وإنما كان الحمد واجبا على الإنسان، لأن هذا الرب الخالق الجبار كان رحيما بمن خلق رحمة منقطعة النظير، رحمة تستغرق كل المعاني والصفات المرتبطة بها، رحمة توضح أن الصلة بين الرب وخلقه دائمة لطيفة، وكل ما يطلبه هذا الرب من خلقه، وبخاصة من المكلفين من بني آدم، بعد أن قدم لهم كل ما يتمتعون به من نعم في الأبدان، ونعم في السموات والأرض، يطلب السير في طريق الفضيلة والاستقامة والابتعاد عن الرذائل والدنايا، فهل يرقى أحد من الخلق إلى هذا المستوى من الرحمة واللطف والحنان؟!؟! ولهذا كله، كانت آية "الرحمن الرحيم" آية مستقلة، لبيان جلال الموقف، وسمو التعامل بين الله الخالق وبين خلقه من بني البشر ومن غيرهم.
ثم كانت آية : ( مالك يوم الدين ) لتقرر صفة أساسية من صفات الله، وأساسا مهما من الأسس التي يرتكز عليه الإيمان به، فهو المالك يوم القيامة، وهو الملك المهيمن والمسيطر، وقد جاءت هذه الصفة في سورة الفاتحة لتميز معالم الإيمان الجديد بالله، فقد تجد من الناس، قبل بعثة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبعدها، من يؤمن بالله، ولكنه لا يمكنه استيعاب وجود اليوم الآخر( أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون) المؤمنون 23. وقد وسع الاعتقاد باليوم الآخر مجال الحياة لبني البشر بعد أن كانت ضيقة محشورة في هذه السنوات التي يحياها المرء كيفما اتفق، فهو بهذا الاعتقاد يتعلق نظره وقلبه بعالم آخر له مواصفات أخرى، فهو يتحقق فيه العدل الذي افتقده في الحياة الدنيا، ويتحقق فيه الخلود الذي كان يتمناه فلا يجده كذلك في الدنيا، وإذا كانت هذه الدنيا فانية من أولها إلى آخرها فإنه، بهذا الاعتقاد، يستعلي على احتياجات الحياة الأرضية فلا يركع لأحد إلا لله، فيضع قدمه على طريق الإنسانية الفاضلة، كما يريدها الله لعباده، ويبتعد عن الصور المنحرفة التي أرادها بنو الإنسان فقصرت في تحقيق سعادته بل زادت في شقائه. إن هذا الاعتقاد ضرورة من ضرورات اطمئنان القلوب البشرية إلى أن ما حصلوا عليه في الأرض ليس منتهى ما يحصلونه في هذا الكون، بل إن لهم نصيبا آخر في حياة أخرى تستحق أن يجاهد لنيلها وأن يضحي لانتصار الحق والخير ليلقى العوض المُرضي مقابل هذه التضحية. وبهذا الاعتقاد يتحقق العدل المطلق بين الناس، لأنه لا يستوي في نهاية الاختبار المؤمنون بالآخرة والكافرون بها، إنهما لا يستويان في سلوك، ولا يستويان في شعور ولا في خُلق، لأنهما صنفان مختلفان من البشر، وهما طبيعتان مختلفتان لا تلتقيان في الأرض في عمل وسلوك، ولا تتساويان في الآخرة في ثواب وجزاء.
ثم كانت آية :" إياك نعبد وإياك نستعين" لتؤكد على حقيقة أساسية من أسس الاعتقاد النقي الصافي المبرأ من أدران الشرك والوثنية والانحراف العقدي بين بني البشر، وخلاصتها البسيطة أن لا عبادة إلا لله، ولا استعانة إلا بالله. وفي التعبير القرآني جاءت هذه الصورة من صور القصر اللغوي البلاغي الذي يؤكد على نفي أي عبادة إلا لله، وكذلك نفي أي استعانة إلا بالله. وكأن هذه الآية بكلماتها الأربع تلخص حقيقة الدين كلها كما يلخص القرآن حقيقة هذا الكون المذهل، فأي بلاغة هذه! وأي إيجاز هذا! وأي إبداع في التعبير نقف أمامه مطأطئي الرؤوس هيبة وإجلالا!
وإن ما يدهش المرء المتمعن في هذه الآية إعلانها ميلاد التحرر البشري الكامل، التحرر من الأوهام والخرافات التي كبلت طاقات البشر آمادا طويلة من حياة البشرية، فمنعتها من الاعتقاد الصحيح الذي يحفظها من الزيغ والضلال والتيه، والتحرر من عبودية الحكم الظالم، والتحرر من عبودية الأوضاع السائدة التي تمنع المرء من الانطلاق في ملكوت الله الفسيح. فإذا كان ذلك كذلك، أي لاعبودية إلا لله، ولا استعانة إلا بالله، فقد تخلص الضمير البشري من ذل الأنظمة وجبروت الأشخاص وقيود الأوضاع السائدة، كما تخلص من عبودية الأساطير والأوهام والخرافات، وأصبح الطريق ممهدا أمام الإنسان لاستغلال طاقاته الكبرى التي زوده الله بها، لنصرة حكم الله في الأرض، ممهدا بذلك لسيادة قوى الخير والحق والعدل المستضيء بنور الله الأبدي. لم يكن الإنسان، حين خلقه الله، إلا محبا للقوى الإنسانية، ومحبا كذلك للقوى الطبيعية، وبذلك تكون الفرص مهيأة له للإبداع والإنتاج، لأن هذه القوى من إنسانية وطبيعية مسخرة له، لا تصادم بينها وبينه ولا صراع، ويمكن إخضاعها لقدراته الهائلة المستنيرة التي أمده الله بها لمصلحة العالمين.
وبعد رسوخ كليات الإيمان بالله والإيمان بهيمنته وبثبات سلطانه في الدنيا والآخرة في عقيدة المؤمن، وبعد تعلمه الأدب في حمده والثقة برحمته، يأتي دور التطبيق العملي فيتوجه إلى الله بهذا الدعاء :" اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين". يتوجه المؤمن بهذا الدعاء إلى الخالق الذي خلقه بعد أن لم يكن المخلوق شيئا، يتوجه إليه بفعل الأمر: (اهدنا)، غير أنه لا يأمر، بل يدعو هذا الخالق الذي عرف رحمته وفضله عليه أن ييسر له سبيل الهداية إلى الطريق المستقيم، وأي طريق يقصده؟! إنه الثبات على الإيمان، وترسم هَدْي النبي الكريم، ولماذا يطلب هذا الطلب؟ لأنه أقر، قبل قليل، بأن الرب هو المالك والمهيمن والمسيطر في الدنيا والآخرة، كما أقر بأن لا عبادة إلا لله، وبأن لا استعانة إلا بالله، فإذا طلب الهداية من نفسه هو، أو من غيره من المخلوقات، فإنه يقع في تناقض بغيض مضحك مبك، لهذا كانت نهاية الآية تتكامل وتتناغم مع البداية في صناعة إنسان جديد لم تألفه هذه الحضارات التائهة والسادرة في غيها، لأنها لم تتربَ على هذه المفاهيم الجديدة، ورأت في الإنسان المخلوق الضعيف ربا وإلها، فكانت المغالطة المدمرة التي تهوي بالبشرية إلى حضيض التفكير المتدني.
إنه إنسان جديد يطلب المعرفة والاستقامة ويبحث عنهما ويلح في طلبهما إرضاء لله الذي خلقه، ولكنه لا يقوده الغرور إلى ادعاء الحصول على العلم والمعرفة، إن حصَّلهما، إلى نفسه كما نسب قارون غناه إلى علمه، ( قال إنما أوتيته على علم عندي) القصص 78، بل إنه ينسب نجاحه لهداية الله ورحمته وفضله، لأنه يعرف أنه بغير هذا الفضل من الله سيكون صفرا من الأصفار التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ولأن الهداية إلى الطريق المستقيم هي الضمان للفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، يلح العبد عليها، ويطلبها في اليوم أكثر من سبع عشرة مرة، لأنها يقين وانسجام فطرة الإنسان في توجهه إلى الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وبين حركة الوجود كله في انشداده إلى الخالق رب العالمين.
أرايت إلى هذا الإبداع النصي في هذه السورة المذهلة، وكيف أنها، على قلة عدد آياتها التي هي ،كما وصفها الله، سبع من المثاني، ولم تزد كلماتها على تسع وعشرين كلمة وفق الرسم العثماني، أرايت كيف أنها تحملت هذه المعاني الكبيرة؟!؟! فإذا كنا نذهل لهذا الكون، ونخضع ونذل لمن خلقه، لأن خلقه إعجاز ما بعده إعجاز، فإننا نذهل كذلك لهذا الكون النصي كما يبدو في القرآن الكريم. إنها سورة صغيرة الحجم كبيرة في المعاني والدلالات، بناؤها جميل في الألفاظ والصياغة، وتبدو كالبنيان المرصوص رصا فنيا ولغويا، بذكاء ودقة ومهارة وحكمة لا مثيل لها في عالمي النثر والشعر في هذا الكون. وإن تعجب، فعجب أن نعجب من هذا، لأنه رب العالمين، ولأنه كلامه من الذكر الحكيم. ويعجبني في هذا السياق قول الوليد بن المغيرة وهو يصف القرآن- على الرغم من إصراره على الكفر- عندما اجتمع إليه نفر من قريش فتشاوروا في ما يقولونه للناس عن الكلام الذي أتى به محمد، أي القرآن، فقال:"... والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق (أي كالنخلة التي تثبت أصلها وقوي)، وإن فرعه لجناة ( أي طاب فرعها إذا جني)".( السيرة النبوية لابن هشام، طبعة البابي الحلبي، 1955،1/270). والحق أن القرآن كذلك، كما نطق فم هذا العربي الجاهلي القرشي الذي يتقن الحكم على النصوص العربية الفصيحة، لأنه مشهود له بالذكاء وعمق الفهم، ولأن العربية لغته، ولأنه ابن مكة وابن الفترة التي نزلت فيها الرسالة، فهو يعي تماما ما يقوله، وإن القرآن، كما قال، لفظا ومعنى ونظما.
فهذا النص الخالد الذي جسد لنا روح حضارتنا وجوهرها، بلسان عربي مبين، هو الذي يدفعنا دائما إلى التذكير به وبجماله اللغوي والتركيبي والدلالي، وهو لذلك يدفعنا دائما إلى أن نعتبره الضرع الغاذي لأمتنا، لأنه مصدر وجودها وقوتها وازدهارها في أي وقت من مسيرة الدهر. ولم تحقق أمتنا ما حققته من ازدهار فكري وثقافي وأدبي ولغوي، فبنت صرحا ثقافيا ليس له نظير بين أمم الأرض، والذي ما زالت دور الكتب في مختلف أصقاع العالم تحتفظ بأعداد كبيرة من مخطوطاته، لم تحقق أمتنا هذا إلا باتصالها بهذا القرآن العظيم، وانكباب أبنائها، ومن تعرب من الأمم الأخرى، على دراسته، والتعمق في نصوصه الخالدة، فإذا أردنا أن يعود لأمتنا هذا السؤدد الذي كان فليس أمامنا من سبيل إلا الانكباب على دراسة هذا القرآن لتميز أمتنا عن غيرها من الأمم بهذا الكتاب العظيم. فبهذا فقط، يصلح الحال، ويهدأ البال، وتزدهر اللغة، وتنضج العقول، لتعطي المزيد من العلم والفكر والثقافة. أما التغني بالعروبة والإسلام ونحن نرطن بلغات أجنبية، وأولادنا يتسابقون على الالتحاق بالمدارس الأجنبية، فهذا هراء لا طائل تحته، ولا يَعِد بمستقبل أفضل، ولا بلسان أفصح، بل يعمق الذيلية وفقدان الهوية، وينزع الثقة بالنفس، ويعمق الهزيمة النفسية المدمرة.