في الطريق إلى الأستاذية
منارات مسموعة ومرئية
31
كلفني قسم اللغة العربية تدريس مقرراته للطلاب والطالبات كليهما فأما الطلاب فأحاضرهم مواجهة بفصول تدريس معهودة بحرم الجامعة وأما الطالبات فأحاضرهن مراسلة بمثل أستديوهات الإذاعة والتلفزة حيث أجلس أمام آلة تصوير منضبطة بتلفاز إلى جانبها على مكتب تصطف عليه سماعة وأزرار كثيرة مرقمة موصولة بمقاعد الطالبات في فصولهن الداخلية وعن يميني معراض اللوحات والحاسوب فإذا شئت حاضرتهن صوتا وصورة وكتابة فكنت أحاضرهن صوتا وكتابة حتى فاجأني مرة صخبهن وضحكهن فأقمت نظري فإذا صورتي على التلفاز وقد ضغطت زر الصورة غافلا مشغولا بجمع أوراقي وترتيبها وربما كن ظنن الظنون بامتناعي من بث صورتي فأخلفهن اليقين
وكنت كلما سألت طالبة فتحت زر مقعدها فأجابتني برقمها فأمرتها أن تجيبني باسمها ساخرا مما في ترقيمهن من شبهة السجن وكانت عليهن مشرفة تثبت حضورهن وغيابهن وترعى التزامهن بنظام المحاضرة فغابت مرة واحتجت إلى سؤال طالبة لم أسمع لها صوتا فلم أسمع منها جوابا وإذا هي قد ذهبت عن فصلها وغادرتني أتوهمها توهما فغضبت على المجموعة كلها وألغيت المحاضرة فجاءتني بها المشرفة من المحاضرة اللاحقة تعتذران جميعا
وقد لقيت من هؤلاء الطالبات عجبا أي عجب إذ كان في بعضهن اجتهاد كبير وفي بعضهن كسل أكبر فأما المجتهدات فلا عجب في عربياتهن بل في غيرهن من الأفغانيات والبخاريات والشبشانيات والتتاريات وغيرهن ممن هاجر أهلهن إلى المدينة المنورة حديثا وهم كثير واستقروا بها واجتهدوا فيها حتى صاروا أحسن من غيرهم عروبة وإسلاما
وأما الكسالى منهن فكلهن عربيات ذكرت لي إحداهن أنها لا تعبأ إلا بالتجارة وأخرت غيرها واجبها وأرسلته مع أبيها إلى حيث أقيم فخرجت إليه ألقاه فأعطاني ملف واجبها وشيئا ملفوفا قائلا أقسم بالله ما هو برشوة فأبعدته قائلا أقسم بالله ما هو إلا رشوة وكان أخا وكيل الكلية ورسبت ابنته
ربما لم يستطع وقد جاءني ألا يهدي إلي ولم يقدر أن أخرج إليه ولا أستضيفه وقد اطلعت على أن أهل المدينة لا يتراشون ولكن بعضهم يتراعون فيعتني بعضهم بمصلحة بعض ولا يحل لهم فمن ذلك أنني رسبت طالبا فعرف أخوه وعثر على رقمي وكان موظفا بشركة الطيران السعودية فكلمني فيه أكثر من مرة دون جدوى وكان لي بشركة الطيران عندئذ مال لم أستطع أخذه ولم يكن ليساعدني حتى أجيب طلبه وشتان الحرام والحلال فآثرت أن أستعمل مالي في رفع درجة تذكرتي ولم أجب طلبه
وكثرت الراسبات وشكاواهن وارتفعت إلى نائب رئيس الجامعة فدعاني وجادلني فيهن ولم يملك أن ينبهني على شيء حتى إذا احتججت برسالة إحدى الطالبات تثني فيها على عدالة الدرجات ولم تحصل هي على درجة عالية قبل الحجة ولكنه نبهني على ألا أسمح للطالبات باستسهال مراسلتي