بَيْنَ النّابِغَةِ وَالْأَخْطَلِ : مُوازَنَةٌ نَصّيَّةٌ نَحْويَّةٌ
للدكتور محمد جمال صقر
أفضت بي موازنة نصوص الكلام العربي المبين إلى أن أَنْتَبِهَ من مقالات العلماء القدماء في شعر الطبقة الأولى من فحول الجاهليين ( امرئ القيس ، والنابغة ، وزهير ، والأعشى ) ، إلى مقالة أبي عمرو بن العلاء هذه النفيسة : " نَظيرُهُ ( الأعشى ) في الْإِسْلامِ جَريرٌ ، وَنَظيرُ النّابِغَةِ الْأَخْطَلُ ، وَنَظيرُ زُهَيْرٍ الْفَرَزْدَقُ " - وأُحِسَّ لها قيمة ليست لسائر مقالات العلماء ؛ فأَحْفَظَها زمانا طويلا غير غافل عنها ، وأُحَدِّثَ بها بعض إخواني وأساتذتي ؛ فلا يُلْقِيَ لها بعضهم بالا ، ويرآها بعضهم صالحة لكتاب ، ولا يَدُلَّني أحد على شيء فيها يؤيدني عليها ويحفزني إليها .
لقد رأيت مقالته علامة بارزة على منهج موازنة النصوص المتزامنة أو المتعاقبة أو المتزامنة المتعاقبة معا ، الذي تعلقتُ به ، ودعوة خالدة إلى بحث نحوي راسخ شامخ ، لا يتناهى في أية الجهتين إلى غاية ، بل يتراحب كلما سار فيه النحويون ، نافيا عنهم خوفهم من نَفاد مسائل البحث وتكرارها الذي يؤرقهم ، واقفا غيرهم على جَلال ما يعملون لهذه الثقافة العربية الإسلامية المُشَرَّفة المضيَّعة .
كيف أنشأ الثلاثة الشعراء الجاهليون ( الأعشى والنابغة وزهير ) والثلاثة الشعراء الإسلاميون ( جرير والفرزدق والأخطل ) نصوصهم ؟
وما الذي اجتمعوا عليه ، وما الذي افترقوا فيه ، بحيث أشبه بعضهم بعضا وبقوا مع ذلك شعراء كبارا لا يغني بعضهم طلاب الشعر عن بعض ؟
ذاك سؤال كبير في موازنة النصوص المتزامنة ، وهذا سؤال كبير في موازنة النصوص المتعاقبة ، ولا ريب لدي في أن جوابهما الكامل صعب محتاج إلى انتهاج مناهج واستفتاء نظريات من علوم كثيرة لغوية كعلم النحو وغير لغوية كعلم النفس ، ربما تيسر يوما ما حين يستقل ثم يستحصد في العربية " علم النص " نظرا وعملا جميعا معا ، ولا سيما أن تنظر في مثل ذلك الجواب الواحد تلك العلوم الكثيرة ، وألا ينتظر بعضها بعضا أن ينظر له فيشاركه في النظر ؛ فللبحث في كل علم تقاليد وأعراف تشبه الخصائص يكاد الباحثون لا يتجاوزنها .
ومن ثم فتشت عن دواوين الشعراء الستة ، ثم قرنت بعضها ببعض على ما رأى أبو عمرو بن العلاء ، ورتبتها حتى أوازن بعضها ببعضٍ قَرينَيْنِ قَرينَيْنِ .
لقد اخترت لهذا البحث من قبل شعر أول أزواج الشعراء المذكورين بمقالة أبي عمرو ( الأعشى وجرير ) ؛ فظَهَرَتْ لي بين الشاعرين مسائلُ جامعةٌ ، ربما كانت وراء مقالته ، رضي الله عنه ! ولكنَّ ثَمَّ مَسائلَ أخرى فارقةً ظَهَرَتْ على تلك المسائل الجامعة ، ربما كانت وراء بقائهما جميعا معا في العربية شاعرين كبيرين .
ولما حظيت خطوتي تلك في سبيل هذا البحث ، بقبول كثير من العلماء وثنائهم - غَريتُ بأن أخطو فيه خطوة أخرى ؛ فاخترت له الآن شعر ثاني أزواج الشعراء المذكورين بمقالة أبي عمرو نفسها ( النابغة والأخطل ) .