بدايات التوحيد
بدأت الشّعوب العربيّة تشعر بالحاجة إلى توحيد المصطلحات العلميّة منذ انفصال الدول العربيّة عن الدولة العثمانيّة بعد الحرب العالميّة الأولى (1914-1918م)، حيث "اتّخذت العراقُ وسوريّةُ اللغةَ العربيّةَ لغةً رسميّةً للتدريس في مدارس الحكومتين بدلاً من اللغة التركيّة"([11]).
وكانت الدعوة إلى التوحيد "تبدو في ظاهرها وفي باطنها نزعةً علميّةً مستحسنة؛ هدفُها الدّقّةُ العلميّةُ، وفصاحةُ التعبير، وسحرُ البيان، ووحدةُ التفكير والثقافة في الأمة الواحدة"([12])، لا ما يمكن أن يتبادر إلى أذهان بعض الخاصّة أنّ في وحدة المصطلح تجميدًا للغة وبقاءها على وتيرة واحدة من الرّتابة والسّكونيّة، ومن يظنّ هذا فقد أخطأ القول والتقدير، لأنّ وحدة المصطلح وحدةُ أمّةٍ، ونماءُ لغةٍ وإثراؤها وتجدّدها واستنهاض المهجور من ألفاظها.
ولعلّ من المستغرب أن يكون عضو مجمع القاهرة المستشرق الإيطالي نلينو([13]) (1872-1938م) أولَ الداعين في ثلاثينيّات القرن العشرين إلى مسألة توحيد المصطلحات([14]) بصورة رسميّة، في مجمع اللغة العربية في القاهرة في الجلسة الحادية عشرة من دورته الأولى. وقد أيّده لهذه الدعوة عضو المجمع الأستاذ الشّاعر علي الجارم (1881-1949م)، وصدر -في الجلسة الحادية عشرة من الدّورة الثّانية- عن المجمع قراران([15]) يَشِيان بالتوحيد بصورة مباشرة: أوّلهما: يجب أن يُقتصر في الاصطلاحات العلميّة والفنيّة والصّناعيّة على اسمٍ واحدٍ خاصّ لكل معنى. وثانيهما: يُختار اللفظ الخاص -في شؤون الحياة العامة- للمعنى الخاص، فإذا لم يكن هناك لفظ خاصّ أُتي بالعام ويخصص بالوصف أو الإضافة.
ولقد شغلت قضيّة توحيد المصطلحات مجمع القاهرة فترة من الوقت (1955-1961)، أَلقى فيها عددٌ من الباحثين مجموعةً من البحوث العلميّة، دَعَوا فيها إلى توحيد المصطلح المعرّب للخروج من فوضى تَعدّد المصطلحات، والوصول إلى أرضيّة صلبة يعتمدها كلّ الباحثين في مجالات المصطلح المختلفة، والعاملين في نقل العلوم من اللغات الأجنبية إلى العربية.
أما البحوث التي وَقَفَتْ عند هذه القضية([16])، فقد عزا الشيخ محمد رضا الشّبيبي (1888-1965م) في بحثه "توحيد المصطلحات"، تعدّد المصطلح إلى المنافسة القائمة بين التركيّة والفارسيّة والعربيّة، لا سيما في المصطلحات العسكريّة، ومصطلحات الأشغال والفنون والمدارس والماليّة...، وذكر مجموعة من المصطلحات العسكرية في قطرين عربيين (مصر والعراق)، هي في مصر غيرها في العراق؛ فمصرُ تستخدم مصطلحات: البمباشي، والأومباشي، وحكيمباشي، وباش مهندس، وباش كاتب، يقابلها في العراق بالترتيب نفسه مصطلحات: الرئيس، والعريف، وكبير الأطباء، وكبير المهندسين، ورئيس الكتاب.
وأيّد الشيخ محمد الخضر حسين (1876-1958م) في بحثه "طرق وضع المصطلحات وتوحيدها في البلاد العربيّة" مسألة توحيد المصطلحات، داعيًا في توحيد المصطلحات الطبّيّة إلى اللجوء إلى تراث العرب، وتجنّب المصطلحات المشتركة، وضرب لذلك مثلاً أنّ (الذّرب) مصطلح يطلق على: فساد الجرح، وفساد المعدة، والمرض الذي لا يبرأ.
وعرض الشيخ عبدالقادر المغربي (1867-1956م) في بحثه "حول المصطلحات العسكريّة" إلى موضوع الرّتب العسكرية وضرورة توحيدها، مشيرًا إلى معارضة الدوائر الرسمية المصرية لتعريب المصطلحات العسكرية، بحجّة أنها ترمز إلى الأدوار التاريخية التي مرّ بها الجيش المصري.
أما الأمير مصطفى الشهابي (1893-1968م)، فقد لاحظ([17]) في بحثه "توحيد المصطلحات في البلاد العربية"، أنّ الشعور بضرورة توحيد المصطلحات العلمية، أصبح في البلاد العربية شعورًا عامًا، والآراء متضاربة في الوسائل التي يجب التّوسّل بها لبلوغ هذه الغاية.
ويرى -رحمه الله- أنّ اختلاف المصطلحات العلميّة داءٌ من أدواء لغتنا الضّاديّة، ويُرْجِع الاضطراب في توحيد المصطلح إلى الخلاف القائم في شأن الطرق العلميّة في نَقْله، يقول مبينًا أسباب الاختلاف: "لقد كثر المتصدّون لوضع المصطلحات العلميّة بلساننا، فهذا يعمل تلبيةً لهوى في نفسه وتعشّقًا لهذه اللغة، وثانٍ يعمل مدفوعًا بالغرور وحبّ الظهور، وثالث للتجارة وما فيها من كسب للمال، ورابع تلبية لرغبات دول أجنبية تريد بثّ نفوذها بطريق الثقافة، وهلمّ جرًّا"([18]).
هذه أربعة بحوث يمثّلها فريقٌ تلحظ من خلالها دعوتهم المخلصة إلى ضرورة التوحيد، ومحاولة إثبات الذات بعيدًا عن الدّعاية والرّطانة والتبعيّة، لأننا بغير وسائلنا من أنفسنا سنبقى تائهين حائرين، كالذي يرقم على الماء، أو يتيه وراء السراب إذا ما بلغه لم يجده شيئًا.
أما الفريق الثاني فيمثّله عضوا مجمع اللغة العربيّة في القاهرة: الطّبيب محمد كامل حسين([19])، والطّبيب أحمد عمّار([20]).
يرى الأستاذ الطّبيب محمد كامل حسين (1901-1977م)، في بحثه "القواعد العامة لوضع المصطلحات العلمية"([21])، أنّ لغتنا العربيّة مصطلحاتُها لغويّة وليست علميّة، معتقدًا أنّ العربية القديمة أداة لا تصلح في العصر الحديث، وداعيًا مجمع القاهرة أن يتوقف عن إصدار المزيد من القرارات، لنتبين مدى إمكانيّة صُنع هذه القرارات الصادرة والقواعد الموضوعة للتعريب، لغةً علمية قابلة للحياة أو لا؟!!!
وجاء الأستاذ الطّبيب أحمد عمّار (1904-1983م) في بحثه "دعوة إلى التزام خطة منهجيّة في صَوْغ المصطلحات الطبيّة"([22])، ليضع خمسة عشر مبدأً تَضْمن للعلم بالعربيّة وحدته الفكريّة والثقافيّة؛ فهي من وجهة نظره تعدّ أهم من التوحيد، الذي يمكن أن يكون مضرًا أحيانًا. وللتمثيل أذكر ثلاثة منها:
المبدأ الأول: مضاهاة الإفراد اللفظي بمثله، فكلمة (Aphasia) ترجمت بثلاثة مصطلحات هي: (احتباس الكلام، وامتناع النطق، وتعذر النطق)، مقترحًا أن تترجم بـ (الصّمات).
المبدأ الثاني: إفراد المصطلح الواحد بترجمة واحدة وقصرها عليه، فكلمة (Therapie) ترجمت بأربعة مصطلحات هي: (المداواة، والتطبّب، والمعالجة، والعلاج)، مقترحًا ترجمتها بـ (طباب).
المبدأ الثالث: مقابلة المترادفات بأمثالها، فالسّلّ مثلاً يعبّر عنه بثلاثة مصطلحات أجنبية هي: (Phtesis, Consumtion, and Tuberculosis)، مقترحًا مقابلات لها في العربية هي: (الدّرن، والسّل، والسّحاف). ...الخ
وهذان الباحثان يختلفان عن سابقيهما، وكأنهما يمثلان نظرة جديدة في التعامل مع المصطلح، بعيدًا عن اللغة التراثيّة التي يمكن أنْ ترفد العربيّة اليوم بمصطلحات من مخزونها المصطلحي الضخم. فالفريق الأول يرى أنّ "الترجمة هي الطريقة المُثلى، والعربية فيها موادّ قديمة تصلح أن تكون مصطلحات تقابل المصطلحات الأعجمية في اللغة الغربية، وهم يَرون أنّ العربية أفضل أداة لتوفير المصطلح"([23]). ويعزو الدكتور الحمزاوي([24]) هذه النزعة السلفيّة، إلى أن أصحابها من أحادي اللغات ومن الباحثين في القديم؛ إذْ ليس لهم صلة وثيقة بمعرفة اللغة ولا بالعلوم الحديثة ومشاكلها.
أما الفريق الآخر فيمكن وصفه بـِ (المحدثون المطّلعون)، وهم يرون([25]) أنّ الالتزام بالترجمة كفيل بالتفرّق وعدم الإنجاز، وأنّ اللغة الأدبيّة وما يتصل بالموضوعات الإنسانيّة فيه مزالق كثيرة، إذا ما نقلت هذه الأجزاء اللغوية من حيّزها الإنساني الأدبي إلى ميدان العلم. ويرون كذلك أنّ للعوامل الثقافية والنفسية الفردية أثرًا كبيرًا، وذلك لأن الذوق الشخصي، والفرديّة، والسياسة، وربما التجارة تدخل في هذا الباب.