المطلب الثالث: المباحث الخلافية في الدرس النحوي.
أولا: التنوين عوضا عن الياء في (جوار ٍ وغواش ٍ)
قال ابن جني: "فأما (جوار وغواش) ونحوهما، فللسائل أن يقول: لم صرف هذا الوزن وبعد ألفه حرفان: الراء والياء والشين والياء ؟ وقد قال أبو إسحاق في هذا أذكره لك: وهو أنه ذهب إلى أن التنوين إنما دخل في هذا الوزن؛ لأنه عوض من ذهاب حركة الياء " ([71]).
وقال أيضا: " وأنكر أبو علي هذا القول على أبي إسحاق، وقال: ليس التنوين عوضا من حركة الياء، وقال: لأنه لو كان كذلك لوجب أن يعوض التنوين من حركة الياء في (يرمي) ألا ترى أن أصله: (يرمي ُ) بوزن (يضرب)، فلما لم نرهم عوضوا من حركة هذه الياء، كذلك لا يجوز التنوين في (جوار ٍ) عوضا من ذهاب حركة الياء " ([72]).
ولعل الذي ذهب إليه أبو علي هو رأي سيبويه الذي نقله عن الخليل بعد أن سأله عن (جوار ٍ) بقوله: " قلت: فإن جعلته اسم امرأة ؟ قال اصرفها؛ لأن هذا التنوين جعل عوضا، فيثبت إذا كان عوضا كما ثبتت التنوينة في أذرعات إذ صارت كنون مسلمون " ([73]).
أما المبرد فقد ذهب إلى انصراف جواري انقصت من باب ضوارب، ولو سميت بالمنقوص مثل: قاض، اسم، امرأة، فإنها تصرف في الرفع والخفض؛ لأن التنوين يدخل عوضا مما حذف منه " ([74]).
وقد ذهب ابن جني إلى ما ذهب إليه المبرد وأبو إسحاق الزجاج إلى أن التنوين عوض عن الحركة بقوله: " ألا ترى أن الحركة لما ثبتت في موضع النصب في قولك (رأيت جواري) لم يجئ بالتنوين؛ لأنه إنما كان يجيء عوضا من الحركة، فإذا كانت الحركة ثابتة لم يلزم أن يعوض منها شيء " ([75]).
وعلاوة على ما سبق، فإننا نراه يرد على شيخه أبي علي بقوله: " فإن انتصر منتصر لأبي إسحاق فقال: إلزام أبي علي إياه لا يلزمه؛ لأن له أن يقول: إن (جوار) ونحوه اسم والتنوين بابه الأسماء، و(يرمي ويغزو) فعل، والتنوين لا مدخل له في الفعل، فلذلك لم يلزم أن يعوض من حركة ياء (يرمي) ونحوها"([76]).
وعندي أن ما ذهب إليه أبو علي الفارسي ومن قبله سيبويه هو الصواب؛ لأن في العربية نوعا من التنوين يسمى بتنوين العوض، ويقسم إلى أقسام، ومن أقسامه العوض عن الحرف، وفي ذلك يقول ابن عقيل: " وقسم يكون عوضا عن حروف وهو اللاحق لـ " جوارٍ وغواش ٍ " ونحوهما رفعا وجرا " ([77]).
ثانيا: اعتراض المبتدأ والخبر بين اسم إن وخبرها:
لقد ذهب أبو علي في قول كثير:
وإني وتهــــــــيامي بعـــــــــــزة بعــــــــدما
تخليــــــــت ممـــــــــا بيننا وتخــــــلت ِ
إلى أن تهيامي مرفوع بالابتداء، وخبره بعزة، وجعل الجملة التي هي (تهيامي بعزة) اعتراضا بين اسم وخبرها؛ لأن فيها ضربا من التشديد للكلام، كما تقول: إنك – فاعلم – رجل سوء، وإنه – والحق أقول – جميل المذهب ([78]).
في حين أن ابن جني ذهب إلى أن يكون موقع (تهيامي) من الإعراب في موضع جر على أنه أقسم به كقولك: إني – وحبك – لضنين بك " ([79]).
ويرى الباحث أنه من الجائز أن يكون تهيامي أيضا مرتفعا بالابتداء، والباء متعلقة فيه بالمصدر نفسه الذي هو التهيام، والخبر محذوف كأنه قال: وتهيامي بعزة كائن أو واقع على ما يقدر في هذا ونحوه ([80]).
ثالثا: حذف الواو العاطفة:
ذهب أبو علي إلى أنه يجوز حذف الواو العاطفة بين المتعاطفات بقول ابن جني: " حدثنا أبو علي، قال: حكى أبو عثمان: أكلت لحما، سمكا، تمرا: يريد لحما وسمكا وتمرا، وقال: من الرجز:
مالي لا أبكـــي على عــــــــــــلاتي
صـــــــــــــبائحي غبــــــــــائقي قيلاتي
أراد: وغبائقي، وقيلاتي، فحذف حرف العطف " ([81]).
وقد رأى ابن جني ضعف هذا الحذف وعده من باب الشذوذ؛ لأن حرف العطف يكون عوضا عن العامل، فحذفه كأنه حذف العامل عن الجملة، وهذا يجعل خللا في التركيب وضعفا في القياس، فقال: " وهذا عندنا ضعيف في القياس معدوم في الاستعمال ووجه ضعفه أن حرف العطف فيه ضرب من الاختصار وذلك أنه قد أقيم مقام العامل ألا ترى أن قولك قام زيد وعمرو أصله قام زيد وقام عمرو فحذفت قام الثانية وبقيت الواو كأنها عوض منها، فإذا ذهبت تحذف الواو النائبة عن الفعل تجاوزت حد الاختصار إلى مذهب الانتهاك والإجحاف فلذلك رفض ذلك وقد تقدم من القول في هذا المعنى ما هو مغن بإذن الله تعالى، وشيء آخر وهو أنك لو حذفت حرف العطف لتجاوزت قبح الإجحاف إلى كلفة الإشكال وذلك أنك لو حذفت الواو في نحو قولك ضربت زيدا وأبا عمرو، فقلت: ضربت زيدا أبا عمرو، لأوهمت أن زيدا هو أبو عمرو ولم يعلم من هذا أن زيدا غير أبي عمرو فلما اجتمع إلى الإجحاف الإشكال قبح الحذف جدا " ([82]).
وعلاوة على ما سبق، فإن ابن جني يخرج هذا الشاهد تخريجا آخر إذ جوز أن يكون (علاتي، وغبائقي، وصحائبي) بدلًا؛ أي: كيف لا أبكي على علاتي التي هي صبائحي وهي غبائقي وهي قيلاتي, فيكون هذا من بدل الكل. ([83]).
وبالرغم من جواز رأي الفارسي لاعتماده على الدليل السماعي إلا أن الباحث يميل إلى رأي ابن جني؛ لأن حذف حرف العطف ضعيف في القياس قليل في الاستعمال، ووجه ضعفه أن حرف العطف فيه ضرب من الاختصار؛ لأنه قام مقام العامل، فقولنا: قام زيد ومحمد، أصله: قام زيد وقام محمد، فحذفت " قام " الثانية وأبقيت " الواو " عوضا منها، فإذا حذفت الواو فكأنك حذفت العامل.
رابعا: تركيب هلم:
لقد وافق رأي أبي علي في أصل تركيب (هلم) رأي الخليل وسيبويه ([84])، ويفهم ذلك تلميحا لا تصريحا من رفض أبي علي لرأي الفراء المخالف لرأي الخليل وسيبويه، فيقول ابن جني عن ذلك: " وقال الفراء: أصلها (هل) زجر وحث، دخلت على أم، كأنها كانت (هل أمّ) أي أعجل وأقصد، وأنكر أبو علي عليه ذلك، وقال: لا مدخل هنا للاستفهام " ([85]).
في حين أن ابن جني احتج للفراء رادا على أبي علي مسوغا أن(هل)ليست استفهاما، بل إنها زجر وحث، بقوله: " وهذا عندي لا يلزم الفراء؛ لأنه لم يدع أن (هل) هنا حرف استفهام، وإنما هي عنده زجر وحث وهي التي في قوله:
ولقد يسمع قولي حيهل
قال الفراء: فألزمت الهمزة في (أم) التخفيف، فقيل هلم"([86]).
ويرى الباحث أن رأي الفراء وابن جني أقرب للصواب من رأي الخليل وسيبويه والفارسي في أن أصل (هلم) (هل)؛ لأن السياق المعنوي لا يدل على الاستفهام بل يدل على تحضيض وحث.
خامسا: الحكاية:
لقد أورد ابن جني رواية عن شيخه أبي علي بما يتعلق ببيت جرير الذي يقول فيه:
ألم تكن في وسوم قد وسمت بها
في حان موعظة يا زهرة َاليمن
وهذا البيت إجابة لرجل هجاه، يقول فيه:
أبلغ كليبا وأبلغ عنك شاعرها
أني الأغر وأني زهرةُ اليمن
والشاهد في الرواية أن أبا علي ظن أن الشاعر أسماه زهرة اليمن على مذهب الحكاية لقوله، أي يا من قال إني زهرة اليمن... " ([87]). غير أن ابن جني رفض هذا الرأي حين علق عليه قائلا: " وليست عندي كذلك " ([88]).
ونرى أن ابن جني عارض شيخه أبي علي في أن هذه التسمية (زهرة اليمن) من باب الحكاية في تسمية الأعلام من الرجال؛ لأنها لو كانت هذه التسمية على الحكاية، فمن اللزام أن تبقى ملازمة لحركتها الإعرابية قبل التسمية كما قال سيبويه، ولكنها استخدمت مرفوعة ومنصوبة على اللفظ وليس على المعنى، وهو في هذا استخدمها صفة، وقال سيبويه في ذلك: " وقال: زيد الطويل حكاية بمنزلة زيد منطلق، وهو اسم امرأة بمنزلة قبل ذلك؛ لأنهما شيئان، كعاقلة لبيبة، وهو في النداء على الأصل تقول: يا زيدُ الطويلُ. وإن جعلت الطويل صفة صرفته بالإعراب، وإن دعوته قلت: يا زيدا الطويلَ"([89]).
المطلب الرابع: المباحث الخلافية في القضايا اللغوية.
أولا: أصل اللغة ونشأتها:
لقد تكلم ابن جني عن هذه القضية، فقال: " باب القول على أصل اللغة أإلهام هي أم اصطلاح ؟ هذا موضع محوج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هي تواضع واصطلاح، لا وحي ولا توقيف. إلا أن أبا علي – رحمه الله – قال لي يوما: هي من عند الله، واحتج بقوله سبحانه: " وعلم آدم الأسماء كلها " ([90]). وهذا يتناول موضع الخلاف. وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها؛ وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة. فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به. وقد كان أبو علي- رحمه الله- أيضا قال به في بعض كلامه"([91]).
فضلا عن هذا فإن ابن جني قال بنظرية المواضعة والاصطلاح فيقول: " ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحياً وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بدّ فيه من المواضعة قالوا وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجوا إلى الإنابة عن الأشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سِمة ولفظاً إذا ذكر عرف به ما مسماه ليمتاز من غيره وليُغْنَى بذكره عن إحضاره إلى مَرْآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخفّ وأسهل من تكلف إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله " ([92]).
ويفهم من هذا أن أبا علي يأخذ بنظرية التوفيق في نشأة اللغة ويعدها إلهاما من الله سبحانه وتعالى بدليل نقلي من القرآن الكريم. في حين أن ابن جني يذهب إلى المواضعة والاصطلاح في النشأة، وهذا خلاف بين شيخ وتلميذه على الرغم من أنه شايع شيخه ووافقه على أنها من عند الله ولكن واضع ابن آدم عليها، فخلط بين التوقيف والمواضعة، وذكر أن أبا علي قد قال في بعض كلامه إنّ في النشأة تواضع.
وعلاوة على ما سبق، فإن ابن جني لم يكتف بالقول بنظرية الإلهام والتوقيف ونظرية المواضعة والاصطلاح، وإنما عرض لنظرية أخرى هي نظرية محاكاة أصوات الطبيعة، إذ يعد اللغة نتاج التقليد ومحاكاة الأصوات المنبعثة في الطبيعة من صوت رعد ومطر وخرير ماء وحفيف شجر وهديل حمام، إذ يقول: " وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد " ([93]).
ثانيا: اللغات واللهجات:
لقد ذهب أبو علي إلى أن " أديه " لغة في " يده "، والهمزة ليست بدلا من الياء، فيقول ابن جني: " وهو أن أبا علي أخبرني أن يعقوب حكى عنهم أنهم يقولون " قطع الله أدية، يريد يده، وقال: ثال أبو علي: فالهمزة في أدية ليست بدلا من الياء، إنما هي لغة في الكلمة، بمنزلة يسروع وأسروع، وسلملم وألملم، ونحو قول طرفة:
أرق العـــــــــــــــــــــين خيال لم يقـــــــر
طـــــــاف والـــــــركب بصـــــــحراء أســـــــر
ويروى يسر فهذه كلها لغات، وليست بدلا من بعض، وقولهم: أدية وزنه فعله، رد اللام، وهي ياء لقولهم يديت إليه يدا، فصارت (أدي) كما ترى بوزن فعل" ([94]).
في حين إننا نرى أن ابن جني خالف شيخه أبا علي في هذه المسألة؛ " لأن الياء عنده قلبت همزة في قولهم " قطع الله أديه " أصلها " يديه" وبذلك ردوا اللام المحذوفة وأعادوا العين إلى سكونها، وذلك بقوله: " إلا أنني أنا أرى في هذه اللفظة خلاف ما رآه أبو علي لأنه ذهب إلى أن الهمزة في أديه ليست بدلا من الياء وإنما هي أصل برأسه ولو كان الأمر على ما ذهب إليه لتصرفت الهمزة في هذه اللفظة تصرف الياء وليس الأمر كذلك لأنا نجدهم يقولون يديت إليه يدا وأيديت أيضا ويديت الصيد إذا أصبت يده وكسروها فقالوا يدي وأيد وأياد وقال:
(فلن أذكر النعمان إلا بصالح... فإن له عندي يديا وأنعما)
فجاء بالجمع على فعيل وهذا اسم للجمع عندنا وليس مكسرا كأيد وأياد وإنما هو بمنزلة عبيد وكليب لجماعة عبد وكلب ولم نر الهمزة في أدي موجودة في غير هذه اللفظة وفي أحد وجهي آديته الذي جوزناه آنفا على أنا نعتقد فيه أنه إنما بنى أفعلته من لفظ الأدي بعد أن قلبت همزته عن يدي وإلا فالياء هي الأصل وليس كذلك ما شبهه به من نحو يسروع وأسروع ويلملم وألملم وأسر ويسر لاطراد كل واحد من هذه الحروف في مكان صاحبه وقلة استعمالهم الأدي في معنى اليد فاعرف ذلك " ([95]).
ثالثا: الترادف:
لقد أقر أبو علي بالترادف، وعده ظاهرة لغوية تساعد على الاتساع في استخدام اللغة، لا سيما الشعر، فتساعد الشاعر في استخدام تفاعيله وقوافيه، وذلك في ضوء استخدام الكلمات المترادفة، فضلا عن السهولة الناتجة عنه في فهم الأساليب العربية.
وقد عالج أبو علي هذه الظاهرة في البغداديات بقوله: " اختلاف اللفظين والمعنى واحد حسن بعد الحاجة إلى التوسع بالألفاظ، وبين أن هذه القسم لو لم يوجد لم يوجد من الاتساع ما وجد بوجوده، ألا ترى: أنه إذا سجع في خطبة، أو قفى في شعر، فركب السين، فقال: جلس، فجاء به مع ما يشاكله، ولو لم يقل في هذا المعنى ألا (قعد) ضاق المذهب فيه، ومن هنا جاءت الزيادات لغير المعنى في كلامهم في نحو: كتاب، وعجوز.... " ([96]).
وقد ذكر ابن جني رأي أبي علي في هذه الظاهرة في باب تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني بقوله: " وكان أبو علي – رحمه الله – يستحسن هذا الموضع جدا وينبه عليه، ويسر بما يحضره خاطره منه. وهذا باب إنما يجمع بين بعضه وبعض من طريق المعاني مجردة من الألفاظ " ([97]).
وأما فيما يختص بالرواية التي ذكرها ابن فارس في الصاحبي، تلك التي تدل على أن أبا علي ذهب إلى أن الاسم واحد والباقي صفات، فإن الباحث يرى أن ذلك من باب المناظرات والمساجلات والتنافس بين العلماء في مجالس الحكام، الذي يقوم على التغليط لا للغلط نفسه، بل لإسقاط الخصم لا غير.
غير أننا نرى أن ابن جني يذهب إلى أن الترادف سبب من أسباب اختلاف اللهجات العربية، وهو بهذا ربما يذهب إلى إنكاره، لأن القدامى من اللغويين يذهبون إلى أن الترادف يكون في لغة أو لهجة واحدة لا في عدة لهجات ([98]).
وعلاوة على ما سبق، فإن ابن جني يهتم بالبيئة والزمن والجماعة في اختلافها بحدوث الترادف، وهو بذلك يختلف عن شيخه أبي علي الذي يبدو مما يعرضه أنه لا يهتم بهذه الأسباب؛ لأنها خارجة عن إرادة الإنسان ([99]).
الخاتمة ونتائج البحث
فيما تمّ ذكره من مسائل يمكن القول: إنّ ابن جني قد رأى في أبي علي عالماً عظيماً، له مذهبه المستقلّ، الذي لا يقلّ أهمية عن مذهب الخليل وسيبويه، وله آراؤه المتفرّدة الجديرة بالنظر والاهتمام، لذلك كان وجوده مؤثراً في كتبه من خلال غزارة ما نقله عنه، وكلفه بالتعليق على أقواله. فبدت شخصية الفارسيّ أبرز من شخصيّته، وقد خلص البحث إلى عدة نتائج، وفيما يلي أهمها:
- أن الفارسي وابن جني امتازا بعقلية فذة، ولهما من الفضل على النحو الشيء الكثير، فلم يكونا مقلّدين للبصريين أو غيرهم، وإنّما كانا يعرضان للآراء المختلفة، ويمعنان النظر فيها، فإذا ما اعتقدا بصحّة رأي أخذا به، ورجّحاه على غيره، فهما مستقلا الشخصية، يريان الرأي فلا يخشيا أن يخالفا فيه من سبقه كوفياً كان أو بصرياً، فقد امتلكا جرأةً، وقدرةً كبيرة على معارضة علماء كبار، كالخليل وسيبويه، إن ذهبوا مذهباً لا يتّفق ومذهبهما. وينفذان إلى آراء جديدة اجتهادية خاصّة بهما لم يُسبق إليها المتأخرون في كتبهم.
- تعد كتب ابن جني خلاصة وافية لجميع المسائل النحوية التي تطرق إليها الفارسي، فكتبه تفيض بآراء شيخه الفارسي، وهذا إن دل فإنما يدل على الأمانة العلمية التي يتمتع بها.
- لقد اتسمت مناقشات الفارسي وابن جني بالموضوعية التامة البعيدة عن النواحي الشخصية، وقد خلت مناقشاتهم من تلك الألفاظ التي نسمعها الآن كـ " وهم " و" وهو واهم " وغلط " و" فاسد " وباطل " وظاهر البطلان " وهذا يدل على خلق علمي رفيع.
- أوضح البحث صلة ابن جني بتراث أبي عليّ، وغزارة ما نقله عنه، وكلفه بالتعليّق على أقواله.
- أظهر البحث أنّ شخصية ابن جني لم تكن منحصرة في تقديم الآراء والتعليّق عليها وترجيح بعضها، بل كان لابن جني تلك الآراء التي غيَّرت في النّحو العربيّ أو أدخلت عليه شيئاً جديداً.