فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=12
ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَانِيًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّعْبِيرِ: ...
كَيْفَ غَلَبَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أُسْلُوبَا الْمُطَابَقَةِ وَالْمُقَابَلَةِ؟
من أساليب البيان عن الفكرة الغامضة، أن تُخْتَارَ منها الأوجه المُتَضَادَّة أو التي تبدو متضادة، ويُوضَعَ بعضها أمام بعض؛ "وَبِضِدِّهَا تَتَمَيَّزُ الْأَشْيَاءُ"؛ فإن الموازنة بين هذه المتضادات، كفيلة للمتأمل بفائدتين: تمييز ما فيها كلّها من مناقب ومثالب، وتكوين صورة واحدة مكتملة مما تفرق بين بعضها وبعض من أجزاء!
وإن المطابقة والمقابلة أسلوبان من وضع الأشياء المتضادة -أو التي تبدو متضادة- بعضها أمام بعض، ولكن هذه الأشياء مفردة في المطابقة ومركبة في المقابلة، أي يوضع في المطابقة ضِدٌّ مُفْرَدٌ أمام ضِدٍّ مُفْرَدٍ، فأما في المقابلة فيوضع ضِدٌّ مُرَكَّبٌ مِنْ أجزاءٍ أمام ضِدٍّ مُرَكَّبٍ مِنْ أجزاءٍ .
وفيما يأتي بعض ما وقع بالكلام السابق من مُفَرَدَاتٍ مُتَطَابِقَةٍ:
أ ب أ ب
صعلوك ملك فقراء أغنياء
محروم متخم جوع شبع
مرض صحة بكاء ضحك
عسر يسر حقد رضا
جحيم نعيم مظلوم ظالم
مغلوب غالب جهلاء عقلاء
ظاهر باطن دنيا آخرة
منذرة مبشرة شقاء سعادة
ولقد اعتمد الكلام السابق في الإقناع بتساوي حظوظ الناس الدنيوية، على حركة مفردات الأضداد المتطابقة، من داخل ثبات مركبات الأضداد المتقابلة؛ فإذا كان الحرمان من نصيب زيد مثلا والإتخام من نصيب عمرو، فالصحة من نصيب زيد والمرض من نصيب عمرو -وَهَلُمَّ جَرًّا- حتى تتساوى الحظوظ على الإجمال.
مَا الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الدَّخِيلَةِ؟
في عصر المعلومات تتسابق اللغات؛ فأيما لغة نشأت فيها المعلومة سبقت بها، وتركت سائر اللغات تلهث خلفها، فإما أن تترجمها، وإما أن تُحَوِّلها، وإما أن تستعيرها، وفي معاملة أسماء المخترعات الأجنبية مثال ذلك!
إننا إذا نظرنا في متن اللغة العربية المعاصر، وجدنا لاختراع أجنبي واحد (جهاز بث الصور والأصوات المعروف)، ثلاث الكلمات الآتية: "تِلِفِيزْيُون" ، و"تِلْفَاز" ، و"مِرْنَاة"! أما "مِرْنَاة" فكلمة عربية مشتقة من مادة "ر، ن، و"، التي تشتمل على ما يحتمل الناظر والمنظور إليه، على وزن "مِفْعَلَة" أحد أوزان اسم الآلة العربي -ومنه "مِصْفَاة"، و"مِكْوَاة"- تُرْجِمَتْ بها الكلمة الأجنبية. وأما "تِلْفَاز" فكلمة مُعَرَّبَةٌ على أحد أوزان الأسماء العربية -ومنه "تِمْثَال"، و"تِلْقَاء"- صُبَّتْ فيها حروف الكلمة الأجنبية. وأما "تِلِفِيزْيُون" فكلمة أجنبية دخيلة، نقلت إلى العربية على ما هي عليه في لغتها الأجنبية، كما نقلت كلمة "راديو"، و"كمبيوتر".
ولقد هجرنا كلمة "مِرْنَاة" قولا واحدا، وأَلْمَمْنا بكلمة "تِلْفَاز" في بعض المواقف الفُصْحَوِيَّة الخاصة، وتَوَسَّعْنا في استعمال كلمة "تِلِفِيزْيُون"! وإنه إذا كان "الدخيل" دليل علاقة طبيعية لازمة بين اللغات المختلفة، فإنه لا يمتنع مع ذلك أن تقاس به غلبة بعضها على بعض.
لقد اشتمل الكلام السابق من الكلمات الأجنبية الدخيلة، على مثل: التِّلِيفُون، التِّلِيفِزْيُون، الْمِلْيُونِير، الْكُوكَايِين، الدِّيكُور، الْكَوَالِيس- مما لم يشتمل عليه ما سبقه مما تناولناه؛ فدلنا على طرف من نتائج ذلك التنافس اللغوي المعاصر!
مَا الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْحَدِيثَةِ؟
ولقد اشتمل الكلام السابق مع ذلك الدخيل، على مثل: السَّخَّان، والتَّكْيِيف، وتَضَخُّم- مما لم يشتمل عليه ما سبقه مما تناولناه كذلك؛ فدلنا على طرف من اجتهاد اللغة العربية المعاصر، في استيعاب المعلومات الحديثة.
أما كلمة "السَّخَّان" فمصوغة على وزن "فَعَّال" أحد أوزان المبالغة في اسم الفاعل -ومنه "عَلَّام" مبالغة في "عَالِم"، و"هَدَّام" مبالغة في "هَادِم"- ولكنه تحمل أحيانا الدلالة على اسم الآلة، فتوسع فيه المعاصرون -ومنه عندهم "عَدَّاد"، و"طَرَّاد"- وأقره مجمع اللغة العربية (الجهة المسؤولة حديثا عن تنمية اللغة العربية).
وأما كلمة "التَّكْيِيف"، فمصوغة على وزن "تَفْعِيل" أحد أوزان المصادر (أسماء المعاني)، ومنه "تَعْلِيم"، و"تَكْرِيم". ولكنه يتحمل الدلالة على اسم الآلة من باب جواز دلالة المصدر على مشتقاته. وقد اشْتُقَّتْ كلمة "تَكْيِيف" نفسها من كلمة "كَيْف" في قول صانع الآلة عندما يضبطها للمصنوع له: كيف تريدها؟ وهي طريقة من الاشتقاق شبيهة بالاشتقاق من أسماء الأعيان، ومنه "تَبْوِيب" من "بَاب"، و"تحْجِير" من "حَجَر".
وأما كلمة "التَّضَخُّم"، فهي كلمة مستقرة في متن اللغة القديم، مصوغة على وزن "تَفَعُّل"، أحد أوزان المصادر (أسماء المعاني)، ومنه "تَعَلُّم"، و"تَكَرُّم". ولكنه نُقِلَتْ دلالته مصطلحا على أحد أمراض القلب. ولم يستغن المعبِّر العربي قطُّ -ولن يستغني أبدا- في استيعاب المعاني الجديدة بالكلمات القديمة، عن توسيع دلالتها أو تضييقها أو نقلها.
مَا الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامُ مِنَ التَّعْبِيرَاتِ الْحَدِيثَةِ؟
في التعبير تنضاف الكلمة إلى الكلمة، فتتصل بينهما علاقة، وتتكون فكرة، من بعد أن كانت الكلمة مفردة بمعنى مفرد. ولا ريب في أن التعبير أعلى من الكلمة، لأن الفكرة المتشابكة المعاني أهم من المعنى المفرد؛ ومن ثم ينبغي للمتلقي أن يتأمل طويلا ما في التعبيرات الحديثة، من دلالة على حركة التفكير.
ربما كان التعبير الحديث أصيلا خارجا من ثقافة المعبر الذي اتسعت رؤيته فضاقت عنها العبارة القديمة، فتَلَمَّسَ كل ما يعينه عليها، كما فيما يأتي مما وقع في الكلام السابق:
1 "وَفِي دَاخِلِ الْقُلُوبِ الَّتِي تَرْقُدُ فِيهَا تَسْكُنُ الْحَسَرَاتُ وَالْآهَاتُ الْمُلْتَاعَةُ ".
2 "وَهُنَاكَ نُفُوسٌ تَمْضَغُ شَقَاءَهُا وَتَجْتَرُّهُ وَتُحَوِّلُهُ إِلَى حِقْدٍ أَسْوَدَ وَحَسَدٍ أَكَّالٍ".
3 "وَكُلُّ نَفْسٍ تُمَهِّدُ بِمَوْقِفِهَا لِمَصِيرِهَا النِّهَائِيِّ فِي الْعَالَمِ الْآخَرِ".
وربما كان التعبير الحديث دخيلا طارئا على ثقافة المعبر من غيرها من الثقافات، من بعد أن لم تسعفه ثقافته، كما فيما يأتي مما وقع في الكلام السابق:
1 "فَالْعَذَابُ لَيْسَ لَهُ طَبَقَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ".
2 ""تِلْكَ هِيَ لِبْسَةُ الدِّيكُورِ وَالثِّيَابُ التَّنَكُّرِيَّةُ الَّتِي يَرْتَدِيهَا الْأَبْطَالُ".
3 "أَمَّا وَرَاءَ الْكَوَالِيسِ (...) فَلَا يُوجَدُ ظَالِمٌ وَلَا مَظْلُومٌ".
فعلى حين تتحرك بثلاثة التعبيرات الأولى الثقافةُ العربية الإسلامية، يتحرك بثلاثة التعبيرات الآخرة غيرُها من الثقافات، ولا بأس؛ فـ"الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُمَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" ، على أن تُلائِم الثقافةَ العربية الإسلامية، وتَسْتَوْطِنَها، وتَتَطَبَّعَ بطبيعتها.