سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
128-الأستاذ الدكتور أحمد عمار – عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة – ورأيه في زيادة تطويع الاشتقاق لصوغ المصطلحات العلمية:
إذا نحن نظرنا في المصطلحات العلمية الأجنبية بما تيسر لها من تنوع الصيغ وما تحرته من الدقة العلمية في صوغها، رأيناها قد توافر لها أوفى قسط من الأحكام؛ ولهذا فإن أوجب ما يجب علينا في صوغ مصطلحاتنا العربية أن نعمل على وفرة رصيدنا من الصيغ وأن نتحرى إحسان اختيارها لتلائم دلالاتها في دقة وإحكام. والصيغ الاشتقاقية –على كثرتها الوافرة في لغتنا- أقلها المتداول المألوف، وأكثرها مهمل مهجور، على وفرة حظه من التصوير المعنوي، الذي يفتقده الاصطلاح العلمي أشد الافتقاد.
ونحسب أننا بما أسلفنا قد كشفنا عن علة هامة من علل تعثرنا في صوغ مصطلحاتنا، ذلك أننا نقتصر في صوغها على استعمال الصيغ المألوفة المتداولة، وهي نزر يسير بالقياس إلى الصيغ المهجورة، فأصبحنا فيما نضطلع به من صوغ مصطلحات عربية نجاري بها المصطلحات الأجنبية، بمثابة من مثله الشاعر القديم بالساعي إلى الهيجا بغير سلاح.
أما علاج هذه العلة فهو في نفض غبار الإهمال عن صيغنا الاشتقاقية المهجورة، وتهيئتها للاستعمال في الاصطلاح العلمي. والسبيل إلى ذلك هو استعراض جميع صيغ الاشتقاق التي حوتها المعجمات، واستقراء السمة المعنوية الغالبة على كل صيغة ثم إفراد كل صيغة لما تلائمه من معنى.
وأقرب ما نوضح به ذلك، مثل يتصل بالطب، يروعنا منه مبلغ دلالته على ما وراءه من نفاذ بصيرة يشبه الإلهام. ذلك أننا إذا استعرضنا أسماء الأمراض المقيسة على صيغتي فُعال وفَعَل المعروفتين، لاستبنا أن أغلب الأسماء المقيسة على صيغة فُعال، من أمثال صُداع ودُوار وزُحار وهلم جرًّا، تنصرف إلى الأعراض المرضية المُبْداة، أي ما يحسه المريض من ذات نفسه أو يشتكيه من وطأة المرض عليه، بينما أغلب الأسماء المقيسة على صيغة فَعَل من قبيل برص ونمش وعرج وحدب وما إليها، تنصرف إلى الأعراض المرضية البادية وهي ما تُسمَّى العلاقات، أي ما يبدو ماثلًا للعيان من مظاهر المرض. ومثل هذا المنحنى في التفرقة بين أعراض المرض وعلامته، على النحو المتبع في الطب الحديث، ليدل على وفرة حظ لغتنا من عبقرية في الخلق اللغوي.
وإن شئنا مثلًا آخر من هذا القبيل فلنتخذه من شتى الصيغ الدالة على أسماء الآلات. فإن كل صيغة من هذه الصيغ، تغلب على الآلات المقيسة أسماؤها عليها، صفات مشتركة يسهل الاهتداء إليها إذا ما استعرضنا أسماء المختلفة الصيغ ومايزنا بين ما لها من خصائص متفاوتة تتعلق بأنواع الحركات التي تحدثها، ومختلف النتائج التي تؤدي إليها. فالمفتاح والمسمار والمصباح، تختلف في حركاتها وأغراض استعمالها عن المبضع والملقط والمشبك، وعن المكنسة والمطرقة والمسبحة. ويطرد مثل ذلك في سائر صيغ الآلات.
وما يصدق على المثلين اللذين ذكرناهما يصدق مِثْلُه على صيغ كثيرة أخرى. ومن ثم فإنه ليغلب على ظننا أن تنفيذ اقتراحنا سوف يكون ذا أثر في تيسير مهمتنا في اشتقاق المصطلحات العلمية، وإحكام دلالتها على المعاني المرادة لها. ولقد يتبين لنا أن ما يتطلبه هذا من الجهد يكاد يكون مُعجميًّا، وهذا هو مدعاته لأن يكون مَجمعيًّا.
المصدر: البحوث والمحاضرات-مجمع اللغة العربية بالقاهرة-1960، 1961م– ص 53، 54.
إعداد: د. مصطفى يوسف