التـنافسُ وأثره على النحو والنحاة
للدكتور محمود حسني محمود
أيُّ علم من العلوم يكون في حاجة إلى التنافس بين علمائه لكي يتطور وينمو نحو النضج والكمال. ولا أظن أن عِلْمًا ما يمكن أن يسير سيرًا حثيثًا، وينمو نموًّا متزايدًا، إذا لم تكن روح المنافسة بين علمائه متّـقدة متوهجة، كلٌّ يزاحم الآخر على احتلال مكان بارز، وكلٌّ ينافس الآخر ليثبت أنه أتى بما لم يستطع أحد أن يأتي به؛ ولكنّ الفرق يكون كبيرًا وشاسعًا بين منافسة ومنافسة: فالمنافسة الشريفة النابعة من الحرص والصدق لن تأتي إلا بثمار يانعة طيبة الرائحة، أما إذا تغلبت الأهواء وتصادمت المصالح فلن تأتي المنافسة إلا بسلبيات كثيرة يكون لها أبعد الأثر وأخطره.
وعلم النحو كان واحدًا من تلك العلوم التي تطورت ونضجت سريعًا، وكانت ساحته مجال سباق ومنافسة؛ بدأت هادئة هدوءًا فيه الخير كله لعلم النحو، ولكنها اضطرمت فجأة، فتصادمت العلماء تصادمًا خلّف نتائج عكسية، وترك ثغرات عديدة.
لم يكن علماء النحو في البداية – حين كانت مدرسة البصرة النحوية وحدها في الميدان – منشغلين بشيء، غير تطوير النحو وتثبيت دعائمه، وفرض سيطرته على مجالات أنشطته، وبخاصة مجال الشعر، حيث حدث تصادم بين النحاة والشعراء، كذلك الذي كان بين أبي إسحاق – أكثر النحاة تشددًا – وبين الفرزدق – أكثر الشعراء عنفًا- حينما تَتَبَّع الأول الثاني في شعره وخطّأه في أكثر من موضع، الأمر الذي استفز الفرزدق وأضجره، وجعله يقول لأحد النحاة، بعد أن سأله عن غامض في شعره من ناحية الإعراب: "علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا".
وغاية تطوير النحو عند أوائل النحاة جعلتهم يتنافسون في هدوء وأمانة واتزان؛ فإذا ما أحرز السبق أحدهم، أكبره الآخرون وقدروه حق قدره: أتى عيسى بن عمر (ت 149هـ) إلى أبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ) وقال له: يا أبا عمرو! ما شيء بلغني أنك تجيزه؟ قال: ما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز: "ليس الطيّب إلا المسك" بالرفع. فقال له أبو عمرو: نِمْتَ يا أبا عمر (كنية عيسى بن عمر) وأَدلج الناس؛ ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع. ثم أرسل أبو عمر تلميذين يسألان أعراباً حجازيين وأعراباً تميميين، فنطق الأعراب بما قال أبو عمرو، فلما سمع عيسى ما وصل إليه التلميذان من أقوال الأعراب، أخرج خاتمه من يده، ثم قال لأبي عمرو: "لك الخاتم؛ بهذا والله فقت الناس". فلم تكن نتيجة هذه المناظرة إلا إكباراً من عيسى لأبي عمرو، وإجلالاً.
ولم يكن النحاة آنذاك يفرقون في المعاملة بين نحوي أتى إليهم من البصرة أو نحوي أتى إليهم من الكوفة ليستفيد من علمهم ويستنير به. فلم يجد الكسائي القادم إلى البصرة من بغداد، لدراسة النحو فيها، أي عنت أو مجافاة؛ درس النحو على الخليل بن أحمد، ثم درس على يونس بن حبيب الذي شجعه وأثنى عليه، ثم "صدره في موضعه"؛ وقد قال له مرة بعد إجابة من إجاباته: "أشهد أن الذين رأسوك رأسوك باستحقاق". ولم يك عند يونس أو الخليل تلك الروح التنافسية التي توغلت في نفوس النحاة فيما بعد؛ إذ لم يك في نفسيهما غير إرادة الإفادة، وغير رغبة التطوير في علم النحو ونشره؛ وهذا ما جعل الكسائي لا يحمل لهما في نفسه شيئاً غير التقدير والاحترام، فأثنى على الخليل ثناء عطراً أمام الفراء حين سأله عنه، قال: "مات والله الفهم يوم مات الخليل، لو رأيته لم يعظم في عينك بشر بعده". ثم قال: "والله ما تمثلت في صدري جلالة أدب من وجه ولا علم إلا وجدت ذلك فرعاً من أصل اغترسه، أو سبباً من باب افتتحه، وما رأيت أحداً اعترضه باب من علم فأخال به ثقة يعتمد عليه، أو مثال حسن يستمد منه، إلا والخليل صاحب قصته".
وليت هذه الروح – روح التنافس النظيف، والتقدير المتبادل- بقيت منغرسة في نفوس النحاة وواصلت سيرها؛ فالمتتبع للأمر، المستقصي شعابه المتعددة، يجد أن هذه الروح داخلها شيء من الغثاثة وشيء من مخلفات التعلق بمغريات الحياة على حساب النحو وحقائقه، فانعطف مسار النحو في بعض محطاته، وانحنى انحناءات هنا وهناك، جعلته يسير في اتجاه غير سليم تماماً، وسجلت على دربه نتوءات بارزة، وسلبيات كثيرة.
عاد الكسائي إلى بغداد – مثقلاً بما حمله في جعبته من علم نحاة البصرة، ومما جمعه من لغة البادية – وبدأ يعلو ذكره، وبدأت شهرته تتزايد، فقد واتاه الحظ حينما دعاه المهدي ليسأله عن فعل الأمر من "السواك"، فأعجب المهدي بإجابته، وألحقه ليؤدب ابنه الرشيد. ثم صار مؤدباً فيما بعد للأمين بن الرشيد. وكان نجاح الكسائي في هذا المجال نجاحاً له وللكوفيين جميعاً؛ فقد خلفه الأحمر الكوفي على تأديب الأمين. وصار ابن قادم الكوفي مؤدباً للمعتز قبل أن يصير خليفة. وصار ثعلب مؤدباً لطاهر بن محمد، ولعبدالله بن المعتز. وهذا دليل على أن الكوفيين كانوا مقربين عند الخلفاء والأمراء والوزراء والقادة في بغداد، يؤدبون أولادهم ويعلمونهم النحو على طريقة المذهب الكوفي. فحققوا من وراء ذلك مركزاً اجتماعيًّا بارزاً، وثراء طائلاً. فكان الكسائي عند الرشيد في مكانة لا تقل عن مكانة أبي يوسف القاضي. وقد استثارت هذه المكانة أبا يوسف الذي كان يقول عن الكسائي: "أي شيء يحسن؟ إنما يحسن شيئاً من كلام العرب". وكان قال للرشيد عنه: "هذا الكوفي قد استفرغك، وغلب عليك"، فقال له: "يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي". وكان الأحمر ثَريًّا لكثرة المكافآت التي كانت تنهال عليه؛ فقد روي عنه أنه قال: "قعدت مع الأمين ساعة من نهار فوصل إلي فيها ثلاثمائة ألف درهم، فانصرفت وقد استغنيت". ولم يكن ثعلب بأقل من الأحمر في الثراء، فقد خلف بعد موته: "أحداً وعشرين ألف درهم، وألفي دينار، ودكاكين بباب الشام قيمتها يومئذ ثلاثة آلاف دينار". وكان محمد بن عبدالله بن طاهر قد أجرى عليه في كل شهر ألف درهم، وعلى خليفته خمسمائة درهم، وعلى ختنه ثلاثمائة درهم.
هذا الجاه العريض، وهذا الثراء الواسع الذي حققه الكوفيون، دفع البصريين إلى أن ترنو أبصارهم نحو بغداد، فبدأوا يتعاقبون تباعاً. فأحس الكوفيون بأن ما حقّقوه معرّض للاندثار فعلاً إذا لم يكونوا أكفياء في الحفاظ عليه. ورأوا أن الأمر يتعلق بحياة ومستقبل، وأن فشل أحد الكوفيون سيكون فشلاً للمدرسة الكوفية نفسها، وأن انتصار أحد البصريين سيكون انتصاراً للمدرسة البصرية نفسها؛ فلا بد أن يتأهبوا، ويكونوا صلاباً أقوياء في المجابهة، ولا بد أن يتخذوا كل وسيلة ويلجأوا إلى كل حيلة لردّ البصريين وإعادتهم من حيث أتوا. ومن هذا المنطلق، ومن هذا المناخ النفسي بدأ التنافس عنيفاً؛ ولكنه بدأ أعنف وأشد حين كان يتجلى في قصر خليفة، أو بين يدي أمير أو وزير؛ فقد أشعل هؤلاء نار التنافس بين النحاة، وزادوها اضطراماً، فكانوا يعقدون المناظرات بينهم، ولا يترددون في دعوة نحوي بصري إلى بغداد من أجل مناظرة نحوي كوفي، أو من أجل البتّ في مسألة نحوية دار الخلاف عليها.