وذهب مالك إلى أن التقدير :الحج حج أشهر معلومات ،فعلى هذا التقديريكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها ،وإن كان ذلك صحيحاًأي يصح الإحرام بالحج في جميع السنة،([1])والمستفاد أن هذا التقدير حوفظ فيه على القاعد ةالمتلئبة وهي أن المبتدأهو الخبر ،والخبر هو المبتدأ ،وبدهي أن المضاف وهو حج حذف ،وأقيم المضاف إليه مقامه ،([2])ثم لاشك بعد ذلك كله أنه لولا تقدير هذا المبتدأ لكان "أشهر" منصوبة -كما قال مكي –كقولنا : :القتال غدا(ً[3])
من هذا كله ندرك أن ظاهرة التقدير اتفق كل المشتغلين بالعلوم اللغوية والشرعية ،على وجودها ظاهرة لغوية،لأنها كما ذكرت خُلقت مع العربية،والواضع حكيم كما قالوا ،وقد ذكرت سابقاً أن التقدير يراد به تلك العملية العقلية التي تسعى إلى كشف المعاني المخبوءة في الجملة العربية
ولا مانع من أن نتوسع فيه يتسع لنطلقه على ما يطرأعلى الكلمة أو الجملة من عمليات صرفية أو صوتية، لأنه لابد من العملية الذهنية التي نسعى من خلالها إلى تصور ماجرى على الكلمة حتى بدت في صورتها التي شاركت في تشكيل الجملة، فالقول :إن أصل كساء هو كساو ثم كسااثم كساء هو تقديري تخيلي ومثل ذلك القول :إن أصل لم يسع هو لم يسعى،
و لاننسى هنا أن نذكرأيضاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم لنتبين منه علاقة الإعراب بالتقدير الصرفي ،قال عليه الصلاة والسلام :إذا أقرض أحدكم قرضاً فأُهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبه ولا يقبلها .."فإذا قدرت قرضاً اسم مصدر فهو مفعول مطلق مؤكد للعامل أي إذا أقرض أحدكم قرضاً ،وإذا قدرته اسم مفعول فيجوز جعله مفعولاً ثانياً والتقدير إذا أقرض أحدكم مُقرضا أي مالاً أو غيره ([4]،)
ويمكن أن يمتد التقدير ليشمل _فيما أحسب _ مباحث من علم البيان من تشبيه و مجاز واستعارة وكناية وتورية وتوجيه ،بل إن التوحيدي أشار إلى ما يسمى "بلاغة التأويل "وهي التي تحوج كما يقول إلى التدبر والتصفح ،وبين ثمرتها قائًلاً"وبهذه البلاغة يُتسع ُ في أسرار معاني الدين والدنيا ([5] )،
فكل ما يعتمد في كشف معناه على ذلك الخيال الذي يجب أن نتخيله لنصل به إلى الصورة الأساسية للجملة ،ثم نتصور بعد ذلك الصورة الحديثة التي استقرت عليها العبارة ،يمكن إدراجه تحت ظاهرة التقدير بمفهومه العام ، فالتقدير بهذا الشمول أولى-فيما أحسب - من تقييده بالتقدير النحوي، لأننا نزعم أن كل فروع العربية تسعى إلى كشف المعاني التي تحتملها الجملة العربية، وكلها تتشارك في الكشف عنها،ولا توجد مخالفة بين أنواع التقديرات التي تشملها علوم العربية
ولكن لا شك أن من أهمها التقدير النحوي، لأنه النواة الأولى للمعنى، فإذا صح صحت بقية الاعتبارات التي ننظر بها إلى الجملة العربية- والله أعلم- ولا ننسى في هذا المقام أن أستطرد فأشير إلى دور حركات الإعراب في بيان المعنى ،فهي أيضاً العنصر المهم الذي يتشارك مع عناصر أخرى للوصول إلى المعنى المراد ،وهي تمثل تسعين في المئة من كمية العناصر الأخرى
فليس السياق وحده كما يزعم بعض من لم يفقه هذا العلم هو الفيصل للوصول إلى المعنى، والدليل على ذلك -مثال بسيط نضربه لأولي النهى- أننا لو قلنا :نجح الطلابُ المجتهدون وكلَُّ-وكل-َّ طلابِ الجامعة، ففي اختلاف ضبط (كل )بالشكل يستدل على معنى يختلف عن الآخر، فلو نصبتها لكان المعنى أن الطلاب المجتهدين مع طلاب الجامعة نجحوا كلهم في وقت واحد، ولو رفعنا (كل) لاحتملت الجملة معنيين:
الأول: أن الطلاب المجتهدين نجحوا وجميع طلاب الجامعة موجودون في الجامعة، فالواو إستئنافية وكل مبتدأ ونقدر خبراً لها أي موجودون.
والمعنى الثاني :أن الطلاب المجتهدين نجحوا ومعهم أيضا طلاب الجامعة وربما نجح المجتهدون أولاً ثم نجح طلاب الجامعة بعدهم وربما نجح طلاب الجامعة أولاً ثم المجتهدون ،وربما نجحوا جميعاً في وقت واحد أو في أوقات مختلفة
كل هذه الاحتمالات تحتملها هذا الجملة، ولولا حركات الإعراب على لفظة( كل )لم يفد السياق الذي يرتكنون إليه إلا معنى واحداً- والله أعلم- وانظر إلى حديث الرسول صلى الله علية وسلم عن قرينه ففي رواية قال عنه بأنه " أسلمَ" وفي رواية أخرى فأسلمُ،ثم انظر إلى قولنا :سار القائد والجند ُ،وسار القائد والجندَ،فالعطف أي الرفع هنا يفيد المشاركة في السير ،والمعية محتملة ،
أما نصب الجند فيؤ كد أنهما سارا معاً ،ولا يميز بين المعنيين إلا الحركة الإعرابية ،ثم انظر أخيراً إلى تراكيب نصب المضارع بعد واو المعية في نحو :لاتقد السيارة وتشرب الشاي ففي ضبط تشرب ،تختلف المعاني ،وهذا أمر معروف مشهور ،
وما أكثر الأمثلة التي تجعلنا نحكم بأن الحركات العربية تدل على المعاني بل إني أرى أن هذا الأمر امتد عند العربي فاستعمله في المبنيات ،أليست فتحة( أنت)َ تدل على المخاطب المذكر وكسرة (أنتِ )تدل على المخاطبة المفردة المؤنثة، والظاهر أن الاستعمال العربي للحركات دالة ًعلى المعاني كان عاماً سواء في أول الكلمة أم في وسطها أم في آخرها ،بدليل الفرق بين الفعل المبني للمعلوم والمبني للمجهول ،
وسواء أكانت الكلمة معربة أم مبنية ،والظاهر أيضاً أن النحاة حين وجدوا ظاهرة العامل والمعمول في العربية مطردة واضحة في المعربات قرروا ذلك وبوبوه ،أما المبنيات التي حافظت على آخر حركاتها مع وجود العامل ،فقد قدروا عمل العامل في محلها ،أي خصت المعربات بتغير الحركة الدالة على المعاني حين التقعيد أما الواقع الاستعمالي العربي فكان العربي معتمداً على الحركة للتفرقة بين المعاني ،
ولا أود الخوض في هذا الجانب الآن ،لأن المراد هو بيان قيمة الحركة العربية في التفرقة بين المعاني بغض النظر عن نوع الكمة من حيث الإعراب والبناء ،وهذا كله يفيد أنه لايمكننا تجاهل دلالة الحركة ،كما يزعم بعضهم ، ثم لا شك أن الارتكان إلى السياق وحده ،
يُقصر الجملة على معنى واحد ،في حين هي مليئة بالمعاني ،و الذهاب إلى أن الجملة لاتحتمل إلا معنى واحداً إجحاف بحق العربية ،وسلب لخِصِّيصة من فضائلها ،وتنقيص من تلك الحكمة التي اشتهر بها العربي فالواضع حكيم كما قالوا ، وإنما استطردت إلى ذلك لأن منكري التقدير هم من هذه الطائفة الذين مردوا على كل قديم بجهلهم المركب.إن قالوا :إن قوله تعالى :إنما يخشى الله من عباده العلماء "يظهر المعنى من غير حركات الإعراب ،فالجواب أن القرينة الشرعية هنا هي التي دلت على المعنى ،
ونحن لاننكر القرائن في دلالتها على المعنى لكن ليست هي الفيصل بل هي عنصر من العناصر التي تدل على المراد والنحاة لم يغفلوها في أحاديثهم وعلى رأسهم سيبويه( [6])،وليت الأستاذ أورد مثالاً واحداً مما أوردناه نحن من الأمثلة ليناقش فيه ،ثم لو سلمنا للأستاذ الفاضل بما يريد ،وسألناه عن عددالأمثلة التي يمكن أن نرتكن فيها على السياق وحده في الكشف عن معانيها ؟كم نسبتها أمام عددالأمثلة التي يظهر معناها من الحركات الدالة عليها ؟أعتقد أنها لاتمثل 1%!فهل نجعل النادر أصلاً ؟
ونترك ماعليه جرى العرب قاطبة؟
_____________________________
يتبع ,,,
[1]. انظر المشكل ،لمكي ،1/123المحرر الوجيز ،1/271وروح المعاني ،1/481
[2]انظر البيان للأنباري 1/146و البحر المحيط 2/276وروح المعاني 1/481وانظر رسالة الطالب النابه ياسر السلمي (حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في الكشاف والتبيان )ففيها الكثير من الأمثلة التي قدر فيها المضاف ثم حذف ،الأمر الذي يؤكد ظاهرة التقدير في العربية
[4]- تعدد التوجيه النحوي 1/91
[5] -الإمتاع والمؤانسة 2/142