وقفات لغوية في كتاب (تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك) للجلال السيوطي
الاستطابة والاستجمار والاستنجاء:
وحين وقوفِ السيوطيُّ على لفظةِ (الاستطابة) الواردةِ في الحديثِ النبويِّ الذي نصُّه: «عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ( سُئِلَ عَنِ الاِسْتِطَابَةِ، فَقَالَ: أَوَلاَ يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلاَثَةَ أَحْجَارٍ؟»()1. قالَ معلِّقاً: ((و((الاستطابة)) طلبُ الطيبِ، وهي و((الاستجمار والاستنجاء)) بمعنى واحد، إلا أَنَّ الاستجمارَ لا يكونُ إلا بالأَحجار، والآخرانِ يكونان بالماءِ ويكونان بالأَحجار))()2.
جاءت هذه الأَلفاظُ بدلالةٍ واحدةٍ في أَغلبِ كتبِ اللغةِ، وهي التَّنظُّفُ من القذرِ بعدَ قضاءِ الحاجة، بماءٍ أَو حجرٍ كما تدلُّ عليه لفظتا (الاستنجاء والاستطابة)، أَو بحجرٍ فقط، كما تدلُّ عليه لفظةُ (الاستجمار).
فقد ذكرَ الخليلُ لهذه الأَلفاظِ دلالةً واحدةً، فقالَ عن الاستطابةِ: ((وفي الحديثِ: يُكْرَهُ أَنْ يَستطيبَ الرَّجلُ بيَمِينِهِ، أي: يَسْتَنْجي))()3، وفسَّرَ الاستنجاءَ بأَنَّه التنظُّفُ فقالَ: ((والاستِنجاءُ: التَّنظُّفُ بمدرٍ أو ماءٍ))()4، وقالَ عن الاستجمارِ: ((والاستجمارُ: استِنجاءٌ بالحجارة))()5.
وذكرَ أَبو عبيد()6 أَنَّ لهذه الأَلفاظِ دلالةً واحدةً، وكذلك ابنُ قتيبةَ()7. والأَزهريُّ()،8 وابنُ فارسٍ()9، والجوهريُّ()10، ذكروا لكلِّ لفظةٍ من هذه الأَلفاظِ الدلالةَ نفسَها، وكذلك القاضي عياضٌ()11.
وقد بيَّنَ دلالاتِ تلك الألفاظِ ابنُ الأَثيرِ فقالَ: ((الاسْتِجْمَار: التَّمَسُّح بالجِمَار، وَهِيَ الأحْجار الصِّغَارُ))()12، وقالَ في تفسيرِ الاستطابةِ: ((الاسْتِطَابَة والإِطَابَة: كِنايةٌ عَنِ الاسْتِنْجاء، سُمِّي بِهَا مِنَ الطِّيب، لِأَنَّهُ يُطَيِّب جَسَده بِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَبَث بالاسْتِنْجاء: أَيْ يُطَهِّره، يُقَالُ مِنْهُ: أَطَابَ واسْتَطَابَ))()13، وقالَ عن الاستنجاءِ: ((وَقِيلَ: هُوَ إزالَتُه عَنْ بَدَنِهِ بالغَسل وَالْمَسْحِ))()14.
وأَعطى ابنُ سيده الدلالةَ نفسَها لهذه الأَلفاظِ فقالَ عن الاستجمارِ : ((والاستجمار: الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ))()15، وبيَّنَ أَنَّ الاستنجاءَ يدلُّ على التنظُّفِ فقالَ: ((والاستنجاء: الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ من النَّجْو والتمسح بِالْحِجَارَةِ مِنْهُ))()16، وفسَّرَ الاستطابةَ بأَنَّها استنجاءٌ فقالَ: ((والمُسْتَطِيبُ: المُسْتَنْجِي، مُشْتَقٌّ من الطِّيبِ؛ لأنَّه يُطَيِّبُ جَسَدَه بذِلك مما عَلَيه من الخَبَثِ))()17، فأَعطى الدلالةَ نفسَها لكلِّ واحدٍ من هذه الأَلفاظِ.
وقد فصَّلَ القولَ في ذلك الإِمامُ ابنُ قدامةَ المقدسيُّ في باب (الاستطابة والحدث) في الفقه، فقالَ : ((الِاسْتِطَابَةُ: هِيَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ، يُقَالُ اسْتَطَابَ، وَأَطَابَ: إذَا اسْتَنْجَى؛ سُمِّيَ اسْتِطَابَةً لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ جَسَدَهُ بِإِزَالَةِ الْخُبْثِ عَنْهُ،... وَالِاسْتِنْجَاءُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ نَجَوْت الشَّجَرَةَ أَيْ: قَطَعْتهَا، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ الْأَذَى عَنْهُ()18، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ()19: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا، وَالِاسْتِجْمَارُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْجِمَارِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا فِي اسْتِجْمَارِهِ))()20.
وقالَ النوويُّ: ((يُقَالُ الِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِجْمَارُ وَالِاسْتِنْجَاءُ لِتَطْهِيرِ مَحَلِّ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَأَمَّا الِاسْتِجْمَارُ فَمُخْتَصٌّ بِالْمَسْحِ بِالْأَحْجَارِ وَأَمَّا الِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ فَيَكُونَانِ بِالْمَاءِ وَيَكُونَانِ بِالْأَحْجَارِ))()21.
وبهذا يترجَّحُ أَنَّ الاستجمارَ والاستطابةَ والاستنجاءَ أَلفاظٌ مترادفةٌ تعطي الدلالةَ نفسَها، وهي التنظُّفُ من القذرِ بعدَ قضاءِ الحاجةِ.
-------------------------------------------
(1) الموطأ: 1/64 - 65، كتاب الصلاة، جامع الوضوء، حديث رقم: 63، وينظر: صحيح مسلم: 1/223، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، حديث رقم: 262، وسنن الترمذي: 1/24، أبواب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة، حديث رقم: 16.
(2) تنوير الحوالك: 1/106، كتاب الطهارة، جامع الوضوء.
(3) العين: 7/461، مادة (طيب).
(4) م ، ن: 6/186، مادة (نجو).
(5) م ، ن: 6/123، مادة (جمر).
(6) غريب الحديث: 1/101 -102، و1/180 – 181.
(7) غريب الحديث: 1/159 – 160.
(8) تهذيب اللغة: 11/54، مادة (جمر)، و11/136، مادة (نجو)، و14/29، مادة (طيب).
(9) مقاييس اللغة: 3/435، مادة (طيب)، و5/398، مادة (نجو)، ومجمل اللغة: 197، مادة (جمر).
(10) الصحاح: 1/173، مادة (طيب)، و2/617، مادة (جمر)، و6/2502، مادة (نجو).
(11) مشارق الأنوار: 1/152، و1/324، و2/5.
(12) النهاية في غريب الحديث: 1/292.
(13) م ، ن: 3/149.
(14) م ، ن: 5/26.
(15) المحكم والمحيط الأعظم: 7/417، مادة (جمر).
(16) م ، ن: 7/558، مادة (نجو).
(17) م ، ن: 9/227، مادة (طيب).
(18) ينظر: مرويات شمر بن حمدويه اللغوية: 861.
(19) ينظر: غريب الحديث: 1/159 – 160.
(20) المغني: 1/205، وينظر: الكافي في فقه أهل المدينة: 1/459، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المرداوي: 4/101، ومغني المحتاج: 2/299.
(21) شرح النووي على مسلم: 3/125.