الثنائية وَالميزان الصّرفي
في اللغات العَربيّة في الجزيرة العَربية
للدكتورة باكزَه رفيق حِلمي
تتفق آراء اللغويين الذين درسوا قواعد لغات الجزيرة العربية، في أن الكلمة مطلقاً لا يمكن أن تتألف من أقل من صوتين صحيحين في هذه اللغات، وأن معظم الكلمات فيها تتألف في الأصل من ثلاثة أصوات صحيحة وأن الثنائية تنحصر في عدد قليل جداً من الأسماء لا تزيد على سبع وثلاثين كلمة، على رأي فريق، هي في ذاتها أصولها. وأنها تنحدر في أصولها من الثلاثية على رأي أغلبهم. ولذلك فقد عُدَّت الصيغة الثلاثية للكلمة الصيغةَ القياسية للاشتقاق في جميع هذه اللغات منذ أقدم عصورها التاريخية، ابتداء من البابلية القديمة حتى اللغات الحية الآن.
كما أن هذه الصيغة اعتُبِرت من حيث الشكل الجذَر الدالَّ عل المعنى المطلق للكلمة، وجاءت كلُّ زيادة أو تغيير في هذا الجذر عند الاشتقاق والتصريف لأداء دلالات جديدة تضاف إلى المعنى المطلق. وبضبط هذا الميزان والقياس عليه تَمَكَّن اللغويون العرب من جمع وتصنيف جميع المفردات في اللغة العربية، وتقصّي أصولها، وإبراز الزيادات والتغيرات التي تطرأ عليها، والمعاني التي دلّت عليها الزيادات والتغيرات. وبالقياس على العربية تَمَكَّن علماء اللغة في اللغات العربية الأخرى، كالعبرية والآرامية، من دراسة لغاتهم، كما استعان المستشرقون بهذه القياسات العربية الوضع لدراسة اللغات المندثرة، كالبابلية القديمة والأكدية والأوغاريتية، واكتشاف الصلات اللغوية بينها وبين العربية. وللميزان الصرفي، بالإضافة إلى ما تَقَدَّم من فوائد، فائدة كبرى جليلة تفتقر إليها معظم لغاتِ العالم، هي القدرة على قياس الجديد من المفردات عليها، واشتقاق المزيد من الصيغ منها، للدلالة على المعاني الجديدة التي تتطلبها حاجات الحياة الحضارية الدائمة التطور والنموّ، والتي لم تكن لها دلالات في أصول اللغة. وعلى ذلك فضَبْطُ ميزان الكلمة والقياس عليه، يُعَدّ من أهم العوامل التي ساعدت اللغة العربية على الدوام، والبقاء بأصولها وجذورها الأولى، والنمو الدائم والمتطور بالقياس على تلك الأصول والجذور، دون أن يمتس أصالتها وسلامتها عامل من عوامل الضعف والضمور التي تعتري اللغات عادة عبر التاريخ، وتقضي على سماتها الأصيلة.
ولعل أقدم اللغات العربية التي عَرَفت الميزان الصرفي واستخدمته في الاشتقاق والتصريف، هي المجموعة الشرقية منها، والتي عُرِفت بالأكدية أو البابلية الاشورية. وعلى الرغم من وجود الكثير من المفردات الثنائية في لغات هذه المجموعة، فإن الغالب على مفرداتها هو الوزن الثلاثي؛ ولذلك فقد عَدَّ علماء اللغة الذين درسوا قواعد هذه اللغات الصيغةَ الثلاثية وحدةَ قياسها لتركيب المفردات فيها، واتخذوا من التصنيف العبري المأخوذ أساساً من التصنيف العربي المبني على اعتبار الصيغة الثلاثية وحدة للقياس أساساً لتصنيف المفردات فيها، الأمر الذي أدى بالتالي إلى اكتشاف العلاقات الوثيقة بين العربية وبين هذه اللغات، من حيث تركيب المفردات وأوزانها ودلالاتها، والذي أدّى بدوره إلى جمعها في أسرة لغوية سُمّيت باللغات السامية تعصُّباً لرأي عِرْقي معيّن. وقد اقتَرَحْتُ تصويب هذا المصطلح، وتسميةَ هذه المجموعة التي تكاد تكون العربية فيها أبرزها وأوسعها وأقدمها تاريخاً باسم "لغات الجزيرة العربية" تأكيداً لدور العربية البارز في نشأتها وأصولها.
ومن المؤسف أن الأكديين أنفسهم لم يتركوا لنا، أو لم نكتشف بعد، دليلاً على قيامهم بدراسة صرفية لمفردات لغاتهم، لضبطها وقياسها، ووضع قواعد الصرف والاشتقاق وفق الموازين التي سارت عليها اللغة في النشوء والتطور. ولكن دراسة الظواهر اللغوية التي لفتت أنظار علماء اللغة والمستشرقين إلى الصلات اللغوية بين نصوص الألواح الطينية التي كُتبت بالخط المسماري منذ نحو أربعة آلاف سنة ق. م ولغات الجزيرة العربية الحيّة، ولا سيما العربية، دَلَّت على وجود تشابه كبير، ليس فقط في المفردات بل في الصيغ الصرفية وأساليب الاشتقاق نفسها؛ حيث تبيَّن أن هذه المجموعة من اللغات العربية تخضع للميزان الصرفي الثلاثي، في الغالب، كالعربية تماماً، وأن الكلمة الأكدية تعتمد على الأصوات الصحيحة في بناء الكلمة، وأن أبنية الكلمة تكون ثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، ولكن الغالب على مفرداتها البناء الثلاثي؛ ولذلك اتخذ علماء اللغة هذه الصيغة وحدة للقياس عند دراستهم قواعد هذه اللغات. وعلى الرغم من أن الثنائية تُعتَبَر الأصل في بناء المفردات الأولى في اللغة، وأن لغات الجزيرة العربية لا تختلف من حيث الأسس التي نشأت عليها، ومن حيث القواعد الصوتية التي بموجبها يتم تشكيل أبنية الكلمة من غيرها من اللغات. وعلى الرغم من وجود طائفة كبيرة جداً من المفردات الفعلية والاسمية الثنائية ذات الصوتين الصحيحين، نحو: (قال) و(مال) و(سعى) و(دعا) الفعلية، ونحو: (دم) و(عم) و(فم) و(هم) الاسمية؛ ثم وجود طائفة أكبر من بنات الصحيحين المضعَّفة الثاني نحو: (أب) و(أد) و(مج) و(حج) و(مد) و(هد) و(نم) و(صف) و(كف) إلخ؛ وهي كلها ثنائية جرى عليها بعض التغيُّر الصوتي عند الإسناد أو الإضافة لأسباب صوتية محضة؛ على الرغم من كل ذلك فإن الجدل حول الأصول الثنائية للكلمة العربية ما زال قائماً، وما زال اللغويون يصرّون على إرجاعها إلى الأصل الثلاثي بكثير من التعسّف والخروج عن منطق اللغة.
واللغة الأكدية، التي تُعْتَبَر أقدم وأول لغة مدوَّنة من هذه اللغات، وأقربها إلى العربية، تَحفل، بل يغلب عليها البناء الثنائي المقطعي للكلمة؛ ويُعَدّ هذا البناء الصورة الأولى لتشكيل الوحدات الدالة على المعاني، والتي تكوّن الجذر أو النواة التي تدلّ على المعنى المطلق في الأصل، ثم تتطور من حيث الشكل بالتغيّر الحركي الداخلي، أو بالإضافة إليها لتدلّ على معانٍ جديدة تشترك مع الوحدة الأولى في المعنى الكلي، وتتميز عنها بمعنى جزئي خاص؛ الأمر الذي يدلّ على أن لغات الجزيرة العربية العربية لا تختلف في شيء، من حيث القواعد العامة التي سارت عليها في تشكيل مفرداتها، عن اللغات الأخرى، إلا في التفاصيل الجزئية التي تحدّد صفاتها المستقلّة. وكثرة وجود الأبنية الثنائية للمفردات ذات العلاقة المباشرة بالحياة الاجتماعية البدائية، والوثيقة الصلة بشؤون الحياة اليومية، دليل أكيد على أن المفردات الأولى للُّغة كانت ببساطة شؤون الحياة ذاتها؛ وتتعلق بالإنسان وأعضاء جسمه: (يد) (فم) (رأس) (سن) (كف) (دم)؛ وذوي قرباه: (أب) (أم) (خال) (عم) (بن- ابن) (بت- بنت) إلخ ... والأحداث التي ترافق هذه الحياة البدائية: قال. قام. نام. كان. راح. جاء. شد. عد. هد. (كل- أكل) (خذ- أخذ)؛ والصيغة الثانية تطور لاحق(12). ولو استعرضنا الأبنية الثلاثية وما يزيد عليها، لوجدنا أنها تحمل معاني حضارية تدلّ على الاستقرار واتساع الحياة، واطّرادُها والقياسُ عليها وخضوعُها للنظام تمثّل مرحلة الانتقال من مرحلة التواضع الآني والعفوي على المعنى والشكل للحاجة إلى مرحلة التفكير والقصد في الصياغة للانتقاء والتأنق. وقد أحسن العلماء باختيارهم هذا البناء وحدة للقياس؛ فهو كما رأوا الغالب على مفردات اللغة العربية المستحضرة التي درسوها، ويسلم من التغيير والشذوذ، ويسهل القياس عليه لأغراض حضارية يتطلبها التطور المستمر للحياة وحاجاتها. إلا أن ذلك لا يمنعنا من الاعتراف بوجود البناء الثنائي مستقلاً عن الثلاثي، وليس منه؛ نشأ في المرحلة البدائية لنشوء اللغة، ثم تطور منه ما تطور بالتغير الداخلي أو الإضافة إلى البناء الثلاثي أو الرباعي، وليس العكس كما قال علماء اللغة القدامى بأن الاسم المتمكن والأفعال المتصرفة يجب ألا تَقِلّ عن ثلاثة أحرف: حرف يُبتدأ به، وحرف يُحشى به، وحرف يوقف عليه؛ وكما يظهر من قول ابن مالك من غير الثلاثي يغيَّر ليوافق الثلاثي في الصيغة ويقبل التصريف.
وليس من أدنى من ثلاثي يُرى قابِلَ تصريف سوى ما غُيِّرا
وهذا تعسّف لا مبرر له في إخضاع ما لا يَقْبل القياس للقياس. وقد أدى بهم هذا التعسف إلى اعتبار كل ثنائي ثلاثياً في الأصل، يَسقط ثالثه لعلة. والعلة لا علاقة لها بأصل البناء، بل بالوظيفة النحوية للكلمة داخل العبارة.
يقول الخليل: "وقد تجيء أسماء لفظُها على حرفين، وتمامها ومعناها على ثلاثة أحرف، مثل: يد ودم وفم؛ وإنما ذهب الثالث لعلة أنها جاءت سواكن وخلفها السكون، مثل (بأيد) و(يأدم) في آخر الكلمة .. فلما جاء التنوين ساكناً اجتمع ساكنان، فثبت التنوين لأنه إعراب، وذهب الحرف الساكن. فإذا أردت معرفتها فاطلبها في الجمع والتصغير كقولهم: أيديهم في الجمع و(يُدَيَّة) في التصغير.
وكل هذه التعليلات لا علاقة لها مطلقاً بأصل البناء، بل إنها تغيّرات صوتية محضة تطرأ على كل كلمة عند الإضافة والإسناد وتغيير البناء بقصد تغيير الدلالة أو الوضعية النحوية، لا مجال لشرحها هنا فإن ذلك يتطلب بحثاً مستقلاً، آمل أن أقوم به في المستقبل. وآمل أن يقف هنا القارئ والباحث ويدقق ويعيد النظر في تقييم هذه التعليلات، ليجد التعسير واضحاً في تفسير ظواهر اللغة، لا التيسير.
ولا بد هنا من الدعوة إلى ضرورة إعادة النظر في قواعد اللغة العربية وفق نظريات علم اللغة الحديث، لإزالة هذا العسر الذي يجابهنا ونحن نحاول تيسير اللغة. ولست من القائلين بنبذ آراء القدماء كلية، فأنا من المؤمنين بأن الخليل هو أول علماء الأصوات، وواضع أسس هذه الدراسة؛ ولكن ذلك لا يمنع من القول بأن الخليل لم يُصِبْ في كل ما قال، وإن منطق التطور العلمي في تفسير اللغة يتطلب إعادة النظر في كل ما قيل في اللغة، كما تَطَلَّب ذلك في المعرفة الإنسانية بكافّة فروعها. ولا بد من الأخذ بالمنطق العلمي الحديث في تفسير الظواهر اللغوية، معتمدين على التجربة والاختبار والمقارنة للتأكد من صحة تلك التعليلات أو بطلانها، وإلا اقتصرت معرفتنا باللغة على التلقين والحفظ، وكان علمنا بها ينتهي بانتهاء الدراسة المدرسية التقليدية؛ وهذا أسوء وأخطر أساليب التعلّم والحصول على المعرفة.