وفي 1974 نشرت جوليا كريستيفا كتابها ثورة اللغة الشعرية […] لوتريامون وملارمي: La révolution du langage poétique, de l'avant garde à la fin du XIX° siècle : Lautréamont et Mallarmé حيث كانت طليعة نهاية القرن التاسع عشر وخاصة لوتريامون مجال اختبار لتحليل البنية الشعرية تحليلا تناصيا.
في السنة الموالية، بدا مفهوم التناص وقد تماسك بما فيه الكفاية لكلي يصبغ عليه رولان بارت صفة الرسمية في مادة "نظرية النص" من الموسوعة العامة Encyclopaedia universalis كمادة تدخل التأليف الموسوعي. ومن هذا التاريخ صار مفهوم التناص أمرا مقبولا، ولكن، مع الاحتفاظ، دائما، بحق المراجعة.
وتميزت سنة 1976 بغزارة المساهمات الجديدة في الموضوع، فمجلة شعرية خصصت عددها السابع والعشرين كاملا لمفهوم التناص؛ ونجد فيها من البحوث دراسة لوران جيني L.Jenny (استراتيجية الشكل La stratégie de la forme) وبحث أ.توبيا A.Topia (طباقات جويس Contrepoints Joyciens) ونجد دومنيك مانجينو Dominique Maingueneau بدوره في دراسته (مدخل إلى مناهج تحليل الخطاب، Initiation aux méthde l’analyse du discours, Hachette, Paris, 1976) يقترح نوعا من التبسيط للمفهوم الذي، وبسبب تأثير التعميم البيداغوجي، سيتحول إلى تغليب الجانب العلائقي على حساب المكون التحويلي. وبتحديد مصطلح التناص على أنه "مجموع العلاقات التي تربط نصا ما بمجموعة من النصوص الأخرى وتتجلى من خلاله" يغدو مفهومه أكثر رسوخا وسهولة في الاستعمال لكون حقل تطبيقاته غير بعيد عن المجال التقليدي لـ"نقد المصادر". ونستطيع بالتدريج أن نضم إليه ميادين كلاسيكية أخرى كدراسة المعارضة والمحاكاة الساخرة، وقد يتم أيضا ضم الكثير من الإشكاليات الكبرى للأدب المقارن. إلا أن توسيعا كهذا، مع ما له من مساهمة كبرى في تعميم استعمال مفهوم التناص؛ لن نستغرب وقوفه وراء الاضطراب النظري الذي سيفقد فيه التناص، في المطاف الأخير، ولمدة معينة، الخصائص الرئيسية لمفهومه.
هذا النمو السيء للمفهوم، والذي لا تزال آثاره اليوم قائمة، كان تفاقمه راجعا بدون شك لسنتي 1975-1976 بسبب بعض الاضطرابات الاصطلاحية، خاصة ما يتعلق منها بالمفهوم الفرعي: المتناص [ على وزن المتفاعل ] L’inter****e. فلوران جيني مثلا يقصد به "النص الذي يمتص عددا واسعا من النصوص مع اسمراره في التركيز على معنى معين"، أما ميشال أريفي Michel Arrivé فقد اقترح للمتناص تعريفا يولي فيه الأهمية لجانب العلاقات مما يجعله أوسع من التعريف السابق؛ حيث يرى أنه "مجموع النصوص التي تحكمها علاقات تناصية"، أما ميكائيل رفاتير Michael Riffaterre فلا يرى في المتناص غير النص الذي يشكل مرجعيته، بينما ينتقد بيير مالاندان Pierre Malindain في محاولته تعريف المصطلح، هذا البعد الغيري الخارجي الذي يعرف به المفهوم ويقترح بدلا من ذلك "افتراض وجود فضاء ما في المتناص تتولد فيه تلك العلاقات المتبادلة المكونة للتناص".
على هامش هذا التشويش، لم يتوقف المفهوم عن الانتشار في لغة النقد، ولكن بهيمنة واضحة لجانب العلاقات. واعتبارا لهذا الإشكال، وقصدا منها لتلافي الانحراف، عادت جوليا كريستيفا سنة 1976 لتلح على البعد التحويلي للمفهوم موضحة أن التناص "تقاطع تحويلات متبادلة لوحدات منتمية لنصوص مختلفة". إن الجدل إذن لم يزد إلا حدة في نهاية سنوات السبعين.
ـ سنوات 1980: الإنتاجية وتنقيح المفهوم
كانت سنوات 1979-1982 الغنية بالإصدارات شاهدا على دخول مفهوم التناص مرحلة النضج؛ فكانت أعمال "ريفاتير":
ـ إنتاجية النص: La production du ****e, Seuil, 1979
ـ (التعالق النصي): La syllepse inter****uelle, in Poétique, n°40, Seuil 1979
ـ (أثر التناص): Paris, oct.1979 La trace de l'inter****e, in La pensée,
ـ سيميائية الشعر: Sémiotique de la poésie, Seuil 1982
التي تحتل بكل تأكيد مكان الصدارة في هذه الناحية من البحث النقدي؛ وإن كنا نجد فيها تصورا فضفاضا عند تحديد المفهوم؛ فعنده أن "التناص هو ملاحظة القارئ لعلاقات بين عمل أدبي وأعمال أخرى سابقة أو لاحقة عليه". ويؤدي إجراء "ريفاتير"، على الأقل مبدئيا، إلى المطابقة بجرأة بين التناص والأدبية؛ فعنده أن "التناص هو الآلية الخالصة للقراءة الأدبية، إذ هي وحدها فقط التي تنتج الدلالة في الوقت الذي لا تستطيع فيه القراءة السطرية المشتركة بين جميع النصوص أدبية كانت أو غير أدبية، أن تنتج غير المعنى". ولكن، وكما ينص على ذلك جيرار جنيت الذي يستشهد بهذه التعريفات في كتابه أطراس، فإن "سعة هذه النظرية مصحوبة بالتقييد والجزئية في التطبيق؛ لأن العلاقات المدروسة من قبل ريفاتير هي دائما منتمية لنظام البنيات الدقيقة micro-structures والدلالية الأسلوبية sémantico-stylistiques في سلم الجملة، لمقطع أو نص قصير، شعري في الغالب. الأثر التناصي، حسب رفاتير، مثل التلميح، ينتمي لنظام الصورة الجزئية بالنظر إلى بنية الجملة أكثر ما ينتمي للعمل الأدبي". في الحقيقة، وبالرغم من سيطرة بعض الصياغات على مفهوم التناص، فإن الأبحاث الوفيرة لريفاتير حول (بودلير Baudelaire وبروتون Breton وديسنوس Desnos ودي بيللاي Du Bellay وإيلوار Eluard وجوتيي Gautier وكراك Cracq وهوجو Hugo وليريس Leiris ومالارمي Mallarmé وبونج Ponge..) تتميز بإتاحة استعمال جهاز سيميائي يركز على تفسير ظواهر التناص الأكثر تحديدا. إن مجموع هذه التحاليل تم تقديمها باعتبارها تمثل طريقة جديدة للقراءة ينكشف فيها سر الأدبية ذاته ويستفيد النص من دلالته كاملة، ولكن في التطبيق استعمل المفهوم من قبل ريفاتير في حدود الأداة الأسلوبية والسيميائية المسايرة للفرضيات التي صاغتها كريستيفا، مع تعزيزها بتجارب نصية غنية ومكثفة.
وثاني هذه الإصدارات المهمة في أوائل سنوات الثمانين كان مؤلف أنطوان كومبانيون Antoine Compagnon الذي بدأه حوالي سنة 1975 ونشره سنة 1979 بعنوان اليد الثانية أو اشتغال الاستشهاد (La seconde main ou le travail de la citation, Seuil ) ويقدم فيه لأول مرة دراسة منهجية واسعة للاستشهاد باعتباره ممارسة تناصية. وبإدراك أن الاستشهاد "تكرار لوحدة من خطاب في خطاب آخر"، فإن ذلك يعني كونه إعادة إنتاج للملفوظ (النص المستشهد به) الذي يقتطع من نص أصل (نص1) ليتم إدخاله في نص مستقبل (نص2). وإذا كان هذا الملفوظ المستشهد به يبقى على حاله بالنظر إلى دواله، فإن تغيير الموقع الذي يتعرض له يحول دلالته وينتج قيمة جديدة، ويتسبب في تحويلات تؤثر في دلالة النص المستشهد به والنص المستقبل له معا، عند نقطة الاندماج بينهما. بهذا التحديد المنهجي لقضية الاستشهاد يقترح أنطوان كومبانيون اعتباره نموذجا للكتابة الأدبية التي تتسم بنفس مقتضيات تحويل العناصر والتوفيق بينها: "دور الكتابة هو إعادة كتابة كلما تعلق الأمر بتحويل عناصر متفرقة ومنقطعة داخل كل مستمر ومتماسك […] كل كتابة هي تجميع وشرح واستشهاد وتعليق". بطبيعته الهجينة (قراءة وكتابة في نفس الوقت) ينظر إلى الاستشهاد على أنه وجه من أوجه التناص الذي من خلاله تنكشف قضية أعمق لا يمثل هو فيها غير أثر من آثارها المميزة، وهذه القضية هي اشتغال الكتابة والطاقة التي تسري في هذه البنية المتحركة.
كانت دراسة أنطوان كومبانيون مثلها مثل أعمال ريفاتير –ولكن من وجهة نظر أخرى- تذهب في اتجاه إعطاء قيمة أكثر عمومية للتناص باعتباره معطى رئيسا لتفسير الظاهرة الأدبية، ولكن هذا التقدير الواسع يبقى محصورا في دراسة الأشكال الأكثر وضوحا للتناص (أي في كونه حضورا فعليا وحرفيا لنص في آخر)، ويغدو مفهوم التناص نفسه ثابتا في بعده المزدوج: العلائقي والتحويلي. وإذا كانت الأدبية قد اعتبرت أفقا له، فذلك بسبب توضيح بعض جوانب الوحدة بين الاستشهاد والكتابة.