وبدهي أن رؤية الوجوه الكثيرة لا تتم بلا تقديرات وتأويلات تحتملها الآيات الكريمة ,ولولا أنها موجودة في كلام العرب الذي نزل به القرآن الكريم لكان هذا الحديث لايمثل الواقع اللغوي العربي ، قال الغزالي مبيناً سر ذلك :إن القرآن أنزلبلغة العرب ،
فكان مشتملاً على أصناف كلامهممن إيجاز وتطويل وإضماروحذف وإبدالوتقديم وتأخير ،ليكون ذلك مفحماً لهم ،ومعجزاً في حقهم ([1] )ومما يدل على أن التقدير سمة من سمات العربية ،ولاتفهم العربية بدونه ، دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ([2])،فبالتأويل تكتشف المعاني المستترة تحت التراكيب الظاهرة
وقال ابن عباس " القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه" ([3])
فإذاكان القرآن الكريم قد نزل باللسان العربي المبين ،فذا يعني أن الكلام العربي ذلول ذو وجوه ،وللوصول إلى هذه الوجوه لابد من سلوك النظام اللغوي العربي ،الذي تميز بظاهرة التقدير ،وكذلك الحال مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ،فلايمكن الوصول إلى معانيها الدقيقة إلا بمعرفة هذا النظام اللغوي العربي ،
وفيه الحذف والإضمار وكل مايتصل بالتقديرات النحوية التي نص عليها النحاة ،وقد أشار إلى ذلك الإمام العيني بقوله "أما أقواله –صلى الله عليه وسلم –فهو الكلام العربي ،فمن لم يعرف الكلام العربي بجهاته ،فهو بمعزل عن هذا العلم ،
وهي كونه حقيقة ومجازاًوكناية
وصريحاً وعاماً وخاصاً ومطلقاً ومقيداًومحذوفاًومضمراً...ونحو ذلك مع كونه على قانون العربية الذي بينه النحاة بتفاصيله ،وعلى قواعد استعمال العرب وهو المعبر عنه بعلم اللغة ([4] )
لقد أكد اللغويون أن العرب كانت تضمر وتقدر في كلامها ، ولبيان ذلك عقد الثعالبي عدداً من الفصول كلها تشير إلى ظاهرة التقدير، وأورد أمثلة عليه بعضها من القرآن الكريم , وبعضها من كلام العرب، من ذلك قوله في "فصل عن إقامة الاسم والمصدر مقام الفاعل والمفعول" قال تقول العرب : رجل عدلٌ أي عادل ورضا أي مرضي , وبنو فلان لنا سلم ،أي مسالمون ،وحرب أي محاربون , وفي القرآن الكريم " ولكن البرَّ من آمن بالله وتقديره ولكن البرَّ بر ُّ من أمن بالله، فأضمر ذكر البر , وحذفه([5]) .
وعقد فصلاً لإلغاء خبر( لو )اكتفاءً بما يدل عليه الكلام وثقة بفهم المخاطب , قال ذلك من سنن العرب وأورد فيه قوله تعالى : (ولو أنَّ قرآنا سيرتْ به الجبالُ أو قطعتْ به الأرضُ أو كلم به الموتى بل لله الأمرُ جميعا) والخبر عنده مضمر كأنه قال : لكان هذا القرآن([6])
وكأني به يريد التأكيد على أن التقدير خُلِقَ مع العربية ،وأنه لاينبغي الترددفي قبوله ،لذا عقد فصلاً آخر عنونه بفصل مجمل في الإضمار يناسب ماتقدم من الحذف،بين فيه سبباً من أسباب التقدير أيضاً، قال : من سنن العرب الإضمار إيثاراً للتخفيف ،
وثقة بفهم المخاطب، ومن ذلك إضمار (أن) وحذفها من مكانها كما قال تعالى : ( ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ) . أي أن يريكم البرق .
وقال طرفة :
ألا أيهذا الزاجريُّ أحضرَ الوغى ************ وأن اشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخلدي
فأضمر (أن) أولاً , ثم أظهرها ثانياً في بيت واحد ,
وتقديره : (ألا أيهذا الزاجري أن احضر الوغى ) ([7])
ومن ذلك إضمار الفعل كما قال تعالى : ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى) , وتقديره : فضُرِبَ فحُيِيَ، كذلك يحيي الله الموتى . ومثله ( وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) ,
وتقديره فضرب فانفجرت .... ومن ذلك
_ إضمار القول كما قال تعالى : ( وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد أيمانكم ) في ضمنه( فيقال لهم أكفرتم ؟ ), لأن (أما) لابد لها في الخبر من فاء ،فلما أضمر القول أضمر الفاء . وقال الشنفرى :
فلا تَدفنوني إنَّ دفني محرَّمٌ *********** عليكمْ ولكن خامِري أمَّ عامر
يريد لا تدفنوني ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صيدت :خامري أم عامر . يعني الضبع لتأكلني [8],
فمما سبق كله ندرك أن ظاهرة التقدير واضحة في اللغة العربية . وهناك إجماع بين العلماء عليها، والإجماع حجة , ولم نجد أحداً من العلماء والفقهاء القدماء نقد النحويين في تقديراتهم التي قدروا بها بعض الآيات القرآنية التي احتاجت إلى تقدير
وما ذلك إلا لأنهم مدركون بأن العربية خُلقت هكذا، .ولعل من الخير أن نقدم للقارئ،مثالاً نتبين منه أن الفقهاءأنفسهم اعتمدوا على التقديرالنحوي للوصول إلى الحكم الشرعي ،قال الله تعالى "الحج أشهر معلومات "ذهب الشافعي إلى أن التقدير في الآية أن: وقت الحج أشهر معلومات ،فحذف المبتدأالذي هو( وقت )
وأُقيم المضاف إليه مقامه ،وأخذ إعرابه ،وبنى على ذلك أنه لايصح الإحرام بالحج إلا في أشهره ،فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به ،وقد خصص وقته كما خصص ،الميقات ،وكما خصصت أوقات الصلوات ،والمهم أنه على هذا التقديررجعنا إلى القاعدة المطردة وهي أن المبتدأهو الخبر ،والخبر هو المبتدأ
أما لو بقيت على ظاهرها لكان الخبر غير المبتدأ،لأن الحج ليس هو الأشهر ،فهو مناسك ومشاعر وعبادات ومناسك في أوقات مخصوصة
_______________________
يتبع ,,,
[2]- روح المعاني 6/1 وتفسير القاسمي 8/1 , وانظر تخريج الحديث في هامش تفسير القاسمي
[5] فقه اللغة 331. ذهب الكوفيون إلى تقدير المصدر بالمشتق فقالوا : رجل عدل أي عادل , وذهب البصريون إلى أن التقدير ذو عدل أي صاحب عدل . أما الآية الكريمة فلجأوا إلى التقدير فيها لأنه لا يخبر بالجثة عن المعنى , ويجوز ألا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أو يقال: بإطلاق البر على البار مبالغة , والأول أوفق-كما قال الآلوسي - أي على تقدير مضاف (أي بر) من آمن , انظر روح المعاني 2/45
[7]- فقه اللغة 340 وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 248
-[8] فقه اللغة 340،وانظر تأويل مشكل القرآن 248