في الطريق إلى الأستاذية
منارات مسموعة ومرئية
30
كانت جامعة طيبة على أطراف المدينة المنورة أمام الجامعة الإسلامية وبينهما طريق طويل عريض فيه حد الحرم فكانت الجامعة الإسلامية داخل الحرم وجامعة طيبة خارجه وكأنه كان حد منهجيهما المختلفين إذ غلب على الجامعة الإسلامية تشدد السلفيين واستقلت جامعة طيبة بتخفف المتحررين حتى ذكر لي من لم أتهمه عن بعض المسؤولين أنها إنما أنشئت من أجل موازنة الجامعة الإسلامية
أقمت وحدي بحي الكردي الكريم حيث أستطيع أن أصل إلى الحرم مشيا في قريب من أربعين دقيقة وإلى الجامعة راكبا في قريب من ربع ساعة وكان بعض قدامى المصريين قد أعانني أول مرة على الذهاب إلى الجامعة وأنزلني جهة الجامعة الإسلامية فنظرت إلى الجهة المقابلة فإذا بوابة ضخمة عليها ضباط أمنها ووراءها بيداء بلقع فتجاوزت إليها وتعرفت إليهم وسألتهم عن تسلم عملي فدلوني على مبان متنقلة خفيفة وعن كلية التربية فدلوني على مبنى ثابت مصفح فتنقلت بينها وصبرت عليها وتطلعت إلى معرفة عملي
لقد وصلت في أثناء فصل الخريف بعدما عرف كل أستاذ عمله ومضى فيه إلى نصفه فكنت بين أن أبقى بلا عمل حتى آخر الفصل وأن آخذ من أعمالهم وإن قطعتهم عنها فأخذت من أحد الأساتذة محاضرة عروض ومن غيره محاضرة لغة عربية عامة وبقي عملي قليلا خفيفا
كانت المحاضرات صباحية فكنت أصلي الفجر بأقرب مساجد الحي ثم أخرج إلى مطعم الجرة الذهبية الشعبي بجانبه حيث يعمل بعض البنغاليين فأطلب طبق عدس بزيت الزيتون وطبق طعمية بالحمص الشامي فيأتيانني ومعهما نصف رغيف ضخم من خبز التميز الأفغاني الذي أثنى عليه لي مرة أستاذ مصري كريم بكلية العلوم بأنه يحدث من الطاقة ما يجر سيارة
وكان المخبز الأفغاني في جوار المطعم كأنه منه ولكن يحتاج فيه الخباز الأفعاني بعد خروجه معنا من المسجد إلى وقت كاف لإحماء الفرن وإنضاج الخبز الذي يجهز عجينته من الدقيق المخلوط بخلطته الأفغانية ثم يفرش منها على مخدة صغيرة كالتي يسميها المصريون تربيعة ثم يمسكها من الجهة الأخرى بجمع كفه لينزل يده إلى داخل فرن خاص كأنه فرن الكنافة المصرية البلدي بلا صينية فيلصق الرغيف على جداره حتى ينضج
أتحرر من أسر الإفطار ثم أصعد فألبس لأخرج إلى الطريق فأركب إلى الجامعة أية سيارة بعشرة ريالات أو خمسة عشر حتى عاقدت سائقا مصريا قديم العهد بالمدينة فأراحني من سيارات الطريق ومفاجآتها وإذا عدت ذهبت إلى مطعم الأمراء السوري حيث يجهز لغدائي شواؤه المصري نصف دجاجة مشويا على الفحم وسلطة خضراء وكأس عصير رمان كبيرة فأتحرر من أسر الغداء فأما العشاء فلا عشاء إلا ما لا ذكر له