علةُ مَنْعِ (مَثْنَى، وثُلَاثَ، ورُبَاعَ) ونحوِهَا مِنَ الصَرْفِ
د. مصطفى شعبان
مذهب سيبويه والخليل وأبي عمرو في ألفاظ الأعداد نحو : مثنى وثُلاث ورُباع أنها ممنوعة من الصرف لدلالتها على الوصف ؛ ولكونها معدولة عن تكرار العدد، فالأصل في (أُحاد) : واحدًا واحدًا ، وأصل (ثُناء) : اثنين اثنين ،فعلة المنع من الصرف هنا العدل والوصف
قال سيبويه : «وسألته عن أُحاد وثُناء ومثنى وثُلاث ورُباع ،فقال : هو بمنزلة (أُخَرَ) ، إنما حَدُّه واحدًا واحدًا ، واثنين اثنين، فجاء محدودًا عن وجهه فتُرك صرفه»(1 ).
هذا مذهب سيبويه والبصريين .
وقد حصر أبو سعيد السيرافي الأقاويل في علة المنع من الصرف هنا في أربعة مذاهب، فقال:
«والمانع من الصرف فيه : أربعة أقاويل :
منهم من قال : إنه صفة ومعدول ، فاجتمعت علتان منعتاه الصرف .
ومنهم من قال : إنه عدل في اللفظ والمعنى ، فصار كأن فيه عدلين وهما علتان ، فأما عدل اللفظ فمن (واحد) إلى (أُحاد) ، ومن (اثنين) إلى (ثُناء)،وأما عدل المعنى فتغيير العدة المحصورة بلفظ الاثنين والثلاثة إلى أكثر من ذلك مما لا يحصى .
وقول ثالث: إنه عدل وإنَّ عَدْلَهُ وقع من غير جهة العدل ؛ لأن باب العدل أن يكون للمعارف وهذا للنكرات .
وقول رابع: إنه معدول وإنه جمع؛ لأنه بالعدل قد صار أكثر من العدة الأولى ، وفي ذلك لغتان: (فُعَال) و (مَفْعل)؛كقولك: (أُحاد) و (مَوْحد) ، و(ثُناء) و (مَثنى) ، و(ثُلاث) و (مَثْلث) ، و (رُباع) و (مَرْبع)»(2 ).
وتختلف عدة الأقاويل عند أبي حيان عن ذلك ، فقد جاء في تقريره: «ويتحتم منع صرفها لهذا العدل والوصف على مذهب سيبويه والخليل وأبي عمرو، وأجاز الفراء(3 ) أن تصـرف، ومَنْعُ الصـرف عنده أولى ، وعلة المنع عنده العدل والتعريف بنية الألف واللام، وامتنع عنده إضافتها؛ لأنها في نية الألف واللام ، وامتنع ظهور الألف واللام ؛ لأنها في نية الإضافة ..
وقال الزمخشري(4 ): إنما مُنِعَتِ الصرفَ لما فيها من العدلين، عدلها عن صيغتها، وعدلها عن تكريرها، وهي نكرات تعرفن بلام التعريف ، يقال: فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع. انتهى كلامه.
وما ذهب إليه من امتناع الصرف لما فيها من العدلين عدلها عن صيغتها ، وعدلها عن تكررها ، لا أعلم أحدًا ذهب إلى ذلك( 5)، بل المذاهب في علة منع الصرف المنقولة أربعة:
أحدها :ما نقلناه عن سيبويه ، والثاني : ما نقلناه عن الفراء ، والثالث: ما نُقل عن الزجاج(6 ): وهو لأنها معدولة عن اثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وأنه عدل عن التأنيث ، والرابع: ما نقله أبو الحسن( 7) عن بعض النحويين : أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه؛ لأنه عدل عن لفظ اثنين، وعدل عن معناه ، وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل في الأعداد غير المعدولة، تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز: جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جعل بيانًا لترتيب الفعل؛ فإذا قال : جاءني القومُ مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فأما الأعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره، فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى، فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام علتين لإيجابهما حكمين مختلفين . انتهى ما قرر به هذا المذهب»(8 ).
والذي يعنينا من هذه الأقاويل الآن هو قول الزجاج؛ حيث يعلل منع (مثنى وثلاث ورباع) ونحوها من الصرف بعلة يزعم أنه لم يذكرها أحد من النحويين ، لذا كان كلامه معرضًا للأخذ والرد بين النحاة.
قال الزجاج: «قوله : ((مثنى وثلاث ورباع))( 9) بدلٌ من ((ما طاب لكم)) ومعناه: اثنين اثنين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا، إلا أنه لم ينصرف لوجهين لا أعلم أحدًا من النحويين ذكرهما ، وهي أنه اجتمع فيه علتان: معدول عن اثنين اثنين وثلاث ثلاث، وأنه عدل عن تأنيثٍ»(10 ).
وقبل التعرض لمناقشة الفارسي لمذهب الزجاج نعرِّج أولًا إلى تحرير قوله ومذهبه؛ فإن المسطور في كتب النحاة ينسب إليه قولين متباينين؛ إذ منهم من نسب إليه مثل ما ورد في معانيه تمامًا(11 )، ومنهم من نسب إليه القول بأن المانع الثاني للصرف في ذلك ليس الوصف، وأن منعها للعدل في اللفظ وفي المعنى، أمَّا في اللفظ فظاهر، وأما في المعنى فلأن مفهوماتها تضعيف أصولها ، فأدنى المفهوم من أحاد: اثنان ، و من ثناء: أربعة ، وكذا البواقي(12 ).
وهذا الذي نُسب إلى الزجاج – في القول الثاني – لا تُسعفه نصوص الزجاج نفسه في كتبه ، وقد ذكرنا نصه في المسألة قريبًا .
وهذا المنسوب إليه في الحقيقة هو مذهب ابن السراج والزمخشـري ، ولم يعثر البحث على مَظِنَّةٍ تذكر أن للزجاج في المسألة مذهبًا كهذا .
أما قوله الأول وهو صحيح النسبة إليه فقد تناوله أبو علي بالمناقشة واصفًا إياه بالخطأ، وجاء في تقريره :
«فقول أبي إسحاق في (مثنى وثلاث ورباع): "لم ينصـرف لجهتين لا أعلم أحدًا من النحويين ذكرهما ، وهما أنه اجتمع فيه علتان معدول عن اثنين اثنين ، وأنه عدل عن تأنيث" خطأ »(13 ).
وقد جاء تقرير الفارسي مطولًا ولكنا نحاول إيجاز ما أتى فيه فنقول:
ذهب أبو علي إلى تخطئة ما نحا إليه الزجاج من أن العلة في منع صرف مثنى وثلاث ورباع ونحوها للعدل عن تكرار العدد ، وللعدل عن التأنيث ؛ لأن العدد مؤنث؛ لأن قوله يترتب عليه تكرر العدل كما تكرر الجمع في نحو (مساجد) و (أكالب) ، أو يكون لما عُدل عن التأنيث كان ذلك نقلًا آخر من حيث كان المعدول عنه مؤنثًا ، ولم يكن الأول المذكر ، فلا يجوز أن يكون العدل متكررًا في هذا تكرره في الجمع ، وكتكرر التأنيث في (بُشرى) ونحوه (14 ).
والسبب في امتناع تكرر العدل في نظر الفارسي أن العدل إنما هو أن تريد باللفظ لفظًا آخر( 15)، وإذا كان كذلك لم يجز أن يتكرر هذا المعنى لا في المعدول عنه ولا في المعدول، وكما لا يستقيم أن يكون معدولًا عن اسمين لا يجوز أن يكون المعدول اسمين(16 ).
وقد يوهم قول النحويين : إنه عَدْلٌ عن اثنين اثنين،أنهم يريدون بـ (مثنى) العدل عنهما، ويكشف الفارسي عن هذا الوهم بأنهم إنما عنوا بذلك تفسير لفظة المعدول عنها ، كما يفسـرون قولهم: (هو خيرُ رجلٍ في الناسِ)،و(هما خيرُ اثنينِ في الناسِ) أن المعنى : هما خير اثنين إذا كان الناس اثنين اثنين، فكذلك يريدون بقولهم (مثنى) معدول عن اثنين اثنين(17 ).
ومما ذكره الفارسي ردًّا لمذهب الزجاج : أن المعدول لا يكون إلا اسمًا مفردًا ، كما هو الحال في المعدول عنه، ويدل على ذلك أن جميع المعدولات أسماء مفردة ، والمعنى في المعدول الذي هو (مثنى وثلاث ورباع) هو المعنى في اثنين وثلاث في أنك تقصد بعد العدل: اثنين اثنين مثلما أردت قبله، فلا يستقيم إذًا أن يكون تكرر العدل هنا كتكرر الجمع في (مساجد) ونحوه، لظهور هذا المعنى في هذا الضرب من الجمع، وخروجه في صيغ منتهى الجموع عن أبنية الآحاد إلى ما لا يكسَّر للجمع( 18).
أما بخصوص كون المنع من الصرف للعدل عن التأنيث فوجه اعتراض أبي علي في ذلك أن العدل عن التأنيث لا يعتد به مانعًا ، وإنما المعتد به نفس العدل لأمور:
أولها : أن (جُمَعَ) معدولة ، وعدلها عن التأنيث ، ولم يمنعها من الصرف أنها معدولة وأنها عدلت عن التأنيث ، إنما امتنع من الانصراف للعدل والتعريف .
الثاني : أن التعريف ثانٍ وفرع على التنكير، كما أن التأنيث كذلك، ولم يكن العدل عن التعريف ثقلًا معتدًّا به في المنع من الصرف ، إذ لو اعتد به ثقلًا لوجب ألا ينصرف (عمرُ) في النكرة؛ لأنه كان يكون في حال النكرة معدولًا ومعدولًا عن التعريف، وفي صرف عُمَرَ في النكرة دلالة على أن العدل عن التعريف غير معتد به ثقلًا ، وإذا لم يعتد به ثقلًا لم يجز أن يعتد بالعدل عن التأنيث ثقلًا(19 ).
ويقوي جانب أبي عليٍّ السببُ في منع الصـرف والداعي له ؛إذ الأصل في الاسم الصـرف ، وإنما يمنع منه لشبهه بالفعل بكونه فرعًا من جهتين إحداهما لفظية: وهو أنه مشتق ، والأخرى معنوية : وهو أن الفعل يفتقر إلى الاسم .
إذًا لابد أن تكون إحدى العلتين المجتمعتين لفظية والأخرى معنوية ، والعلل المعنوية عند جمهور النحاة تنحصر في الوصفية والعلمية ، وباقي العلل التسعة لفظية وهي : «العدل – والتركيب – والتأنيث – وزيادة الألف والنون – ووزن الفعل – والجهة – وألف الإلحاق»( 20).
وعلى قول الزجاج اجتمع في الاسم علتان ليس فيهما وصفية بل جعل العلتين لفظيتين وهو العدل عن اثنين اثنين، والعدل عن التأنيث وهو خلاف قانون منع الاسم من الصرف .
وعلى قول ابن جني الذي جعل الأسباب اللفظية واحدًا وهو شبه الفعل وباقي التسعة معنوية وجعل منها العدل(21 ) يكون الزجاج قد منع (مثنى) من الصـرف لعلتين معنويتين، وكِلا اللازمين ضعيف؛ إذ لا سلف له من النحاة في هذا ، و بناء عليه يكون اعتراض الفارسي في محله .
على أن مذهبه في «ما ينصرف وما لا ينصرف»(22 ) لا يختلف عن مذهب سيبويه والخليل في أن المانع من الصرف في (مثنى) ونحوه للوصفية والعدل .
------------
( 1) الكتاب 2/15 بولاق،3/225 هارون، وانظر: المقتضب 3/380 ، الأصول 2/88 ، شرح سيبويه للسيرافي 3/492 ، شرح سيبويه لابن خروف 316 ، شرح الكافية الشافية 3/1447 .
(2 ) شرح السيرافي 3/492 .
(3 ) معاني القرآن للفراء 1/254 .
(4 ) الكشاف 2/15 .
(5 ) بل هو مذهب ابن السراج كما في الأصول 2/88 ، و شرح الكافية للرضي 1/115 .
(6 ) معاني القرآن وإعرابه 2/9 .
(7 ) قارن بما في معانيه 1/244 .
(8 ) البحر المحيط 3/159-160 .
(9 ) [سورة النساء: 3].
(10 ) معاني القرآن وإعرابه 2/9 .
(11 ) كالنحاس في إعرابه 1/434 ، وابن سيده في المخصص 17/120 ، وأبي حيان 3/159 ، والسمين الحلبي 3/563 .
(12 ) انظر: همع الهوامع 1/86 ، شرح الأشموني 3/350 .
(13 ) الإغفال 2/148 .
( 14) السابق 2/148 .
( 15) وفي معنى العدل انظر: الأصول لابن السـراج 2/88 ، شرح الكافية للرضي 1/113 ، شرح المفصل 1/62 ، همع الهوامع 1/81 ، المقاصد الشافية 5/997 ، الممنوع من الصرف في اللغة العربية ، للدكتور عبد العزيز علي سفر – طبعة مجلس النشر العلمي – الكويت- 2000م - ص201.
(16 ) الإغفال 2/148 .
(17 ) السابق 2/148-149 .
( 18) ا لسابق 2/149 .
(19 ) السابق 2/149-150 .
(20 ) همع الهوامع 1/78 .
(21 ) الخصائص 1/109 .
(22 ) ما ينصرف وما لا ينصرف 44 .