.
أزمة الشاعر المعاصر
يمر الشاعر السعودي خاصة والعربي عامة في هذا الزمن بأزمة شعرية تمثلت في النموذج، وأعني به نموذج الشاعر ونموذج القصيدة، فغياب الشاعر الأصيل الشاعر المتمكن لفظًا ومعنىً وصورة وخيالاً وإبداعًا وفنًا أصيلاً أقول غياب الشاعر عن الساحة الشعرية خلق في نفس الشاعر المعاصر أزمة نفسية وفكرية.
كما أنَّ غياب نموذج القصيدة العربية الأصيلة المنهجية القائمة على حسن السبك والصياغة وروعة الألفاظ وجمال الصور والبناء المحكم من حيث الوزن والقافية، بالإضافة إلى وجود شعراء محدثين تسلقوا الفن الشعري تمردوا على القصيدة العربية حتى أدى إلى ظهور ما يسمى بـــ ( قصيدة النثر ) أو ( الشعر المنثور ) الذي لا طعم له ولا رائحة. أقول غياب نموذج القصيدة خلق في نفس الشاعر أزمات نفسية وفكرية وثقافية تمثلت في عدم الثقة.
هذان الأمران أو الثلاثة دفعت بعض شعرائنا إلى الإنزواء وعدم الحضور، وبعضهم الآخر ذهب يبحث عن النموذج الشعري الغربي، فهناك عدد من الشعراء يزورون الشعر، فمن يتقن لغة أجنبية إنجليزية أو فرنسية أو ألمانية أو سويسرية ذهب يترجم الشعر الغربي حرفيًا وفنيًا وفكريًا يترجمه لنفسه ليقتنع به ثم يصوغه في قوالب شعرية عربية بعيدة عن قيم الشعر العربي وأصالته ليقنعنا بفنه الجميل.
فنحن نسمع الشاعر الذي يتغزل بـــ (عشتار ) آلة الحب والجمال، وآخر يعاتب الآلهة، وثالث يدعو إلى الرذيلة، ورابع يمجد قيم الخنا كما يفعل الشعراء الغربيون حذو القذة بالقذة، بل حتى أغلفة الدواوين خرجت عن عباءة القيم، فأنت ترى غلاف ديوان امرأة عارية أو تماثيل لآلهة اليونان والرومان أو لوحات فنية لرسامين غربيين، أو لوحات سريالية لا معنى لها، والأطم من هذا تجد الترجمة الحرفية لعناوين الدواوين عن دواوين شعراء غربيين.
وللأسف انفتح الإعلام العربي على هؤلاء الشعراء وراح يطبل ويصفق ويزين لهم شعرهم، وانجرف عدد ممن تسلق سلم النقد الأدبي وراح هو الآخر ينفخ في رماد هؤلاء الشعراء فسطروا الدراسات النقدية والأدبية بتمجيد أعمال أولئك الشعراء العارية من الفن والإبداع، وظهر ما يسمى بـ ( الشللية النقدية ) فخانوا أمانة النقد وأمانة الكلمة.
أمَّا الشعراء الأصلاء الذين تواروا خلف الظل وتركوا لأولئك الساحة يمرحون ويسرحون فقد حوربوا إعلاميًا ونقديًا، وأبعدوا قسرًا عن الساحة الشعرية حتى أصبحوا لا بواكي لهم.
د. خالد بن قاسم الجريان
نائب رئيس نادي الأحساء الأدبي
.