mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د. محمد جمال صقر
عضو المجمع

أ.د. محمد جمال صقر غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 282
تاريخ التسجيل : Oct 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 1,361
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=4

كُتب : [ 03-16-2013 - 08:02 AM ]


فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=4
للدكتور محمد جمال صقر
أَسْئِلَةُ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ
ومن قياس مهارتي الاستماع والتحدث الذي يطورهما، أن أعدد عليكم التجارب وأغيرها، فبمعالجة التجارب الكثيرة المختلفة تتكون الخبرة العميقة، وتتطور المهارة الصادقة التي ينتقل فيها الماهر من مقام عدم الإحساس بالخطأ إلى مقام عدم الإحساس بالصواب، ويا بُعْدَ ما بين المقامين، مثل بعد ما بين العلم والجهل، والصحة والمرض، بل مثل بعد ما بين الحياة والموت!
وفيما يأتي أتحدث إليكم بكلام آخر جديد عليكم -أو ينبغي أن يكون جديدا عليكم حتى تستقيم هذه التجربة أيضا- أحب من خلاله أن أقيس درجة مهارتي بالتحدث، ودرجة مهارتكم بالاستماع، بالأسئلة الآتية التي لا تمنع اقتراح غيرها:
- لِمَاذَا كَثُرَتْ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْأَعْلَامُ؟
- مَاذَا حَفِظْتُمْ مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ فِي هَذَا الْكَلَامِ؟
- مَا جُمْلَةُ الْحَالِ الَّتِي حَوَّلَتْ أَحْدَاثَ هَذَا الْكَلَامِ؟
- كَيْفَ ائْتَلَفَتْ فِي هَذَا الْكَلَامِ آرَاءُ الصَّحَابَةِ الْمُخْتَلِفَةُ؟
- مَا الْأُسْلُوبُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى بِنَاءِ هَذَا الْكَلَامِ؟
- مَا أَلْطَفُ مَظَاهِرِ الْقَصِّ فِي هَذَا الْكَلَامِ؟
- كَيْفَ تَأَسَّسَ عَلَى التَّكْرَارِ هَذَا الْكَلَامِ؟
- هَلْ تَعَثَّرْتُمْ بِغَرَابَةِ مُفْرَدَاتِ هَذَا الْكَلَامِ؟
- هَلْ تَعَثَّرْتُمْ بِغَرَابَةِ مُرَكَّبَاتِ هَذَا الْكَلَامِ؟
- أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ؟
وعل رغم اختلاط أساليبِ التفكير (حركة أفكار المتحدث)، والتعبير (حركة عبارات المتحدث)، والتقويم (حركة أحكام المستمع)، في أجوبة هذه الأسئلة كذلك، أميز فيما يأتي بعضها من بعض، فأتحدث إليكم بالكلام نفسه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لأسألكم بعد المرة الأولى عن أسلوب التفكير، وبعد المرة الثانية عن أسلوب التعبير، وبعد المرة الثالثة الأخيرة عن أسلوب التقويم.
فَاسْتَمِعُوا أَوَّلًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّفْكِيرِ:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ قَالَ لِي أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا يَا عَبْدَ الْإِلَهِ، مَنِ الرَّجُلُ مِنْكُمُ الْمُعْلَمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ!
قَالَ: قُلْتُ ذَاكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ: ذَاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ!
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَقُودُهُمَا، إذْ رَآهُ بِلَالٌ مِعَى، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُعَذِّبُ بِلَالًا بِمَكَّةَ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ، فَيُخْرِجُهُ إلَى رَمْضَاءِ مَكَّةَ إذَا حَمِيَتْ، فَيُضْجِعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَا تَزَالُ هَكَذَا أَوْ تُفَارِقَ دِينَ مُحَمَّدٍ، فَيَقُولُ بِلَالٌ أَحَدٌ أَحَدٌ -قَالَ- فَلَمَّا رَآهُ قَالَ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ، إنْ نَجَا!
قَالَ: قُلْتُ أَيْ بِلَالُ، أَبِأَسِيرَيَّ!
قَالَ: لَا نَجَوْتُ، إنْ نَجَا!
قَالَ: قُلْتُ أَتَسْمَعُ، يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ!
قَالَ: لَا نَجَوْتُ، إنْ نَجَا -قَالَ- ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا أَنْصَارَ اللَّهِ، رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ، إنْ نَجَا -قَالَ- فَأَحَاطُوا بِنَا حَتَّى جَعَلُونَا فِي مِثْلِ الْمَسَكَةِ، وَأَنَا أَذُبُّ عَنْهُ -قَالَ- فَأَخْلَفَ رَجُلٌ السَّيْفَ، فَضَرَبَ رِجْلَ ابْنِهِ فَوَقَعَ، وَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ -قَالَ- فَقُلْتُ انْجُ بِنَفْسِكَ وَلَا نَجَاءَ بِكَ؛ فَوَاللَّهِ مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا -قَالَ- فَهَبَرُوهُمَا بِأَسْيَافِهِمْ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُمَا -قَالَ- فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ يَرْحَمُ اللَّهُ بِلَالًا؛ ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي ، وَفَجَعَنِي بِأَسِيرَيَّ"!
لِمَاذَا كَثُرَتْ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْأَعْلَامُ؟
الأعلام جمع عَلَمٍ، وإن العلم هو "الاسم الموضوع لمُعَيَّنٍ لا يتناول غيره، من ذلك أسماء الشخوص والمدن والأنهار والجبال والشهور" ، وهو قسم من أقسام الاسم، الذي هو قسم من أقسام الكلمة الثلاثة (الاسم، والفعل، والحرف)، التي أعاد بعض علماء اللغة المعاصرين توزيعها على سبعة أقسام، ثم على ثمانية .
ولقد ذُكِرَ في هذا الكلام مِنَ الأعلام، ما يُوشِكُ أن يكون خُمُس ما فيه من كلمات على العموم، وهذا مقدار كبير! ولكن إذا انتبهنا إلى أنه حكاية طرف من أحداث غزوة بدر الكبرى، التي احتشد فيها أعلام الإسلام والكفر، وتنازعوا بينهم الغَلَبَة- فهمنا سبب كثرة الأعلام التي تُعَيِّن الأشخاص ؛ فلا غنى في وصف المعركة عن تعيين أعلام المتقاتلين، ثم لا غنى في نقل ذلك الوصف للخالفين، عن تعيين أعلام من تناقلوه خالفا عن سالف.
ولقد كان للأَخْبَارِيِّينَ المسلمين منهج صارم، يسندون به الرواية إلى رواتها حتى يصلوا بها إلى أصحابها الأوائل، لا نملك له إلا العجب والإجلال! ولا ينخلع من حرصهم القديم على حفظ الأنساب، فكأنهم هنا ينسبون الرواة بعضهم إلى بعض!
مَاذَا حَفِظْتُمْ مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ فِي هَذَا الْكَلَامِ؟
لا يخفى على أيٍّ من المستمعين أن أهم أحداث الحكاية من هذا الكلام، هو قتل بلال بن رباح وإخوانه -رضي الله عنهم!- لأمية بن خلف -لعنه الله!- ولهذا كان اسماهما أظهر على ما سواهما؛ فتردد اسم بلال خمس مرات، واسم أمية أربع مرات.
ثم إن أهم الأعلام بعد ذلك، من شهد الحدث، وشارك فيه، ثم رواه فيما بعد لمن لم يشهده، ولم يشارك فيه- عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه!- الذي تردد اسمه ثلاث مرات، ومرةً رابعة حَرَّفَه إلى "عبد الإله"، أميةُ بن خلف، كفرا بالرحمن الذي تَسَمَّى به، وقد عرفه من قبل في مكة وصادقه بعَبْد عَمْرٍو !
ثم إن ها هنا لعَلَمًا من أعلام غزوة بدر، لا يُنْسى -وإن لم يذكر غير مرة واحدة- حمزة بن عبد المطلب أسد الله -رضي الله عنه!- الذي فعل بالكفار الأفاعيل كما اعترف أمية! أما اسم رسول الله (محمد) -صلى الله عليه، وسلم!- فهو نظام أسماء المسلمين كلها (سلك حبات عقدها)، الذي يحميها أن تنفرط، وإن لم يذكر هنا غير مرة واحدة!
ولن نعدم بين يدي كل خبر، طائفة من أسماء الأعلام، ربما لم نعرفها نحن، ولكنها عند الأخباريين والمؤرخين والمحدِّثين ومن إليهم، أهم من أسماء أنفسهم- هي أسماء رجال السند، الذين رووا الخبر بعضهم عن بعض، ومنهم هنا ابْنُ إسْحَاقَ، وعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، وسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ.
مَا جُمْلَةُ الْحَالِ الَّتِي حَوَّلَتْ أَحْدَاثَ هَذَا الْكَلَامِ؟
تنطلق الأحداث، ثم تتعثر فجأة؛ إذ تطرأ على المشهد حال شديدة، تسيطر على الأحداث، فتحول حالها، وتوجهها غير وجهتها؛ فإذا استقلت بذلك جملةٌ من الكلام كانت مفتاح الفهم، ووجب أن تكون عنوان الرسالة.
لقد عرف عبد الرحمن هذه الحال، منذ لقي في أطراف المعركة أمية بن خلف؛ فأراد أن يهرب به من القتل إلى الأسر، وهيهات؛ لقد رآه بلال، فرأى حاله التي دام له عليها زمانا، كأنها وصاحبها شيء واحد (جملة "كَانَ هُوَ الَّذِي... أَحَدٌ أَحَدٌ"، حال من هاء "رَآهُ"، وواو "وَكَانَ" واو الحال):
" رَآهُ بِلَالٌ مِعَى، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُعَذِّبُ بِلَالًا بِمَكَّةَ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ، فَيُخْرِجُهُ إلَى رَمْضَاءِ مَكَّةَ إذَا حَمِيَتْ، فَيُضْجِعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَا تَزَالُ هَكَذَا أَوْ تُفَارِقَ دِينَ مُحَمَّدٍ، فَيَقُولُ بِلَالٌ أَحَدٌ أَحَدٌ".
إنه "أَثَرُ الصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ" -وبهذه العبارة ينبغي أن يُعَنْوَنَ النص- التي رَزَحَ بلال تحتها (سقط من الإعياء)، حتى إذا حان الحَيْن (الموت)، وحارت العَيْن (غَلَبَها الخَطْب المُدْلَهِمّ)- عَلَا بلالٌ الصبورُ الصخرةَ حتى تمكن منها، فقذفها على أمية الجزوع، ويا بعد ما بين صبر المؤمن وجزع الكافر!
كَيْفَ ائْتَلَفَتْ فِي هَذَا الْكَلَامِ آرَاءُ الصَّحَابَةِ الْمُخْتَلِفَةُ؟
لقد تَبَيَّنَ من الكلام السابق ولا سيما إذا وضعناه في سياق ما بلغنا عن غزوة بدر الكبرى، اختلافُ صحابة رسول الله -صلى الله عليه، وسلم!- في أسرى بدر من أئمة الضلال والإضلال، على رأيين:
- أَسْرهم حِرْصًا من افتدائهم على ما يقيم حياة المسلمين.
- قَتْلهم إطاحة برؤوس الكفر وإقامة لأركان الإسلام.
رأى عبد الرحمن بن عوف الرأي الأول كما ورد في الكلام السابق، ورأى بلال بن رباح الرأي الآخر. ولقد أخذ رسول الله -صلى الله عليه، وسلم!- بالرأي الأول، ثم أَيَّدَ الوحي الرأي الآخر، بقول الحق -سبحانه، وتعالى!-: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" . ولو كان القرآن الكريم من "كلام محمد" كما يزعم غير المسلمين، ما خالف به هنا عن رأيه!
وعلى رغم ذلك كان عبد الرحمن بن عوف كُلَّما ذكر ما كان من بلال قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ بِلَالًا؛ ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي، وَفَجَعَنِي بِأَسِيرَيَّ"! ولا ريب في أنه إنما أراد تعظيم مكانة بلال ، الذي اهتدى دونه إلى ما يرضي الحق -سبحانه، وتعالى!- وتأنيب نفسه التي تعلقت بعَرَضِ الدنيا الزائل!
ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَانِيًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّعْبِيرِ: ...
مَا الْأُسْلُوبُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى بِنَاءِ هَذَا الْكَلَامِ؟
لقد جرى هذا الكلام على الحوار (دوران أطراف الكلام بين المتخاطبين، بحيث يتحدث بعضهم ليستمع بعضهم، ثم تنعكس الحالان؛ فيتحدث المستمع، ويستمع المتحدث، وهكذا دواليك)؛ فإضافة إلى بناء كتب السيرة العربية الإسلامية على إسناد الرواية، بحيث تبدو حوارا بين رجال السند بعضهم وبعض، ثم بين مُـتَأَخِّرِهِمْ وصاحب الكتاب- يختص مقام هذا الكلام بقسمين متفاصلين من الحوار:
- أحدهما يديره عبد الرحمن بن عوف.
- والآخر يديره بلال بن رباح.
وإنما تفاصلا من أجل اختلاف غايتيهما؛ فأما حوار عبد الرحمن بن عوف فمن أجل حماية الأسير حتى يُفْتَدَى، وأما حوار بلال بن رباح فمن أجل قتل الطاغية المتكبر المتجبر قبل أن يُفْتَدَى!
ولقد دل على تفاصل الحوارين غضب عبد الرحمن الذي حمله على سب صاحبه بلال، لما لم يعبأ بسماع كلامه!
مَا أَلْطَفُ مَظَاهِرِ الْقَصِّ فِي هَذَا الْكَلَامِ؟
ينتهي سند رواية الأحداث إلى راو واحد، هو هنا عبد الرحمن بن عوف، ويبدأ براو واحد مثله، هو ابن إسحاق، ولكن تختلط بينهما الأحداث والأقوال، فيخشى الراوي الأول أن يفلت من المتلقي عنه حبل الرواية الذي في يد الراوي الأخير، فيكرر دائما فعل القول على جهة الاعتراض، تحقيقا للرواية، وتنبيها على الراوي.
لقد اعترض بفعل القول "قَالَ"، ست مرات:
1 بين عبارتَيْ "فَيَقُولُ بِلَالٌ أَحَدٌ أَحَدٌ"، و"فَلَمَّا رَآهُ".
2 وعبارتَيْ "قَالَ: لَا نَجَوْتُ، إنْ نَجَا"، و"ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ".
3 وعبارتَيْ "ثُمَّ صَرَخَ (...) لَا نَجَوْتُ، إنْ نَجَا"، و"فَأَحَاطُوا بِنَا".
4 وعبارتَيْ "فَأَحَاطُوا بِنَا (...) وَأَنَا أَذُبُّ عَنْهُ"، "فَأَخْلَفَ رَجُلٌ السَّيْفَ".
5 وعبارتَيْ "وَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ"، و"فَقُلْتُ اُنْجُ بِنَفْسِكَ".
6 وعبارتَيْ "فَقُلْتُ اُنْجُ بِنَفْسِكَ (...) مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا"، و"فَهَبَرُوهُمَا بِأَسْيَافِهِمْ".
ولا يخلو هذا المظهر القصصي من لطافة خفاء فعل القول بين طوايا الكلمات! إنه أسلوب عربي قديم؛ فيه أثر المشافهة التي تحولت عنها الرواية إلى المكاتبة الخالصة.
كَيْفَ تَأَسَّسَ عَلَى التَّكْرَارِ هَذَا الْكَلَامِ؟
من حكم البلاغيين الدَّوَّارة في كتبهم القَيِّمَة، قولهم: كَثْرَةُ تَرْدِيدِ اللِّسَانِ عَلَامَةُ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ! أي كثرة نطق اسم الشيء أو ما يعبر عنه، دليل اشتغال الناطق به، محبوبا كان هذا الشيء أو مكروها؛ فإنه إذا كان محبوبا اشتغل الناطق برغبته في وجوده، وإذا كان مكروها اشتغل برغبته في زواله!
ولقد تردد في الكلام السابق أربعَ مرات، قولُ بلال بعدما رأى أمية: "لَا نَجَوْتُ، إنْ نَجَا"؛ إذ قاله أولا ليَجْمع أَقْطَارَ نفسه، وقاله ثانيا وثالثا ليرفض طلب عبد الرحمن، وقاله رابعا ليحمل أصحابه على قتل أمية.
ولقد كانت هذه العبارة المترددة من اللطافة بحيث تلفت انتباه المستمع؛ إذ بدأها بلال بالدعاء على نفسه، وهو ما لا يتوقع من الخصم القوي المنتصر إذا رأى خصمه الضعيف المنهزم- وختمها بشرطِ جملةٍ شَرْطيَّةٍ، يدل على جوابها الدعاءُ المتقدم عليها، فينقلب المعنى إصرارا شديدا على قتل أمية، يدعي فيه بلال أنه يسأل الله ألا يبقيه في هذه الحياة إن أفلت من يديه أمية! لقد رتب بلال ظاهر العبارة على ذلك النحو اللطيف، ليكون باطنها هو: إن أفلت مني أمية قتلت نفسي! ولما لم يكن لمسلم أن يقتل نفسه، وجب على أصحابه أن يعينوه على قتل أمية، وقد كان!
لقد كان لهذا المظهر من التكرار، مثل أثر السحر في ذلك المقام، ثم في كل مقام من مقامات روايته، وإن كان في الكلام السابق من التكرار مظاهر أخرى لا تخلو منها الأخبار المروية على الطريقة القديمة:
- من ذلك عَنْعَنَة أوائل الأخبار المروية نصا على سند روايتها.
- ومنه أفعال الأقوال التي حافظت على اتصال حبل الرواية.


توقيع : أ.د. محمد جمال صقر

أ.د.محمد جمال صقر
PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
FACULTY OF DAR EL-ULWM
CAIRO UNIVERSITY
www.mogasaqr.com
mogasaqr@gmail.com
mogasaqr.eg@gmail.com
mogasaqr@yahoo.com
saqr369@hotmail.com
00201092373373
0020223625210

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
نور الدين
عضو جديد
رقم العضوية : 343
تاريخ التسجيل : Dec 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 15
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

نور الدين غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-16-2013 - 11:41 AM ]


بورك في جودكم سعادة أ.د. محمد جمال صقر


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=13 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 0 04-20-2013 12:15 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=12 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 1 04-19-2013 09:31 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=10 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 1 04-16-2013 06:14 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=9 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 1 04-07-2013 02:16 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ= 1 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 2 02-06-2013 01:50 PM


الساعة الآن 09:05 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by