والمبرِّد (ت285هـ)، وابنِ السراج (ت316هـ)، وابنِ جنيٍّ (ت392هـ) فأخَذَتْ مُصطَلَحاتٍ جَدِيدةً، نحو: الخُرُوجُ عنِ القاعِدةِ، والشُّذوذُ، والعُدُولُ النَّحويُّ، وغيرُها مِن مُصطَلَحاتٍ تُفيدُ خُصُوصِيَّةً فِي لُغةِ الشِّعرِ امتَازَتْ بِها عنِ لُغةِ النَّثرِ.
وتَعنِي الضَّرُورَةُ أَيضَاً الشُّذُوذَ، فَمِنْ رَحِمِ الضَّرُورةِ وُلِدَ مُصطَلَحُ الشُّذُوذِ الَّذِي ضَاقَ مَفهُومُهُ وانحصَرَ، واختَصَّ بَعدَ ذلكَ بِالشَّاهِدِ النَّحويِّ الشِّعري غالِباً، وهُنا فِي هذا الاتِّجاهِ صَارَ القَولُ بالضرورَةِ والشُّذُوذِ واحِداً، فكُلٌّ مِنهُما يَعنِي الخُروجَ والمُخالَفَةَ، والبُعدَ عنِ القَواعِدِ المَرعيَّةِ فِي الكَلامِ.
وانحصَرَ مَفهُومُ الشُّذُوذِ كَثيراً لِيُفهَمَ مِنهُ أنَّهُ الضَّرُورةُ الَّتِي كَسَرَتِ القَاعِدةَ الَّتي علَيها الكَلامُ فِي لُغةِ النَّثرِ أولاً، ولُغةِ الشِّعرِ ثانياً، فالشُّذُوذُ هُوَ مُخالَفةُ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، ومِنْ هُنا فَكُلُّ شُذُوذٍ ضَرُورَةٌ، ولَيسَ كُلُّ ضَرُورةٍ شُذُوذاً، فصارَ الشُّذُوذُ خُروجاً علَى بَعضِ قَواعِدِ النحويينَ، وهذا خطاٌ لا ينقاسُ علَيهِ.
لم يعرِّفْ سِيبَوَيه الضَّرورةَ الشِّعريَّةَ تَعريفاً دَقِيقاً، ولكِنْ يُفهَمُ مِن كلامِهِ فِي: ( بابِ ما يَحتَمِلُ الشِّعرَ ) أنَّه يجوزُ لِلشَّاعِرِ فِي الشِّعرِ ما لا يَجُوزُ لَهُ فِي الكَلامِ، شَرِيطةَ أنْ يَضطرَّ إلَى ذلِكَ، ولا يَكُونُ لَهُ بُدٌّ مِنهُ، وأنْ يَكُونَ فيهِ رَدُّ فَرعٍ إلَى أَصلٍ، أو تَشبيهُ غَيرِ جائِزٍ بِجائِزٍ، فَقَالَ: " اعلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ في الشِّعرِ ما لا يَجُوزُ فِي الكَلامِ مِن صَرفِ ما لا يَنصَرِفُ، يُشبِّهُونَهُ بِما يَنصَرِفُ مِن الأَسماءِ، وحَذفِ ما لا يُحذَفُ، يُشبِّهُونَهُ بِما قَد حُذِفَ واستُعمِلَ مَحذُوفاً "3 .