قد يطلقُ على المسرعِ المتعجِّلِ (المُذَبْذَبُ) في اللغة؛ لاضطرابِه وعجالتِه. وقد جاء ذلك في بيتٍ للبُعيثِ بنِ حريثٍ، هو:
خيالٌ لأمِّ السلسبيلِ ودونَها ... مسيرةُ شهرٍ للبريدِ المذبذبِ
والبيتُ في ديوانِ الحماسة.
قال المرزوقي في شرحِه: " خبر الابتداء محذوف، كأنه قال: خيالٌ لهذه المرأة أتاني أو زارني، وبيني وبينها مسيرة شهرٍ للبريد المسرع المتعجل. كأنه استطرف من الخيال ما كان يستطرقه من المرأة لو زارت. وقوله " البريد المذبذب " كما يقال للسائق الحاث طاردٌ. ألا ترى قوله يصف فرساً:
ويسبق مطروداً ويلحق طارداً
لأنَّ المذبذب والمذبب الأصل فيهما واحدٌ، يرجع إلى الطرد والاستعجال. والمسرع المستعجل يتذبذب، أي يضطرب." شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص: 273).
وفسَّره التبريزيُّ بالمسرعِ كذلك في شرحِ الحماسةِ. قال: " والمذبذب المسرع الَّذِي لَا يسْتَقرّ وَالْمعْنَى خيال لهَذِهِ الْمَرْأَة زارني بيني وَبَينهَا مسيرَة شهر للبريد المسرع". شرح ديوان الحماسة للتبريزي (1/ 141).
ولكنَّ الأزهريَّ ذكرَ أنَّ المُذَبِّبٌ هو العَجِلُ ولم يذكر المذبذبَ. وعزا ذلك إلى ابنِ السِّكِّيتِ فقالَ: "وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال جَاءَنا رَاكِبٌ مُذَبِّبٌ وَهُوَ العَجِلُ المُنْفَرِدُ، وظِمْءٌ مُذَبِّبٌ طَوِيل يُسَار فِيهِ إِلَى المَاء مِنْ بُعْدٍ فَيُعَجَّلُ بالسير، وَخمْس مُذبِّب: لَا فتور فِيهِ." تهذيب اللغة (14/ 298).
والجوهريُّ لم يذكر المذبذب. وكذلك ابنُ فارسٍ. أمَّا ابنُ سِيده فقد فسَّرَه بالمذببِ. قال: " وقولُه
(مَسِيرَة شَهْرٍ للبَعِيرِ المُذَبْذبِ ... ) أرادَ المُذَبِّب". المحكم والمحيط الأعظم (10/ 56).
وفسَّرَ الفيروزآبادي (المذبذب) بالمتردِّدِ بين أمرين. قالَ: " ورجُلٌ مُذَبْذِبٌ، ويُفْتَحُ: مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ.". القاموس المحيط (ص: 85).
وجاء في لسانِ العربِ أنَّ المذبذبَ أصلُّه من الذَّبِّ، وهو الطَّردُ. ذكر ذلك عن ابنِ الأثير. وقد جعل ابنُ الأثيرِ جذرًا لهذه المادةِ (ذبذب). قالَ: " وأصلُه مِنَ الذَّبِّ وَهُوَ الطَّرْدُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَوَّلِ.". النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 154). وأراد بقولِه: " وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَوَّلِ.". أي: من الأصلِ الأول. وهو الحركة. وقد ذكر ذلك في أولِ كلامِه على مادة (ذبذب).
ويبدو أنَّ دلالةِ السرعةِ والعجلةِ جاءت من بنيةِ الفعلِ (ذبذب) الدالِّ على الحركةِ باضطرابٍ، فهو نتيجةُ السرعةِ والعجلةِ. وليس من بنيةِ الفعلِ (ذبّ) فالأخيرُ يدلُّ على الدفعِ والطردِ. وربَّما بنيةُ الذبذبةِ من الفعلِ المضاعفِ (ذبذب) قد أعطت دلالةِ الحركةِ والاضطرابِ لهذا الجذر.
جاء في كتاب الأفعالِ لابن القطاعِ: " (الذبذبة) تردد شيء معلق في الهواء وهي أيضا الاضطراب. ذبذب". كتاب الأفعال (1/ 400).