حبى الله العربية جَدا سعيدًا وقَدرًا مقدورًا من الفضل والمنزلة وخصّها بأسرار جعلتها تُحْرِزُ القِدْحَ المُعلّى في السيادة وتستحوذ على قَصَب السبْق في الريادة بين اللغات، فما من لغة من اللغات تجاور العربية إلا تأثرت بها صبغة وألفاظًا وثقافة، وما من صقعٍ من أصقاع الدنيا تَحُطُّ العربيةُ فيه رحالها وتُنِيخ مطاياها به إلا تسارعت إليها الرغبات واسّابقت إليها الهمم.
وتجربتي في تدريس العربية بغير أرض العرب أطلعتني على مقدرة العربية على التغلغل في الشعوب والثقافات والأجناس عامة بلا حاجز طبيعي أو غيره، وبخاصة في مقاطعات الشمال الغربي حيث مقطِنُ المسلمين ونزوحهم ومستقرهم، عملت بقسم اللغة العربية بكلية اللغات الأجنبية بجامعة القوميات في مقاطعة( Gansu)مدينة(Lanzhou) وقسم اللغة العربية في هذه الجامعة من أعرق الأقسام وأقدمها على مستوى الصين، ويحتل المرتبة الأولى بين أقسام العربية من حيث عدد الطلاب، وخريجوها يحظون بفرص عمل مرموقة في مجال الترجمة والتسويق والعمل بمختلف الشركات التي تحتاج إلى اللغة العربية في الصين وخارجها. وقد لاحظت من خلال السنوات التي أقمتها في هذه الجامعة أن العربية أصبحت حلمًا يراود مشاربَ عديدة، يراود طلاب المسلمين الراغبين في تعلم لغة دينهم وثقافته، وكذلك يراود مطامح الشباب المتطلعين إلى سوق العمل العربية في بلاد العرب.
تواجههم كثير من المشكلات في تعلم اللغة العربية على مستويات عدة، أولها مستوى القاعدة: فالقواعد العربية تختلف عن تلك التي تقابلها في اللغة الصينية من حيث الشكل والمضمون.
وعلى مستوى الاستعمال: فالطلاب ينهكون أنفسهم ويخزنون ذاكرتهم بحشد من المفردات والتراكيب والأساليب المحفوظة ثم يتعثرون في استعمالها بسهولة في الناحية التطبيقية كتابة ومحادثة.
وعلى مستوى المفردات: حيث تتخبط المناهج المعدة لهم في إيجاد الفوارق الجوهرية بين المترادفات والمتجانسات من المفردات اللغوية التي يختارونها في التدريس.
وأخيرًا على مستوى الأساليب: حيث ينبغي على تلك المناهج أن تراعي وباستمرار أحدث ما توصلت إليه المجامع العربية في الأساليب المعاصرة ومعرفة الفصيح منها والعامي وتجريدها من الأخطاء الشائعة التي لا تسوغها العربية من وجهٍ، فإني لاحظت أن كثيرًا من الأساليب قد حُشِدت حشدًا في هذه المناهج محاولةً تطبيق القواعد عليها قَسْرًا، وربما تأبى القواعد ذلك، وأحيانًا يستبدلون الذي هو معاصر عامي بالذي هو أفصح من العبارات مجاراة للاستعمال الشائع في الواقع المشاهد. وربما كان الأسلوب الكلاسيكي القديم أسهل جريًا على اللسُن وأوجز في التعبير.
غاية ما أريد أن أقوله إن العربية تواجه ظواهر صحية عديدة في شمال الصين، وتعاني مخاضًا ميمونًا وتنشغل بها الجامعات والدراسات ومراكز البحوث والوعي العام بما يبعث على التفاؤل والسرور، ونحن نتطلع إلى توصيل صوت العربية النائي في تلك الأطراف المترامية إلى المهتمين بنهضة العربية وخدمتها في بلادنا ونقترح على المجمعيين والباحثين ضرورة العمل والتكاتف من أجل إخراج مناهج تواكب مشكلات واقع تعليم العربية لغير الناطقين بها على كافة المستويات. والله ولي التوفيق.