وقفات لغوية في كتاب (تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك) للجلال السيوطي
فَعِيلة:
إِنَّ صيغةَ فعيلٍ إِذا لحقتها التاءُ انتقلَت من دلالتِها على الوصفيةِ إلى الدلالةِ على الاسمية، فالذبيحةُ تدلُّ على ما أُعدَّ للذبحِ، وليس فيها دلالةُ الوصفِ والحدثِ()1، وكذلك النطيحة.
جاءَ في شرحِ ابنِ عقيلٍ: ((...فإِن استُعملَ استعمالَ الأَسماءِ، أَي لم يتبعْ موصوفَه، لحقته التاءُ، نحو هذه ذبيحةٌ، ونطيحةٌ، وأَكيلةٌ، أَي مذبوحةٌ، ومنطوحةٌ، ومأكولةُ السبعِ، وإِنْ لم يُستعمل استعمالَ الأَسماءِ، أَي بأَنْ يتبعَ موصوفَه، حُذِفت منه التاءُ غالبا، نحوُ مررتُ بامرأَةٍ جريحٍ، وبعينٍ كحيلٍ، أَي مجروحةٍ، ومكحولةٍ، وقد تلحقُه التاءُ قليلاً، نحوُ خصلةٌ ذميمةٌ، أي مذمومةٌ، وفعلةٌ حميدةٌ، أَي محمودة))()2.
وقالَ الرضيُّ: ((وإِنَّما قلنا انتقلت إِلى الاسميةِ؛ لأَنَّ الذبيحةَ ليست بمعنى المذبوحِ فقط حتى يقعَ على كلِّ مذبوحٍ، كالمضروبِ الذي يقعُ على كلِّ مَن يقعُ عليه الضربِ، بل الذبيحةُ مختصٌّ بما يصلحُ للذَّبحِ، ويُعَدُّ له من النَّعم، وكذا الأَكيلةُ ليس بمعنى المأكولِ، إذ لو كان كذا لكان يُسمى الخبزُ والبقلُ أَكيلةً، إِذا أُكلَ، بل الأَكيلةُ مختصٌّ بالشاةِ، وكذا الضَّحيَّةُ مختصٌّ بالنَّعم، والرَّميَّةُ بالصيدِ، والنطيحةُ بالشاةِ الميتةِ بالنطحِ، وليس كلُّ منطوحٍ أَو كلُّ شاةٍ منطوحةٍ نطيحةً، فهذه هي العلَّةُ في خروجِها عن مذهبِ الأَفعالِ إِلى حيزِ الأَسماءِ، بسببِ اختصاصِها ببعضِ ما وقعت عليه في الأَصلِ وغلبتها فيه))()3.
ومما جاءَ على هذه الصيغةِ لفظةُ (الرَّمِيِّة) الواردةُ في الحديثِ الشريفِ الذي منه: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَلاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ...»()4.
فقالَ السيوطيُّ مُعلِّقاً: (( (كما يمرقُ السهمُ من الرَّمِيَّة) بكسرِ الميمِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، وهي الطريدةُ من الصيدِ، فعيلةٌ من الرَّمي، بمعنى مفعولة، دخلتها الهاءُ إِشارةً إِلى نقلِها من الوصفيةِ إِلى الاسمية))()5. فبيَّنَ السيوطيُّ أَنَّ (الرمِيَّة) هي الطريدةُ من الصيدِ، وأَنَّ التاءَ دخلت لنقلِها من الوصفيَّةِ إِلى الاسميِّة.
وكذلك عندَ وقوفِه على لفظةِ (الحريسة) الواردةِ في الحديثِ الشريفِ الذي نصُّه: « لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ. وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ أَوِ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ »()6.
قالَ السيوطيُّ: (( (والحريسة) فعيلة بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها ويحفظها ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها يقال حرس يحرس حرسا إذا سرق أي ليس فيما يسرق من الماشية بالجبل قطع))()7.
فالحريسةُ فعيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، أي محروسةٌ، ولكنَّها جاءت بتاءِ التأنيثِ للدلالةِ على الاسميَّةِ. قالَ أبو عبيد: ((فالحريسةُ تُفَسّرُ تفسيرين : فبعضُهم يجعلُها السرقةَ نفسَها ; يُقال : حَرَست أحرِسُ حَرَساً، إذا سرقَ فيكونُ المعنى أَنَّه ليس فيما يُسرقُ من الماشيةِ بالجبلِ قطعٌ حتى يُؤويها المُراحُ، والتفسيرُ الآخرُ أَنْ يكونَ الحريسةُ هي المحروسةُ فيقولُ : ليس فيما يُحْرسُ في الجبلِ قطعٌ؛ لأَنَّه ليس بموضعِ حرزٍ وإِنْ حُرِسَ))()8.
قالَ ابنُ فارس: ((وَأَمَّا حُرِيسَةُ الْجَبَلِ، الَّتِي جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ، فَيُقَالُ هِيَ الشَّاةُ يُدْرِكُهَا اللَّيْلُ قَبْلَ أُوِيِّهَا إِلَى مَأْوَاهَا، فَكَأَنَّهَا حُرِسَتْ هُنَاكَ))()9.
وفي تعليقِه على لفظةِ (السَّرِيَّة) الواردةِ في الحديثِ الذي نصُّه: « أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ بَلَغَنَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ( كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يَقُولُ لَهُمُ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَالسَّلاَمُ عَلَيْكَ »()10. قال: (( (والسَّرِيَّة) قطعةٌ من الجيشِ تخرجُ منه تُغِيرُ وترجعُ إليه، قال إبراهيمُ الحربيُّ()11: هي الخيلُ تبلغُ أَربعَمائةٍ ونحوهَا، سُمِّيتْ سَرِيَّةً؛ لأَنَّها تَسيرُ بالليلِ وتُخفي ذهابَها، وهي فعيلةٌ بمعنى فاعلة))()12.
وحين علّقَ على الحديثِ الذي نصُّه: « قالَ مالكٌ: وَإِنَّمَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، يُتَحَرَّى ذَلِكَ، وَيُخْرَصُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ، وَالشِّرْكِ، وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوعِ مَا أَشْرَكَ أَحَدٌ أَحَدًا فِي طَعَامِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَلَا أَقَالَهُ مِنْهُ، وَلَا وَلَّاهُ أَحَدًا حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ »()13. قالَ السيوطيُّ: (( (العرايا) جمعُ عَرِيَّةٍ، بتشديدِ الياءِ، كمطايا ومَطيَّة، مشتقةٍ من التَّعرِّي، وهو التجرُّدُ؛ لأَنَّها عَرِيَتْ عن حكمِ باقي البستانِ، وهي فعيلةٌ بمعنى فاعلةٍ، وقيلَ بمعنى مفعولة))()14.
والراجحُ أنَّها بمعنى مفعولةٍ، قالَ الجوهريُّ: ((والعَرِيَّةُ: النَّخلةُ يعريها صاحبُها رجلاً مُحتاجاً، فيجعلُ له ثمرَها عاماً، فيعروها أَي يأتيها، وهى فعيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، وإِنَّما أُدخلتْ فيها الهاءُ لأَنَّها أُفردت فصارت في عدادِ الأسماءِ، مثلُ النَّطيحةِ والأَكيلة))()15.
(1) ينظر: معاني الأبنية: 63، والمخصص: 5/105، والزاهر في معاني كلمات الناس: 2/53.
(2) : 4/94، وينظر: الصرف الواضح: 176.
(3) شرح الشافية: 2/142 – 143.
(4) الموطأ: 1/282، كتاب الصلاة، ما جاء في القرآن، حديث رقم: 545، والحديث في صحيح البخاري: 6/197، كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تآكل به أو فخر به، حديث رقم: 5058، وصحيح مسلم: 2/743، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث رقم: 1064.
(5) تنوير الحوالك: 1/352، كتاب القرآن، باب ما جاء في القرآن.
(6) الموطأ: 2/394، كتاب الحدود، ما يجب فيه القطع، حديث رقم: 2407، انفرد به الإمام مالك.
(7) تنوير الحوالك: 2/367، كتاب الحدود، باب ما يجب فيه القطع.
(8) غريب الحديث: 3/98 – 99.
(9) مقاييس اللغة: 2/38، مادة (حرس).
(10) الموطأ: 1/577 – 578، كتاب الجهاد، النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو، حديث رقم: 1293، وينظر: صحيح مسلم: 3/1357، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث...، حديث رقم: 1731، وسنن أبي داود: 3/37، كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين، حديث رقم: 2613.
(11) لم أعثر على النص في غريب الحديث لإبراهيم الحربي.
(12) تنوير الحوالك: 2/90، كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو.
(13) الموطأ: 2/143، كتاب البيوع، ما جاء في بيع العرية، حديث رقم: 1815.
(14) تنوير الحوالك: 2/222، كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع العرية.
(15) الصحاح: 6/2423 – 2424، مادة (عرا).