* مسوغات الحديث عن علاقة المعرفة بالتنمية
ومما يسوّغ الحديثَ عن علاقة المعرفة بالتنمية :
- ما يحصلُ من تحوّلات اقتصادية في العالَم الرّاهن، وما عرَفه ميدان تكنولوجيا المعلومات والتواصل من تقدّم هائل، وسيل العولَمَة الذي اجتاحَ كلّ مرافق الحياة
- من مسوّغاتِ الحديث عن هذه العلاقة بزوغ نوع جديد من الاقتصاد، هو الاقتصاد المبني على المعرفة ، وما تستطيع المعرفة أن تُسديَه للاقتصاد من حركة وتنمية وإنعاش.
وقد أولى المجتَمَع الدّولي اهتماما كبيرا لاقتصاد المعرفة، ويبدو ذلك من خلال تقارير التنمية البشرية التي أصدرَتها كثير من المحافل والمؤسسات الدّولية
ويُثارُ السؤالُ بعدَ ذلك عن موقع اللغة من اقتصاد المعرفة، فالمعرفة ترتبط بالاقتصاد الرّاهن ارتباطا وثيقا لأنها تتعلق بمعرفة المعلومات المتداوَلَة في عالَم الاقتصاد، ولأنّ تطويرَ الإنتاج الاقتصادي رهين بما يُخطّط من مشاريعَ علميّة معرفيّة . أمّا اللغة فهي أداة حصولِ المعرفة الاقتصادية وتدويلِها، ودلالة اللغة على المعرفة الاقتصادية يُسند إليها وظيفةً جديدة هي الوظيفة الاقتصادية، ويحقّ لنا أن نتحدّث عن الوظيفة الاقتصادية إلى جانب الوظائف الأخرى التعبيرية للغة، وهي الوظيفة التعليمية والوظيفة الإعلامية والوظيفة السياسية...
وتتركّز الوظيفة الاقتصادية للغة في استعمالها في المجالات الاقتصادية بكفاءة عالية، فتوظيف اللغة في المجال الاقتصادي بمردودية عالية يُعدّ شرطا من شروط تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بالنظر إلى ما تحمله اللغة من قُوى إنجازيّة وطاقات وظيفية، كوظيفة التّواصل والتبادُل، ووظيفة نقلِ المعرفة وتداوُلِها، ووظيفة التعاوُن، ووظيفة التّعلّم...
***
وبعد الحديث عن موقع اللغة من اقتصاد المعرفة، نتساءل عن اللغة العربية وموقعها من مجالات الاستثمار.
المُلاحَظ في ذلك ضعف اقتصاد المعرفة في الوطن العربي، وهذا الضّعف راجع إلى قلّة استثمار المعرفة اللغويّة العربية في مجال إعداد البرمجيّات والبرامج الإلكترونية والبرامج التعليمية ومعالَجَة النصوص والتّرجمة الفوريّة والذّكاء الاصطناعي وغيرِها من مجالات استثمار المعرفة اللغوية...
صحيح لقد وُضعت برامجُ لتقنيات المعلومات والاتّصالات المتعلّقة بالتّنمية في المنطقة العربية، ومشاريعُ تعليميّة لتطوير الأداء لبرامج التّدريس، ولكنّها برامجُ ومشاريعُ تنتظر التّنفيذَ والتّمكينَ، بقرارات سياسية نافذة. ويظل المجتمَعُ العربي في حاجة إلى الوعي العميق بقيمة اللغة العربية، باعتبارِها ركنا أساساً في بناء مجتمَع المعرفة العربي، وركنا أساساً في بناء اقتصاد المعرفة العربي، وركنا أساساً في نشر تكنولوجيا المعلومات للوصول إلى ما يُعرَف بمجتمَع المعلومات؛ لأنّ تداولَ المعلومات باللغة الأجنبيّة لن يُنشئ مجتمعَ المعلوماتِ، بل يُلحِق المجتمَ المستهْلِكَ بلغة الاستهلاك والتواصل.
وإذا تساءلنا عن مدى قدرةِ العربية على أن تتولّى حملَ مشروع المعرفة والتّنمية المعرفيّة، فالجوابُ أنّها أثبتت قدرةً فائقةً على حملِ أرقى المعارفِ الإنسانيّة حينَ قامَت حركةُ تعريبٍ عربيّة ارتبطت بمدرسة علميّة عربية قادرةٍ على إنتاج المعرفة.
- وفي التّجاربِ التّاريخيّة التي أتيحَت للمجتمع العربيّ ليتحوّلَ إلى مجتمَع معرفةٍ، نهَضَ العلمُ باللغة العربية، ونهضت اللغة العربية به، فتحوّلت العربية من لغة بعض القبائل في الجزيرة العربية ينشدون بها الشّعرَ والأدب في عُكاظ... إلى لغة المعرفة والعلم والجدلِ والاجتهاد، بفعلِ معجزةِ القرآن الكريم الذي نزل بها فرفَعَها، وبفعل عقيدة التّسامُح والتحرّر والتّفكير، التي اعتنَقَها كثير من العلماء غير العرَب، فنَقلوا إلى العربيّة ما لم يكن فيها من العلوم .
* اللغة العربية لها علاقةٌ وطيدة بمجتمع المعرفة والنّهضة عبر التّاريخ، منذ عهدِ العبّاسيين والأندلسيين والنّهضة الحديثة. لكنّها باتت تعاني التّرسّباتِ السياسية والمجتمعيّة والثّقافيّة والتّعليميّة المُعيقة لقيام مجتمع المعرفة، مما جعَلَها تعكسُ تقاعُسَ أهلِها عن النهوض بها، والأمرُ الأخطرُ الذي يُخشى منه أن يؤولَ الوضعُ إلى مجتمع بدونِ لغة، مما يستحيلُ معه تصوّرُ أي نموّ معرفيّ معمَّم، يرفع من القدرة على الإنتاج والتّنافُس.
- جاءَ تقريرُ الأمم المتّحدة عن التنمية المعرفة في العالَم العربي بضرورة العناية بالتّعليم المبكّر باللغة العربية، وضرورة إقامة تعليم عالٍ وتقني باللغة العربية مع تقوية الجُهد في تعليم اللغات الأجنبية، تعليم عالٍ وتقني عربي حتّى تحصلَ تنميةُ قدراتِ التّملّك والتّفكير وتنمية القُدراتِ الذّهنية والإبداعيّة، وإقامة جسور التّداخُل والتّكامُل بين التّخصصاتِ؛ لأنّ اللغة رابطة العِقد في منظومة المعرفة .
- دَعا التّقريرُ إلى إقامةِ مجتمع المعرفة على أربعة أركان:
* إطلاقُ حريّة الرأي والتّعبير والتّنظيم
* نشر التّعليم ذي الجودة الرّاقية
* توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التّقاني في مختلف الأنشطة المجتمعيّة
* التّحوّل الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعيّة الاقتصادية العربية، وتعزيز نَسَق حَفز مجتمعيٍّ يُعلي من شأن اكتسابِ المعرفة وتوظيفِها، وتأسيس نموذج معرفي عربي عام أصيلٍ منفتح ومستنير
إن الوطن العربي امام فرصة هامة للاستفادة من هذه التوجهات الجديدة نحو اقتصاد المعرفة والمشاركة فيه وأخذ حصته منه.
التعريب والمعرفة
كما رأينا ، تتجه المعلومات المرمزة لتصبح من ركائز الاقتصاد الأساسية ، والتعامل مع المعلومات يتطلب التعامل مع اللغات، وتوفر المعلومات في اللغة الأم يسهل هذا التعامل . إن توليد المعلومات ونقلَها ونشرها واستثمارها يتطلب معرفة اللغة الأجنبي|ة المتداوَلَة التي يتوفر فيها القدر الأكبر من المعرفة حالياً ، ولكنّ توسيعَ انتشار المعرفة واستثمارها لدى كافة طبقات الأمة يتطلب التعريب .
فالتعريب توجّه هام خاصة في مجالي نشر المعلوماتِ واستعمالها أكثر منه في مجالي توليد المعلومات ونقلِها. وتعريب المعرفة اللازمة للأمة أصبح من ضرورات التنمية اكثر من أي وقت مضى .
لا يخرج التعريب عن البرامج العامة للبحث العلمي في الجامعات والأكاديميات، أمّا واقع اللغة العربية والبحث العلمي في جامعاتنا فيطبعها:
- سياسة لغوية تغريبية في كثير من البلدان العربية، قفزت باللغة العربية إلى المرتبة الثّانية أو الثالثة، وألقت بها في ظروف صَعبَة فيما يتعلّق بالبحث العلمي، عندما حلّت محلّها اللغات الأجنبية المواكبة للتنمية البشرية التي حدّت من فعاليتها ...
- إهمال التّكوين المستمرّ للأستاذ الباحث من أجل تطوير طرائق تدريسه ومعلوماته بأحدث الأساليب وبمساعدة خبراء في اللغة
- تراكُم التّجارب الفاشلة في ميدان إصلاح التّعليم في كثير من البلدان العربية، ولا تزال فلسفة التعليم غير واضحة المَعالم عند أوصياء التعليم، ولا يزال تدريس اللغة العربية وما يتّصل بها من آداب ومعارفَ يُعاني أزمات شتّى