mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي قِرَاءَةٌ فِي كتاب: “اللغةُ الأدبيَّةُ والتعبيرُ الاصطلاحِيُّ” للدكتور أحمد يوسف

كُتب : [ 04-06-2016 - 07:00 AM ]


قِرَاءَةٌ فِي كتاب: “اللغةُ الأدبيَّةُ والتعبيرُ الاصطلاحِيُّ” للدكتور أحمد يوسف – بقلم د. وليد محمد عبد الباقي
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على عبدِه ونبيِّه معلمِنا محمدٍ – صلّى الله عليه وسلَّم – ، الذي رسَّخ في شِيَمِ تَابِعِيهِ ” إِنْزَالَ الناسِ مَنَازِلَهم “، ولا سيَّما أُولُو الفضلِ من علمائِنا ورثةِ الأنبياءِ، مِمَّنِ انْعقدَتْ عَلَيْهِمُ الخناصرُ.

واعترافًا منَّا – رَعِيلَ التلامذةِ المعاصرين – بِفضْلِ أساتذتِنَا ، وإيمانًا بل يقينًا منَّا بأنَّنَا أضيافٌ على موائدِ فكرِهم ، كان لزامًا علينا أنْ نذكرَ جُهُودَهَم في كلِّ نادٍ ، ومِنْ ثمّ جاءتْ فكرةُ هذه القراءةِ ، والتي تتناول في تضاعيفها تحليلًا موجزًا لعملٍ بحثيٍّ قَدَّمَه فضيلةُ الأستاذ الدكتور أحمد يوسف علي – بَارَكَ اللهُ عُمُرَهُ – للمكتبةِ اللُّغوية والمكتبةِ الأدبيَّةِ كلتيهما ، فكانتِ الفائدةُ جمَّةً، والنفعُ جليًّا.

وليسَ هذا بغريبٍ على أساتذتِنا؛ فهم يدركون معنى الإلمامِ من كلِّ علمٍ بطَرَفٍ ، فالأمرُ لا يقف عند تَخصُّصٍ، فأستاذُنَا الدكتور أحمد هو أستاذٌ في النقدِ الأدبيِّ والبلاغةِ، وأستاذٌ أيضًا في علوم اللغة، وله إسهاماتٌ في الجانبِ اللغويِّ – كما يتضح في سيرته العلمية -؛ إذ إنه قد أشرفَ على رسائلَ لُغَويةٍ عديدة، منها: ” النواسخُ الحرفيةُ في القرآنِ الكريمِ ” و” الجملةُ الخبريةُ في شعرِ عليِّ بنِ الجَهْمِ “، و” الرَّبْطُ والارتباطُ في شعرِ البحتريِّ “، و” الإشاراتُ الإِلهيَّةُ دراسةٌ لُغَوِيَّةٌ “، و” شعرُ ابنِ حَيّوس دراسةٌ معجميةٌ دلاليةٌ” ، وهي رسائل ماجستير ودكتوراه بجامعة الزقازيق. وفضلاً عما تقدم ذِكْرُهُ فله كثيرٌ من الإسهاماتِ اللُّغويةِ الخصبة، من ذلك مثلاً مُصَنَّفُه ” سُلْطَةُ اللغةِ ووظيفتُهَا”، و” تَأَمُّلاتٌ في سُورَةِ العَادِيَاتِ”.

جمَعَ فضيلة الدكتور أحمد يوسف في بحثه ” اللغة الأدبية والتعبير الاصطلاحي ” بين طرافةِ الفكرةِ، والسَّبْقِ في الطَّـرْحِ، والمزج بين الدرسِ الأدبيِّ التراثيِّ، والدرسِ اللُّغويِّ اللسانيِّ الحديثِ، فألَّف في بحثه بين صُنُوفٍ شتى من علوم اللغة المختلفة؛ حيث يرى القارئُ علومَ اللغةِ الجمالية بما تتضمنه من درس أدبي ودرس لغوي ، وعلومَ اللغةِ التصويبية بما تتضمنه من أنساقٍ نحويةِ، ودلالية، وصوتية، ومعجمية، وصرفية [1]، فأَسْفَرَ بحثُه عن لَبِنَةٍ جديدةٍ في صَرْحِ البحثِ العلميِّ في العلومِ الإنسانيةِ.

طُبِعَ هذا البحثُ ضمن إصدارات نادي القصيم الأدبي ببُرَيْدَةَ 1415هـ، فبلغ مائةً وخمسينَ صفحةً من القَطْعِ الصغيرِ، فهو كتابٌ جليلٌ عالج فيه المؤلف فكرةَ التطور اللُّغوي في التعبيرِ الاصطلاحيِّ، وعَلاقةَ لغةِ الأدبِ بهذا التطورِ الذي حرَّر التعبيرَ الاصطلاحي من جُمُودِ زمنِ الاستشهادِ والاحتجاجِ، فقد أراد أن ينفكَّ من إسار المُصادرة الفكرية، فانطلقَ في بحثِهِ من منهج وصفيٍّ، وتخلَّلَهُ منهجٌ استقرائيٌّ ناقصٌ، فقد تتبَّعَ فكرتَه عند أبي منصورٍ عبدِالملكِ بنِ محمد بن إسماعيل الثعالبي (ت: 429هـ) من خلال كتابِه ” ثمارُ القلوبِ في المضافِ والمنسوبِ”، وهو كتاب ضخم أوقفه الثعالبي على كمٍّ هائلٍ من التعبيرات الاصطلاحية زادت على مائتين وألف تعبيرٍ، جاءت في سياقاتٍ تاريخية دالَّةٍ على وَحْدَةِ الموضوع.

ولمّا كان أبوالحسن عليُّ بنُ العباسِ بنِ جريج الرومي (ت:283هـ) الشاعر الفحل هو أكثرُ شاعرٍ استقى منه الثعالبي تعبيراتٍ اصطلاحيةً من شعره في كتابه “ثمار القلوب” ، توفَّر المؤلف على أبياتِ شعره المُسْتَشَهَدِ بها، وجعلها هي عَيِّنَةَ البحثِ، أو مادة البحث التي تمثل اللغةَ الأدبيةَ المَعْنِيَّةَ بالدرسِ من حيث المجازُ والتركيبُ والدَّلَالةُ في ضوء نظرية الحقول الدلالية.

جاء البحثُ مكوَّنًا من: مقدمةٍ ساق فيها المؤلف الدافعَ الذي استحثَّهُ على تأليف هذا البحث، والخطوط العريضة الرئيسة التي بنى عليها بحثه، والغاية التي يسعى إليها من تأليف هذا البحث.

وأردفَ المؤلف المقدمة بثمانية مباحثَ متفاوتةِ الكمِّ، وجاء عقيبَها ملحق بالتعبيرات الاصطلاحية التي استخدمها ابن الرومي وذكرها الثعالبي ، ثم ختم البحثَ بفهرس المحتويات، وثَبَتَ المصادر والمراجع التي اعتمدها المؤلف في بحثه.

دَلَفَ الباحث إلى دراسته بمبحثٍ عنوانُه ” الأساسُ النظريُّ ” ، فرَّق فيه بين أسلوب المبدع في الدلالة على الذات، وفي الدلالة على اللغة، فمن حيث دلالة الأسلوب على الكاتب فإنه يمثلُ طَابَعًا فَرْدِيًّا يتصل باستخدامه اللغةَ في مجالات الإبداع الأدبيِّ، أمّا الأسلوب من حيث الدلالة على اللغة فهو يمثل طَابَعًا جماليًّا جماعيًّا يكشف عن ثوابت جمالية تخضع لمَنْحَى إجماعي مرتبط بأنساق اللغة صوتيًّا ، وتركيبيًّا ، وبِنْيَةً صرفيَّةً، ومعجميًّا، ودلاليًّا.

وقد صرَّح المؤلفُ في هذا المبحثِ بأنه يهَدُفُ من هذا البحث إلى ” دراسة الارتباط القوي بين طبيعة التعبير الاصطلاحي وطبيعة لغة الأدب ” وذلك في إطار اللغة التي تجمع بين الإبداع والتعبـير الاصطلاحي بوصفه جزءًا أصيلًا من تراثِ هذه اللغة.

جاء المبحثُ الثاني بعُنْوان ” طبيعة التعبـير الاصطلاحي” ، وفيه عرض الباحث لما يُطلق عليه التعبير السياقي con**** expression موضحًا أن المراد هنا سياق التركيب الخاص بالتعبـير الاصطلاحي لا سياق النص المُتَضَمَّن السياق اللُّغوي وسياق الموقف، وفي هذا الضرب من التعبير يتجاوز التركيب الدلالة المعجمية لوحداته اللفظية المؤلَّف منها، إلى معانٍ أُخَرَ تكمن في الدلالة البلاغية ، ويمكن استكناه التعبير السياقي للوقوف على مراميه عن طريق المجاز أو الكناية ، ومن ثمَّ يتسنَّى للقارئ الناقد تجاوز الصور المحسوسة إلى المعاني المجردة بوساطة المجاز.

ولا غرو فقد ذكر الأستاذ العقاد – رحمه الله – أن ” اللغة العربية لغة المجاز والمجاز هو الأداة الكبرى من أدوات التعبير الشعري ؛ لأنه تشبيهات وأخيلة وصور مستعارة وإشارات ترمز إلى الحقيقة المجردة بالأشكال المحسوسة ، وهذه هي العبارة الشعرية في جوهرها الأصيل “[2]

وفي هذا الصدد قدم المؤلف نماذج تعبيرية مجازية؛ نحو: “ضرب كفًّا بكفٍّ”، و” نَغْمَةُ داودَ” وغير ذلك من التراكيب التي يَسْبُرُ علمُ الدلالةِ أغوارَها مبتدئًا بتآلُفِ المفرداتِ نحويًّا، منتهيًا بما يُبطنُه التركيبُ من دلالات إيحائيةٍ تتناسبُ مع غايته، “ونستطيع أن نقول إن الاختيار الدقيق للكلمات في نظامها النحوي هو أساس المعنى الذي يبحث عنه النقاد في العمل الأدبي “[3] ، وإلى هذا أشار رتشارد بلاكمور في كتابه ” ثمن العظمة ” ؛ فقد ذهب إلى أن الفنون القولية ، تعتمد على أمرين مهمين[4]:

الأول: الكلمات، وهي المفردات اللغوية بكل ما تحمله من دلالات أولية عن طريق استعمالاتها المعجمية.

والآخر: طرق ترتيب هذه الكلمات، وتواشجها في هيئة تركيبية تُوجِدُ للكلمات دلالاتٍ سياقية جديدة.

أما المبحث الثالث ” طبيعة اللغة الأدبية ” فقد بدأه المؤلف بذكر توجُّه الأسلوبية في طَوْرِ نشأتها إلى الاهتمام بالنص بوصفه لغةً أدبيةً معبرةً عن أسلوبِ المبدع باعتباره مُرْسِلًا ، وأهميته للقارئ باعتباره مُتَلَقِيًا، وبأهمية النص الأدبي عَيْنِهِ بَوْصِفِه ظواهرَ لُغَويَّةً مختارةً، لها إيحاءاتٌ ودلالاتٌ جَوَّانيةٌ، ومن ثمَّ فالأسلوبيةُ ” تكشفُ عن القيمةِ التأثيريةِ للكلامِ من ناحيةٍ جماليةٍ ونفسيةٍ وعاطفيةٍ ” [5] فالذي يتحكم في الأمر إذًا هو رغبة المبدع في إيصال انطباعٍ وجداني إلى القارئ أو السامع، والمترادفات اللغوية هي محك الاختيار، وهذه معالجةٌ مَنُوطٌ بها علمُ الدلالةِ؛ فالمعنى الدلالي مرتبط بالوحدة الكلامية، وعلماء اللغة ميَّزوا ثمَّة بين علم الدلالة بوصفه القدرة على استكناه النص (معرفة اللغة)، وما يعرف بالذرائعية بوصفها الأداءَ والإنجازَ (استخدام اللغة) [6].

في المبحث الرابع (اللغة إبداع جماعيٌّ) يتجاوز المؤلف فكرةَ ثبات التعبير الاصطلاحي إلى فكرة التطور اللغوي و الدلالي بتطور الزمن؛ إذ إنه يرى أن الأمر لايقف عند عصر الاستشهاد الذي ينتهي في الحضر بوفاة إبراهيم بن هرمة (ت:155هـ) أي منتصف القرن الثاني الهجري، وأواخر القرن الثالث الهجري في البوادي، وهو مبدأ مجحف يغبن بعض المبدعين الذين أَثْرَوْا اللغةَ حقَّهم، وما عليهم جُنَاحٌ سوى معايشتهم لعصورِ ما بعد زمنِ الاستشهادِ اللغوي .

ولو أنصف اللغويون والنقاد لأدركوا أن الإبداع غير مرتبط بزمن أو عصر، فآليةُ المجاز الإنتاجية تُسَايرُ الزمنَ، وتُواكِبُ ثقافاتِ العصورِ المتغيرةَ المتطورةَ، وهذه الآلية المجازية تمثل مع النظام الدلالي جانبًا إبداعيًّا لا يخرج عن إطار اللغة الجماعية؛ إذ إنه إبداع في نطاق نظم اللغة وقواعدها.

أما المبحث الخامس ( التعبير الاصطلاحي في التراث الجماعي) ، فهو يكشف للقارئ حقيقةً جليةً لا تخفى على ذي البصيرة، وهي أن التعبيرات الاصطلاحية تزخر بها مصادر اللغة السماعية على اختلاف مشاربها من قرآنٍ كريمٍ، وحديثٍ نبويٍّ، ومأثورات العرب القدامى شعرًا ونثرًا، فكان ذلك سببًا في نضج العقل العربي بعد ذلك ، وتشكُّلِه بلاغيًّا ونَقْدِيًّا، بحيث يمكن إنتاج مجازاتٍ (تعبيرات اصطلاحية) موافقة لثقافة عصر العقل المُبدع أو المُنتج، وكذلك يمزج بين التراث الاصطلاحي وما يستحدثه عمله، ومن ثمَّ فالمعنى الذي يراه النحويون مُمَثِّلاً ضربًا من الإحالة، يراه اللغويون -الذين أَوْلَوْا النصَّ اهتمامًا ورعايةً- ممكنًا في ضوء المجازِ، فمثلًا في قوله تعالى: “فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ” [الدُّخَان:29] تجد أن المعنى العُرْفيَّ في ذهن المتلقي يأبى إسناد البكاء إلى السماء، بيد أن القارئ الذي يتمتع باستكشاف المعنى الفني (الانطباعي الذي يُبْنَى على الحس) يستبدل المعنى الفني بالمعنى العرفي (الذي يرتبط بدلالات المعجم)، وحينئذٍ يُفْسِحُ المجالَ للمجاز، ” وهكذا يمكن للمجاز أن يُنقذ الجملة من أن تُنْسَبَ إلى الإحالة وعدم الفائدة… فالتبريرُ البيانيُّ قد أنشأ علاقة المشابهة بين المطر والبكاء، فجعل لفظة السماء قرينة إرادة المشابهة “[7].

انتقل المؤلف أستاذنا الدكتور أحمد يوسف بعد ذلك إلى المبحث السادس (ثمار القلوب..علامة على الطريق) ليُبْرِزَ دور الثعالبي في كتابه ثمار القلوب، وعدم تأثره بما كان يدور في بيئات المثقفين من تفضيل بعض الشعراء على بعض، والحطِّ من شأن البعض، وإهمالِ البعض الآخر؛ فقد بنى الثعالبي كتابه على وحدة عضوية موضوعية، وقد عُنِيَ بالتعبيرات الاصطلاحية أنماطِها المختلفةِ وصفيَّةً كانت أم إضافيَّةً، وراح يتلمسها في مقالات العرب، وفي شعر الشعراء في العصور المختلفة بَدْءًا من الجاهلي، مرورًا بصدر الإسلام، والأُموي، وختامًا بعصره العباسي، وبعد أن جمع مادته وبوَّبَها، وزعها على واحد وستين بابًا تتمايزُ فيها المفرداتُ والتراكيبُ في ضوء نظرية الحقول الدلالية ، فانقسمت هذه المادة اللغوية إلى أربعة محاور رئيسة؛ هي الموجودات، والأحداث، والمجردات، والعلاقات. و قد تَفاوتَ الجانبُ الكَمِّيُّ بين هذه المحاور، واختلف وَفْقًا لما يُنتجه كلُّ محور من مُرَكَّبَاتٍ إضافية.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-06-2016 - 07:01 AM ]


وقد عرض المؤلف في مبحثه السابع ( مصادر الثمار ودلالتها) للمصادر التي استقى منها الثعالبي المادة اللغوية التي جمعها في كتابه (ثمار القلوب). فالثعالبي لم يُغفل أحدًا، فجمع من بيئة الشعراء، ومن بيئة الكُتَّاب، ومن بيئة السَّاسة.

وقد تَفَرَّدَ ابنُ الرومي وَسْطَ هذا الزَّخَمِ باستقاء أغلب التعبيرات الاصطلاحية من شعره، أما بيئة الكُتَّاب فقد حَظِيَ أبوعثمان بن بحر الجاحظ (ت:255هـ) بحظٍّ وافرٍ من اهتمام الثعالبي، فقد أورد كثيرًا من تعبيراته الاصطلاحية في هذا الكتاب.

ولكن لماذا اختار أستاذنا الدكتور أحمد أن يكون الجانب التطبيقي من بحثه هو مادة شعر ابن الرومي ؟ أي: لماذا ابن الرومي خِصِّيصَى؟

اختار المؤلف شعر ابن الرومي أنموذجًا للتطبيق، مُصَرِّحًا بأن ما جعله يُقدِمُ على هذا الاختيار هو أنَّ ابن الرومي قد اتجه بشعره نحو الناس، فوصف مناشط حياتهم البسيطة أكثر مما وصف كبار القوم – مخالفًا غيره من الشعراء- واستدعى في شعره رموزًا تاريخية وشعبية على نحوٍ ربما لا نجده عند غيره سوى أبي تمام، فضلًا عن توغل شعره في خلجات النفس الإنسانية من حب وبغض، وجود وبخل، وجمال وقبح، ومكر و دهاء و ادعاء.

هذا ما صرَّح به أستاذنا من أسباب، وثمة سببٌ آخرُ أزعم أنه يمثل دافعًا وراء اختيار ابن الرومي؛ إذ يغلب على ظني-وأرجو أن أكون مُصيبًا في زعمي وظني- أن أستاذنا باختياره لشعر ابن الرومي يرغب في الانتصاف لهذا الشاعر البائس، الذي غُمِطَ حقَّه في حياته؛ إذ إن الناس قد نفروا منه لحسه التشاؤمي، وقد كَرِهَهُ الساسةُ لكوْنه نَزِقَ اللسان في شعره، فهو في جُلِّ شِعْرِه يهجو مَنْ يَحُطُّ من قَدْرِه.

وقد عاش هذا الشاعر حياة أقرب إلى المأساة؛ فقد فقد أبويه، ثم أخاه الأكبر، ثم رُزِئَ بوفاة زوجه، وفُجع بثُكْلِ أبنائه واحدًا تلو الآخر بعد أُمِّهِم، بله الخطوبَ الأخرى من احتراق ضيعته، وسَلْبِ دارِهِ، ولعل تواتر هذه الخطوب هو ما جعله يشكو قسوة الدنيا وشدتها؛ حيث يقول في بعض شعره:

حُرِمتُ في سِنِّي وفي مَيْعَتي قِرَايَ من دنيا تَضيَّفْتُها

لَهْفي على الدنيا وهل لــهفةٌ تُنْصِفُ منها إن تلهَّفْتُهَا

كــم آهَــةٍ لي قـــد تـأوَّهْتـُهَـا فـيها ومِنْ أُفٍّ تأَفَّفْــــتُها

أغْـدُو ولا حَـــالٌ تَسَنَّمْتــُهَــا فيها ولا حَـــــالٌ تَرَدَّفْتُهَا

إن لواعج نفسِه العاريةِ تتكشف لنا بيتًا بعد بيتٍ، وقصيدة بعد قصيدة، “ها هو ذا شاعر قريب منا، مثلنا، لا يغشنا، ولا يُزَيِّف، ولا يتعالى، ولا يتصنع، لكنه يقوى بالمكاشفة، ويكسب التلقي بهذا القرب النفسي الآسر،وهذه الوجدانية الحارة المتدفقة”[8]

ناهيك عن انتصاف المؤلف لهذا الشاعر المطبوع في بحثه هذا، فإنه ليس الأول منه، فله كتابان كاملان عنه، وهما: (ابن الرومي الصوت والصدى في النقد القديم) و (نقد الشاعر ابن الرومي في مدرسة الديوان)، كما أنه وجَّه تلامذته من الباحثين إلى دراسة شعر ولغة هذا المُفَلِّقِ، وقد سبق أن أَشْرَفَ على رسالة دكتوراه عن (وظيفة اللون في شعر ابن الرومي).

وقد قام أستاذنا المؤلف باستقراء وتتبع العصور التي استقى الثعالبي مادته من التعبيرات، ثم أحصى أقوالَ من مَثَّل لهم الثعالبيُّ عددًا، وكانت النتيجة على النحو التالي:

المرتبة الأولى: العصر العباسي الممتد من الأول إلى الآخر.
المرتبة الثانية: عصر صدر الإسلام ، وكان أبرز ممثليه :
النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فقد أخذ الثعالبي من تعبيراته – عليه الصلاة والسلام – ستةً وأربعين تعبيرًا.
علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وقد أورد عنه تسعةً وعشرين تعبيرًا.
عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وقد أورد له ستةً وعشرين تعبيرًا.
المرتبة الثالثة: العصر الجاهلي، وكان امرؤ القيس ممثلًا لأكبر وقفات الثعالبي؛ إذ إنه أخذ من تعبيراته واحدًا وعشرين تعبيرًا اصطلاحيًّا.
وقد ختم المؤلف مباحثه بثامنها (ثمرة من كتاب الثمار) ، ووزَّع مادة الثعالبي في الثمار – في إطار المحاور الدلالية التي ترتكز عليها نظرية الحقول الدلالية – إلى أربعة محاور:

الأول: الموجودات : بنوعَيْها: الحيَّة منها كالإنسان وجوارحه، وغير الإنسان من الأحياء كالحيوان. وغير الحية ومنها الطبيعي والمصنَّع والمركَّب كالخمر والخاتم والملبس.

الثاني: الأحداث: ومنه:

أ – الحدث الانفعالي، نحو: نَغْمَة داود – حكاية القرد.

ب – الحدث الوظيفي، نحو: نوم الفهد – مطمح النسر.

ج – الحدث الفكري، نحو: فصاحة قُسٍّ – بلاغة عبدالحميد.

الثالث: العلاقات: وهي تلك العلاقات التي تربط طَرَفَيِ التعبيرِ الاصطلاحي، وهذه العلاقات متعددة؛ منها الزماني، و المكاني، ومنها العقلي والإرشادي.

الرابعة: المجردات: قَصَرَه أستاذنا د.أحمد مختار عمر-رَحِمَهُ اللهُ- على”ألفــاظ الخصائص الفكرية”[9].

وقد انتقل المؤلف بعد ذلك إلى بيان دور الكناية في التعبير الاصطلاحي بما تؤديه من وظائف مرتبطة بالتعريض، ومن هذه الوظائف: الرغبة في الإخفاء، والتلطُّف صيانةً للسان، والشمول والاختصار.

ومن أمثلة الكناية للإخفاء والتلطف قوله تعالى كنايةً عن الجماع: “فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا” [الأعراف:189]، ومن أمثلة الكنايات بغرض الشمول والاختصار قولهم: نار إبراهيم، وعصا موسى، وبنات المنايا كناية عن السهام، وأُمُّ دِفْرٍ عن الدنيا.ثم خُتِمَ هذا المبحث بالتفرقة بين الاستعارة المعرفية والاستعارة التعبيرية، والتأكيد على أن التعبيرات غير مقصورة على المُرَكَّب الإضافي فحسب – وإِنْ كان هو النمط السائد في كتاب الثمار- بل إن هناك أنماطًا أخرى كالمُرَكَّب الوصفي، والإسنادي، وقد يكون التعبير الاصطلاحي كلمةً واحدةً مُعَبِّرَةً أو واصفةً لأحد الناس، أو مُشيرةً إلى أحدهم بقولهم: هو (يس)، أو (آية)، أو (أذن).

وبعد أن فرغ المؤلف من ثمانيةِ المباحث التي هي بناءُ بَحْثِهِ، أعقبها بملحقٍ للتعبيرات الاصطلاحية الواردة في شعر ابن الرومي، وقد بذل جُهدًا بالغًا

-شَكَرَهُ اللهُ له-في هذا الملحق؛ حيث ساق أربعةً وستين تعبيرًا مشفوعةً بأبيات ابن الرومي، وقد رتبها ترتيبا هجائيًّا؛ حتى يَسْهُلَ الاطلَّاعُ على هذه التعبيرات الاصطلاحية.

وبعد فأستطيع بعد قراءتي لهذا المصنف القيم أن أؤكد أن المؤلف أستاذنا الدكتور أحمد يوسف قد نجح إلى حدٍّ بعيدٍ في تحقيق غايته التي سعى إليها من خلال هذا البحث، فقد رصد بمنهجٍ استقرائيٍّ-استقراء ناقص- التعبيراتِ الاصطلاحيةِ، وعرض بمنهجٍ وصفيٍّ مدى العَلاقة بين لغةِ الأدب وقوةِ ارتباطها بالتعبيرات الاصطلاحية. وقد اتصف مسلكه في الطرح والدراسة بالموضوعية المُتَّسِقةِ مع أسس التفكير العلميِّ، واتسم بالتحليل القائم على فهم النصوص ، فهو بحقٍّ قامةٌ علمية لها إسهاماتها في صرح البلاغة والنقد الأدبي، ولا نَعْدَمُ أثرَها في حماية اللغة، وأُوصي من يقرأُ هذا العرضَ الموجزَ الذي قَدَّمْتُه بوَصَاةٍ واحدة هي: “اُقْصُدِ الْبَحْرَ وخلِّ القَنَوَاتِ”، فدُونَكَ –أخي القارئ- كتابَ أستاذِنا، فارجعْ إليه، واقرأْه تَزْدَدْ منه علمًا بما لم تُحِطْ به من قبلُ.

[1] المدخل إلى دراسة النحو العربي ، ص31 : د علي أبوالمكارم ، دار غريب ، القاهرة ، ط1 ،2007

[2] اللغة الشاعرة ص27: الأستاذ عباس العقاد ، دار نهضة مصر ، ط5 ،2009م

[3] النحو والدلالة ، ص166: د0 محمد حماسة عبداللطيف ، دار الشروق ، القاهرة ، ط1 ،1420ه – 2000م

[4] المصدر السابق :ص165

[5] الأسلوبية دراسة وتطبيق ص6: عبدالله بن عبدالوهاب العمري ، ضمن منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بشبكة المعلومات الدولية 1428هــ

[6] اللغة والمعنى والسياق ،ص31 : جون لاينز ، ترجمة د عباس صادق الوهاب ، دار الشئون الثقافية العامة – بغداد ، ط1 ،1987م

[7] مقالات في اللغة والأدب ، 2/257: د تمام حسان ، عالم الكتب ، القاهرة ، ط1 ،1427هـ- 2006م

[8] جمال العربية ، ص184: فاروق شوشة ، كتاب مجلة العربي ، 2003م

[9] علم الدلالة ،ص107: أحمد مختار عمر ، دار العروبة ، الكويت ، ط1 ،1982م

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-06-2016 - 09:04 AM ]


الأستاذ الدكتور أحمد يوسف علي
- من مواليد الدقهلية 1953م
- أستاذ النقد الأدبي والبلاغة بجامعتي الزقازيق وقطر
- عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات السردية ، وعضو مؤسس لها
- عمل رئيسا لقسم اللغة العربية بآداب الزقازيق ثم وكيلا للكلية للدراسات العليا
- درّس بعدد من الجامعات العربية الزقازيق وصنعاء والإمام محمد بن سعود وقطر
- صدر له العديد من الكتب والأبحاث العلمية والمقالات الصحفية ، نذكر منها :
1 – نظرية الشعر رؤية لناقد قديم
2- مفهوم الشعر عند الشعراء العباسيين من بشار إلى أبي العلاء
3- قراءة النص دراسة في الموروث النقدي
4- الاستعارة المرفوضة في التراث النقدي والبلاغي
5- دوائر النقد الأدبي
6 – نقد الشعر ونقد الثقافة
7 – ابن الرومي الصوت والصدى في النقد القديم
8 – نقد الشاعر في مدرسة الديوان
9 – اللغة الأدبية والتعبير الاصطلاحي
10 - وميض الفكر دراسات عن مفهوم التراث وطه حسين وشوقي ضيف


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سطور في كتاب (22): من كتاب في الميزان الجديد للدكتور محمد مندور مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 04-29-2017 11:47 AM
سطور في كتاب (19): من كتاب المعارك الأدبية للدكتور أحمد أنور الجندي مصطفى شعبان مقالات مختارة 4 04-24-2017 10:26 AM
سطور في كتاب (18): من كتاب البحث اللغوي عند العرب للدكتور أحمد مختار عمر مصطفى شعبان مقالات مختارة 2 04-23-2017 07:18 AM
شعرية التناص في " أنا يوسف يا أبي "للدكتور محمد صلاح زكي أبو حميدة جامعة الأزهر غزة ناجي ريحان مشاركات مفتوحة 1 09-15-2015 12:03 PM
كتاب جديد للدكتور عبد العلي الودغيري ( اللغةُ العربية في مراحل الضَّعفِ والتبَّعيّة ) عضو المجمع مشاركات مفتوحة 0 04-07-2013 08:02 AM


الساعة الآن 05:55 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by