mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي توطئة تاريخية عن النحو العربي

كُتب : [ 11-22-2017 - 06:28 AM ]


توطئة تاريخية عن النحو العربي
الأستاذ سعيد الأفغاني



جاء الإسلام واللغة العربية مستكملة أدوات التعبير، ولها تراث أدبي حافل مفصح عن شتى المشاعر الوجدانية والاجتماعية، قد اتفقت الكلمة على الاعتداد بهذا التراث والإعجاب به منذ عصر الجاهلية حتى اليوم.
والعرب أمة فصاحة وبلاغة تتأثر بالبيان الرفيع والجملة الوجيزة الموحية، وكانت أسواق العرب في جاهليتها قد قامت بالاصطفاء من لغات القبائل، وأخذ الشعراء والبلغاء أنفسهم بما أجمعوا على استحسانه منها حتى تنافسوا في ذلك وأصبحت هذه اللغة المصطفاة هي المتفق على التعبير بها عما يخالج النفوس من أغراض وأحاسيس. وصرنا نسمع شبه هذا الإجماع على سلامة لغة قبائل الجزيرة والطعن بلغات أهل السواحل؛ لمخالطتهم الأجانب في الأسفار والتجارات.
فلما كانت الفتوحات واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب التي كانت تحت سيطرة الفرس والبيزنطيين والأحباش، ودخول كثير من هؤلاء في الإسلام، واضطرارهم إلى تعلم ما استطاعوا من العربية، وكان بين العرب الفاتحين وهؤلاء الشعوب اختلاط وأخذ وعطاء، تسرب الفساد إلى لغة كثير من العرب وبدأ يسمع لحن في التخاطب، قليلا في الأول ثم أخذ في الانتشار حتى لفت إليه أنظار المسئولين وغيرهم من أهل الحل والعقد.
يعتبر اللحن الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها؛ فقد كانت حوادثه المتتابعة نذير الخطر الذي هب على صوته أولو الغيرة على العربية والإسلام، ولا بأس من عرض تاريخي سريع لبعض أحداثه المتتابعة:
بوادر اللحن:
بدأ اللحن قليلا خفيفا منذ أيام الرسول على ما يظهر، فقد لحن رجل بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل" والظاهر أيضا أنه كان معروفا بهذا الاسم نفسه "اللحن" بدليل أن السيوطي روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: "أنا من قريش ونشأت في بني سعد, فأنى لي اللحن" وقد كان أبو بكر الصديق يقول: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن".
فإذا بلغنا عهد عمر رأينا المصادر تثبت عددا من حوادث اللحن. فتذكر أن عمر مر على قوم يسيئون الرمي فقرعهم فقالوا: "إنا قوم متعلمين" فأعرض مغضبا وقال: "والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم" سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" وورد إلى عمر كتاب أوله: "من أبو موسى الأشعري" فكتب عمر لأبي موسى بضرب الكاتب سوطا. والأنكى من ذلك تسرب اللحن إلى قراءة الناس للقرآن, فقد قدم أعرابي في خلافة عمر فقال: "من يقرئني شيئا مما أنزل على محمد؟ " فأقرأه رجل سورة براءة بهذا اللحن:
"وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ ... " فقال الأعرابي: "إن يكن الله بريئا من رسوله, فأنا أبرأ منه" فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أمير المؤمنين, إني قدمت المدينة ... وقص القصة فقال عمر: "ليس هكذا يا أعرابي" فقال: "كيف هي يا أمير المؤمنين؟ " فقال: {أن اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} فقال الأعرابي: "وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله منهم". فأمر عمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة. ولعمر تنسب تلك المقولة المأثورة: "تعلموا العربية؛ فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة".
ومر عمر برجلين يرميان فقال أحدهما للآخر: "أسبت" فقال عمر: "سوء اللحن أشد من سوء الرمي" فجعل إبدال الصاد سينا من اللحن.
وتكاد قصة بنت أبي الأسود تكون المعْلم المشهور في تاريخ النحو: فقد دخل عليها أبوها في وقدة الحر بالبصرة فقالت له: "يا أبت, ما أشدُّ الحر! " رفعت "أشد" فظنها تسأله وتستفهم منه: أي زمان الحر أشد؟ فقال لها: "شهرا ناجر".
فقالت: "يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك".
ونتقدم خطوة في الزمن فيقص علينا ابن قتيبة أن رجلا دخل على زياد فقال له: "إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا" فقال زياد: "ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك", وأن أعرابيا سمع مؤذنا يقول: "أشهد أن محمدا رسولُ الله" فقال: "ويحك، يفعل ماذا؟ ".
وأن أعرابيا دخل السوق "فسمعهم يلحنون فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون, ونحن لا نلحن ولا نربح! ".
وروى الجاحظ أن "أول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي "بدل عصاي" وأول لحن سمع بالعراق: حيِّ على الفلاح "بكسر الياء بدل فتحها"".
ثم شاع في العصر الأموي حتى تطرق إلى البلغاء من الخلفاء والأمراء كعبد الملك والحجاج, والناس يومئذ تتعاير به، وكان مما يسقط الرجل في المجتمع أن يلحن، حتى قال عبد الملك وقد قيل له: "أسرع إليك الشيب": "شيبني ارتقاء المنابر مخافة اللحن". وكان يقول: "إن الرجل يسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها, فإذا لحن انصرفت نفسي عنها" وكان يرى اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس.
والحجاج على أنه من الخطباء الأبيناء البلغاء, كان في طبعه تقزز من اللحن أن يقع منه أو من غيره، فإذا وقع منه حرص على ستره وإبعاد من اطلع عليه منه، ذكروا أنه سأل يحيى بن يعمر الليثي: "أتسمعني ألحن على المنبر؟ " فقال يحيى: "الأمير أفصح الناس إلا أنه لم يكن يروي الشعر" قال: "أتسمعني ألحن حرفا؟ " قال: "نعم، في آي القرآن" قال: "فذاك أشنع؛ وما هو؟ " قال تقول:
{قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } تقرؤها "أحبُّ" بالرفع، فأنف الحجاج أن يطلع له رجل على لحن, فبعث به إلى خراسان. وكان الحجاح يعجب بفصاحة يحيى هذا فسأله يوما: "أخبرني عن عنبسة بن سعيد: أيلحن؟ " قال: "كثيرا" قال: "أفأنا ألحن؟ " قال: "لحنا خفيفا" قال: "كيف ذلك؟ " قال: تجعل "أن, إن" و"إن, أن" ونحو ذلك. قال: "لا تساكني ببلد، اخرج", وكان الرجل إذا أراد أن يفلت من عمل للحجاج عاذ باللحن فنجا.
وهؤلاء تطرق إليهم قليل من اللحن لبعدهم عن قومهم في الجزيرة, مع أنهم نشئوا فيها وترعرعوا واكتهلوا، فلما كان من بعدهم عظم فشو اللحن فيهم حتى كان من أعظم المصائب في نفس عبد الملك أن ابنه الوليد لَحَّانة، وأنه أخذه بتعلم العربية فلم يفلح. ونقلوا عن عبد العزيز بن مروان الأمير الأموي المعروف وهو أخو عبد الملك لحنا، على أن عبد العزيز هذا وهو من أفصح الناس كان يعطي على العربية ويحرم على اللحن، حتى قدم عليه زوار من أهل المدينة وأهل مكة من قريش فجعل يقول للرجل منهم: "من أنت؟ " فيقول: "من بني فلان" فيقول للكاتب: "أعطه مائتي دينار" حتى جاءه رجل من بني عبد الدار فقال: "من أنت؟ " فقال: "من بنو عبد الدار" فقال: "تجدها من جائزتك" وقال لكاتبه: أعطه مائة دينار".
وقال عمر بن عبد العزيز: "إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن، ويكملني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها؛ التذاذا لما أسمع من كلامه". وكان يقول: "أكاد أضرس إذا سمعت اللحن".
"الأضداد لابن الأنباري ص245".
وهذا معاوية بن بجير والي البصرة تشغله لحنة الناعي عن مصيبته بأبيه, فيقدم إنكارها.
فأنت تجد مما تقدم أن الخوف على العربية له ما يفرضه من النُّذُر، وأنه تمكن في النفوس حتى تضافرت جهود العلماء وذوي السلطان على صيانة العربية، وأن الحرمان من المال أو العمل مما كان يصيب اللحانة، وأن فصاحة المرء قد ترفعه إلى الولايات والغنى, وتزيد شأنه عند أولي الأمر؛ وهذا من طرف السلطان كافٍ في الترغيب والترهيب. وسؤال الحجاج عن لحن بعض الناس ذوي الشأن مشعر باهتمام الحكومة والمجتمع بأمر اللحن, وذلك طبيعي من دولة قامت على العصبية العربية بعد أن رأت اللحن يفشو في الطبقات الرفيعة من الأمراء والحكام وأشراف الناس، وفي قصة بشكست النحوي تعبير واضح عن أمرين: فشو اللحن ونظرة المثقفين إليه، ولا بأس في إيرادها ففيها طرافة, وفيها ظرف:
"وفد بشكست النحوي على هشام بن عبد الملك، فلما حضر الغداء دعاه هشام، وقال لفتيان بني أمية: "تلاحنوا عليه" فجعل بعضهم يقول: "يا أمير المؤمنين, رأيت أبي فلان ... " ويقول آخر: "مر بي أبي فلان ... " ونحو هذا، فلما ضجوا أدخل يده في صحفة فغمسها, ثم طلى لحيته وقال لنفسه: "ذوقي، هذا جزاؤك في مجالسة الأنذال! ".
إلى هذا المدى بلغ أمر اللحن في المائة الأولى للهجرة والدولة عربية محضة، والعصبية ذات سلطان، والقوم حديثو عهد بجزيرتهم ولا تزال مجتمعاتهم تتناقل القول المشهور: "ليس للاحن حرمة" وتتعامل به، هذا عبد الملك بن مروان استأذن عليه رجل من عِلْية أهل الشام وبين يديه قوم يلعبون بالشطرنج فقال: "يا غلام، غطها" فلما دخل الرجل فتكلم لحن، فقال عبد الملك: "يا غلام، اكشف عنها، ليس للاحن حرمة". "الأضداد لابن الأنباري ص245".
وبيت الخلافة أعرق بيوت قريش شرفا ومجدا وبلاغة وأقواها عصبية وعروبة, والعرب -كما قرر ابن جني-
أشد استنكارا لزيغ الإعراب منهم لخلاف اللغة، فقد ينطق بعضهم بالدخيل والمولد, ولكنه لا ينطق باللحن.
ولذلك اشتد بلال بن أبي بردة على خالد بن صفوان لما رآه يلحن في حديثه العفوي معه فقال له: "أتحدثني أحاديث الخلفاء, وتلحن لحن السقاءات؟! " فلنحاول تبيان ما اختط أهل العربية من خطط يعالجون بها استفحال الداء، وهل كانوا إلى الشدة حين شرطوا للاحتجاج تلك الشروط التي أسقطت الاحتجاج بكلام كثير من العرب حتى في زمن الجاهلية؟
تصنيف العرب من حيث الوثوق بسلامة لغتها:
من يحتج به:
يراد بالاحتجاج هنا إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة أو تركيب، بدليل نقلي صح سنده إلى عربي فصيح سليم السليقة على ما سيأتي تفصيله في موضعه.
وإنما احتاج القوم إلى الاحتجاج لما خافوا على سلامة اللغة العربية بعد أن اختلط أهلها بالأعاجم إثر الفتوح, وسكنوا بلادهم وعايشوهم، فنشأ عن ذلك بسنة الطبيعة أخذ وعطاء في اللغة والأفكار والأخلاق والأعراف. وتنبه أولو البصر إلى أن الأمر آيل إلى إفساد اللغة وضياع العصبية من جهة، وإلى التفريط في صيانة الدين من جهة ثانية، إذ كانت سلامة أحكامه موقوفة على حسن فهم المستنبط لنصوص القرآن الكريم والحديث الشريف, وكان في ضعف العربية تضييع لهذا الفهم.
بحث علماء العربية فيمن نقل الرواة عنهم من أهل المدر والوبر قدماء ومحدثين, وتقصوا أحوالهم ونقدوها، فاجتمعوا على الاحتجاج بقول من يوثق بفصاحته وسلامة عربيته، ونحن عارضون لأصناف هؤلاء زمانا ومكانا وأحوالا.
فأما الزمان, فقد قبلوا الاحتجاج بأقوال عرب الجاهلية وفصحاء الإسلام حتى منتصف القرن الثاني سواء أسكنوا الحضر أم البادية. أما الشعراء فقد صنفوا أصنافا أربعة: جاهليين لم يدركوا الإسلام, ومخضرمين أدركوا الجاهلية والإسلام، وإسلاميين لم يدركوا من الجاهلية شيئا، ومحدثين أولهم بشار بن برد. وشبه الإجماع انعقد على صحة الاستشهاد بالطبقتين الأوليين واختلفوا في الطبقة الثالثة، وذهب عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب إلى جواز الاستشهاد بها أما الطبقة الرابعة فلا يستشهد بكلامها في علوم اللغة والنحو والصرف خاصة، وكان آخر من يحتج بشعره على هذا الأساس بالإجماع إبراهيم بن هرمة "70-150هـ" الذي ختم الأصمعي به الشعر. أما أهل البادية فقد استمر العلماء يدونون لغاتهم حتى فسدت سلائقهم في القرن الرابع الهجري.
وعلى هذا "أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين, والمحدثين في اللغة العربية".
وأما المكان أو بعبارة أخرى القبائل، فقد اختلفت درجاتها في الاحتجاج على اختلاف قربها أو بعدها من الاختلاط بالأمم المجاورة، فاعتمدوا كلام القبائل في قلب جزيرة العرب، وردوا كلام القبائل التي على السواحل أو في جوار الأعاجم، وإليك تصنيف أبي نصر الفارابي لهم في الاحتجاج:
أ- "كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا وأبينها عما في النفس.
والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم:
قيس وتميم وأسد, فإن هؤلاء هم الذين أخذ عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف.
ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين, ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
ب- وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم:
لم يؤخذ من لخم ولا من جذام؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط.
ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام, وأكثرهم نصارى يقرءون بصلاتهم بغير العربية.
ولا من تغلب ولا النمر؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية.
ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس.
ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا من سكان البحرين مخالطين للهند والفرس.
ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس.
ولا من أهل اليمن أصلا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة, ولولادة الحبشة فيهم.
ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم.
ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب، قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم وكأن هذا التصنيف حاز القبول وجرى عليه العمل وكان الخروج عليه مدعاة إلى النقد، ولما اعتمد ابن مالك على لغات لخم وجذام وغسان، تعقبه باللوم أبو حيان فقال في شرح التسهيل: "ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن".
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: "لا أقول: "قالت العرب" إلا ما سمعت من عالية السافلة وسافلة العالية" يريد ما بين نجد وجبال الحجاز حيث قبائل أسد وتميم وبعض قبائل قيس, بل كان عثمان يقول: "لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف".
وأما أحوال هؤلاء العرب المحتج بهم فخيرها ما كان أعمق في التبدي وألصق بعيشة البادية؛ ولذا كان مما يفخر به البصريون على الكوفيين أخذهم عن الأعراب أهل الشيح والقيصوم وحرشة الضباب وأكلة اليرابيع, ويقولون للكوفيين: "أخذتم عن أكلة الشواريز وباعة الكواميخ". وقد نص الفارابي بعد قوله المتقدم آنفا على صناعة هؤلاء الأعراب وصفاتهم فقال: "كانت صنائع هؤلاء التي بها يعيشون الرعاية والصيد واللصوصية، وكانوا أقواهم نفوسا وأقساهم قلوبا وأشدهم توحشا وأمنعهم جانبا وأشدهم حمية وأحبهم لأن يَغلبوا ولا يُغلبوا، وأعسرهم انقيادا للملوك, وأجفاهم أخلاقا وأقلهم احتمالا للضيم والذلة".
وتستطيع أن تجعل مرد الأمر كله -بعد ما تقدم لك- إلى الوثوق من سلامة لغة المحتج به وعدم تطرق الفساد إليها، وهذا هو الضابط في التصنيف الزماني والمكاني اللذين مرا بك، فأنت تعلم إسقاط العلماء الاحتجاج بشعر أمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد العبادي, وحتى الأعشى عند بعضهم؛ لمخالطتهم الأجانب وتأثر لغتهم بهذه المخالطة، حتى حمل شعرهم عددا غير قليل من ألفاظ ومصطلحات لا تعرفها العرب، وكل هؤلاء شعراء جاهليون؛ بينما يذهب فريق إلى الاحتجاج بكلام الشافعي المتوفى في القرن الثالث للهجرة، حتى نص الإمام أحمد بن حنبل على أن "كلام الشافعي في اللغة حجة" لسلامة نشأته, وتقلبه في البيئات العربية السليمة. قيل لبشار: "ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم وشك فيه، وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه! " قال: "ومن أين يأتيني الخطأ؟ ولدت ههنا ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت؛ فمن أين يأتيني الخطأ؟ ".
وكلمة بشار هذه دليل قاطع على وجود بيئات في المدن سليمة من اللحن لزمنه في المائة الثانية للهجرة.
ويعجبني كثيرا قول ابن جني في هذا الموضوع في باب "ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر":
"علة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يرد عنها، وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا؛ لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا، وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك, ويقدح فيه.."

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-22-2017 - 09:33 AM ]


ما رأيت وما سمعت من الأستاذ محمد سعيد الأفغاني
من شبكة الالوكة:
د. محمد مطيع الحافظ


ما رأيت وما سمعت من الأستاذ
محمد سعيد الأفغاني
عالم العربية ومؤرِّخها ومُربي الأجيال


مقدمة موجزة عن حياته ومؤلفاته:
الأستاذ محمد سعيد بن محمد جان بن أحمد الأفغاني.

علامة نحويٌّ كبير، موسوعي قدير، مؤلف محقِّق، صاحب منهج متميز في البحث والتدريس.



ولد بدمشق سنة 1327هـ / 1909م لوالدٍ صالح، سكن دمشق وتزوَّج من أسرة دمشقية، وأنجبت له زوجه محمد سعيد، ثم ابنةً، وتُوفيت أمهما بعد ولادتها وعُمْرُ محمد سعيد ثلاث سنوات، فعاش يتيم الأمِّ، فرباه والده واصطحبه إلى الجامع الأموي، فلازم حلقات الشيخ حسين التونسي، والشيخ أحمد النويلاتي.

وتعلَّم بمدارس دمشق في المرحلة الابتدائية والإعدادية، ثم الثانوية في مكتب عنبر ودار المعلمين، وتخرج سنة 1928م، ثم التحَقَ بمدرسة الآداب العليا في الجامعة السورية، وتخرج فيها سنة 1932م.

عُيِّن معلمًا في بلدة منين سنة 1928م، ثم تنقَّل بين عدة مدارس بدمشق، حتى استقرَّ مدرِّسًا في مدرسة التجهيز الأولى بدمشق، ولما أُنشئت كلية الآداب بالجامعة السورية عُيِّن فيها أستاذًا مساعدًا وتدرَّج في وظائفها حتى أصبح عميدًا لكلية الآداب من عام 1961 إلى 1963م، ورئيسًا لقسم اللغة العربية، ومدرِّس النحو وعلومه حتى أُحيل إلى التقاعد في 31 / 12 / 1968م، ثم درَّس بالجامعة اللبنانية، فالجامعة الليبية في بنغازي، ثم في جامعة الملك سعود سنة 1984م، وبقي يدرس حتى بلغ الخامسة والسبعين فعاد إلى دمشق.

وكان انتُخب عضوًا في المجمع العلمي العراقي ومجمَع اللغة العربية بالقاهرة.

ثم إنه بعد عودته إلى دمشق ظهرت عليه آثار الشيخوخة بعد فَقْد زوجته فسافر إلى مكة المكرمة؛ حيث ابنته المقيمة بها مع زوجها، وفي مكة عاد اللقاء بين رفيقي العمر الأفغاني والطنطاوي ليَعيشا في هذا البلد المبارك، وبقي الأفغاني في مكة المكرمة حتى وفاته في 11 شوال 1417هـ / 1997م ودُفن بمقبرة المعلاة.

مؤلفاته وتحقيقاته:
الأستاذ الأفغاني عالم موسوعي، مؤلِّف محقِّق، اختصَّ بالنحو فكان المحلِّق فيه تدريسًا وتأليفًا، واختصَّ بدراسة نافعة شاملة عن أسواق العرب، وعن المرأة في الإسلام، واختصَّ بدراسات عن السيدة عائشة بنت الصدِّيق رضي الله عنهما، والإمام ابن حزم.

من مؤلفاته:
"أسواق العرب في الجاهلية والإسلامية"، طبع أولاً سنة 1937م بدمشق، و"الإسلام والمرأة" طبع أولاً بدمشق سنة 1945م، و"عائشة والسياسة" طُبع أولاً بمصر سنة 1947م، و"من حاضر اللغة العربية في الشام" طبع أولاً بالقاهرة سنة 1962م، و"ابن حزم ورسالته في المفاضلة بين الصحابة" طبع أولاً بدمشق 1940م[1].

وإذا أردتُ أن أصف شخصية الأستاذ الأفغاني فلا أجد أفضل ولا أصدق من كلامه عن نفسه؛ حيث قال:
"في طبعي هيام بالحرية والصراحة، وكثيرًا ما أنكب الطريق الأسلم في سبيل الجهر بما أرى من الحق في العقائد والأشخاص، متحمِّلاً بصبر وطمأنينة ما أجرُّ على نفسي من عناء وعداء، وهذا بلاء حتمٌ لا مفرَّ منه لمن خُلق حرًّا صريحًا، ولو حاول غير ذلك ما استطاع".


ما رأيت وما سمعت من الأستاذ الأفغاني:
هذه مقتطفات مما رأيته وسمعته من الأستاذ الأفغاني بدءًا من سنة 1965م حتى آخر لقاء معه في مجمع اللغة العربية قبل سفره إلى مكة المكرمة، أذكرها عبرة وعظة وبيانًا لمنهاج فريد تميز به أستاذنا تدريسًا وسلوكًا وتأليفًا، وتعبيرًا عن وفائي ومحبتي له.

قبل التحاقي بجامعة دمشق (قسم اللغة العربية) كنتُ أسمع الكثير عن شخصه وفضله من الإخوة الأصدقاء الذين سبقوني في الدراسة على يد الأستاذ محمد سعيد الأفغاني، كنتُ أسمع عن علمه الغزير، ومنهجه الفريد في التدريس، وشخصيته الرصينة الحازمة، وهيبته ووقاره، وإنتاجه الكبير والمتعدد في عدة مجالات من مجالات العلم، ولذلك كنت حريصًا على اقتناء ما يُمكنني شراؤه من مؤلفاته، وأول كتاب قرأته له قبل دخولي الجامعة: "من حاضر اللغة العربية في الشام" فوجدت فيه تاريخًا للتعليم والتعريب بدمشق منذ بداية القرن العشرين حتى منتصفِه تقريبًا، فهو يضم بحوثًا عن المدارس ومُدرِّسيها، وعن المجمع العلمي، وجامعة دمشق والمدرسة الكاملية والمدرسة الأمينية والمعهد الطبي ومعهد الحقوق، ومدرسة الآداب العليا، وإنتاج مدرسيها، ودفاعهم عن اللغة العربية وجهودهم في العودة إلى اللغة الفصحى في كل مناحي الحياة، في هذا الكتاب يجد الباحث المباحث المهمَّة التي لا يجدها في غيره، ويبقى مرجعًا أصيلاً في تاريخ اللغة العربية في الشام في تلك الحقبة.

قرأت الكتاب بشغف، وأعدتُ قراءته أكثر من مرة، وشدَّني لمتابعة القراءة فيه أسلوبه المُحبب الرصين، ومعلوماته الدقيقة المفيدة، عشتُ معه وأنا أتابع ما تكلَّم به عن أساتذته الكبار ووفائه لهم، ووصفهم بالنعوت التي تدل على محبته لهم وأنه أخذ منهم الكثير المفيد، وذكر منهم: عبدالرحمن سلام، ومحمد سليم الجندي، ومحمد الداودي، ومحمد البزم، وتحدَّث عن الجهود المبذولة في الحفاظ على اللغة العربية بأسلوبها وألفاظها وتراكيبها وتعريب مصطلحات العلوم الطبية وغيرها، وتحدَّث عن سُبل النهوض باللغة والأدب، وكيف استطاع علماء تلك الفترة أن يُعيدوا للغة العربية والتاريخ العربي مجدَهما بعد ركود طويل قبل العهد الفَيصلي، كل ذلك بفضل العزيمة والجهد الكبير، والمنطق الإيماني بالهدف والغاية.

هذا الكتاب زادني حبًّا للغة العربية والتاريخ العربي؛ لما فيه من غَيرة أستاذنا على العربية والدفاع عنها، إضافة إلى ما تلقيتُه من عمِّي الشيخ عبدالوهاب - رحمه الله - من توجيه بأن طالب العلم لا يُمكن أن يعدَّ طالبًا للعلم إلا إذا أتقن العربية، وهذا ما جعلني أصبو وأتلهَّف للالتحاق بقسم اللغة العربية لمُتابعة تلك الخطوات العظيمة التي قام بها أساتذتنا والأخذ عن هؤلاء العمالقة في القسم خدمةً للعربية وإيمانًا بحقها علينا دينيًّا ووطنيًّا.

ذكرتُ فيما سبق أني سمعتُ من الذين سبقوني في التلقِّي بقسم اللغة العربية أن الأستاذ الأفغاني رجل صارم في درسِه، حازم في تصرُّفاته، معتز بعِلمه، مُتقن لفنِّه، لا ينطق إلا عن أصالة وتمكُّن وحِكمة، يُخيِّم على درسه الهيبة والوقار، وأن كل من يدرس عنده ويلتزم بتوجيهاته يُتقن النحو، وأن الذي يَنجح عنده ينجح بجدارة، هذا ما جعَلني أنظر إليه نظرة إكبار وتوقير ليكون لي قدوة أسير على نهجه ودربِه.

بعد هذه الصفات التي ترسَّخت في نفسي عنه جعلتني أحسب الحسابات الكثيرة وكما يقولون "ألف حساب" إذا أردت مقابلته أو سؤاله عند حضوري دروسه، ولكن هذا الخوف تغيَّر بعد الاقتراب منه ومجالسته، فعرفتُ فيه التواضُع والبساطة وخاصة لمن يجد عنده المقدرة العِلمية والغَيرة.

• • • •
لقد كنا نترقَّب الإعلان عن جدول الدروس الأسبوعية، بعد أن قُبلنا في قسم اللغة العربية عام 1965م، فقبْل موعد الدرس الأول دخلتُ المدرج المخصَّص برفقة الأستاذ الشيخ أسامة الرفاعي وجلسنا بانتظار قدوم الأستاذ الأفغاني، وكانت أبصارنا متجهة إلى الباب الذي يدخل منه لنرى ما سمعنا عن هيبته ووقاره، ولنسمع ما يقدِّم لنا من علم وتوجيه حتى إذا كان الموعد دخل في الساعة المحددة تمامًا دون تأخير، دخل مرفوع القامة، تبدو على وجهه ملامح الجد، ثم اتجه خلف المنصة، فوقف الطلبة احترامًا له، ثم بدأ الكلام بالبسملة والصلاة على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، مُرحَّبًا بالطلبة في قسم اللغة العربية، شارحًا نظام الدرس، موضحًا كيفية جلوس الطلاب والطالبات، فمما قال: إن الصفَّين الأولين من مقاعد المدرج هما للطالبات فقط، ولا يجوز لهن الجلوس مع الطلاب، وعليهنَّ أن يلتزمْنَ لباس الحشمة في الدرس، ثم بيَّن منهجه في درس النحو وأنه يعتمد على أمرين؛ القاعدة، والشاهد، وأنه سيُكلف أحد الطلبة ممَّن يُتقن الخط بكتابة الشواهد المتعلقة بالبحث المقرر كسبًا للوقت، وأنه بعد بيان المادة النحوية وقاعدتها وما يتعلَّق بها يُعقِّب بالشواهد التي يحتج بها وموضوع الشاهد، وأن الكتاب المقرر لهذه المادة لهذه السنة الدراسية هو "مذكرات في قواعد اللغة العربية" من تأليفه، وأنه خصَّص له ثلاث حصص في الأسبوع، وبيَّن أن هذا الكتاب في مستوى الوسط بين كتابين مِن كتب قواعد اللغة العربية:
1- الجزء الرابع من الدروس النحوية "قواعد اللغة العربية"؛ لحفني ناصف ورفاقه.

2- جامع الدروس العربية؛ لمصطفى الغلاييني، ولا بأس بالرجوع إلى كتاب "شرح شذور الذهب"؛ لابن هشام؛ وذلك للاستفادة والاطِّلاع على نهج القدماء.

وأكَّد أننا يجب أن نعتمد على الشواهد المذكورة في كتاب "المذكرات"؛ لاستخراج القاعدة، وهذه الشواهد منها ما يحتج به من الشعر حتى عصر المولّضدين - أي: قبل سنة 150هـ وهي السنة التي توفي فيها آخر من يحتج به من الشعراء - أمَّا الشواهد من القرآن الكريم فهي مُعتمدة بكل القراءات المتواتِرة، أمَّا الاستشهاد بالحديث الشريف فيَحتاج إلى تفصيل، ويرى أن إغناء الدراسة بالشواهد ومُناقشتها أمر لا بدَّ منه في دراستِنا؛ وذلك لتمكين الملكة النحوية عند الطالب، وأنه اختار الشاهد المناسِب لفهم المعنى أولاً، ثم لموضع الاستشهاد وما يتَّصل به من قواعد نحوية، ومدى قيمة هذا الشاهد في الاحتجاج، وهذا منهجنا في الدرس طوال العام، وأنه أعطى الحرية للطالب في الاستفسار عن أمر لم يُفهم.

وأشار في المحاضرة الأولى أن مادة النحو لها منزلتها بين العلوم، وأنها مادة دقيقة تحتاج إلى مناقشة عقلية فهي كالرياضيات تعتمِد على الفرضية والبرهان والحجة لإعطاء النتيجة والقرار المناسِب.

ومرَّت الأيام ونحن نتابع الدرس تلو الدرس بشغف؛ لأننا رأينا في أستاذنا منهجًا متميزًا، مما جعلنا نُتابع كل صغيرة وكبيرة يقولها فنُسجِّلها، وهذا ما جعل درسه يُخيِّم عليه الوقار والإنصات.

وفي أحد الدروس دخل المدرج ونظر فإذا طالبة تجلس مع الطلاب في غير المكان المقرَّر لها، وربما وجد طالبًا يجلس في المقاعد الأمامية المخصصة للطالبات، فينظر نظرة استغراب لعدم الالتزام بالقانون الذي سَنَّه لهذا الأمر، وإذا به لا يتكلم وإنما يُشير بأصبعه للمُخالف في أن ينتقل إلى المكان المطلوب فما كان على المخالف إلا الامتثال.

وفي أحد الدروس يجد طالبًا يتحدَّث مع زميل له بشكل لافت للنظر، فيقف عن متابعة الدرس ثم يقول: أنت أنتَ ويُشير إلى هذا الطالب ويقول: بإمكانك أن تُصبح وزيرًا ولا تضيِّع وقتك ولا تضيِّع هذه الفرصة منك، فكثير من الوزراء اليوم لا يملكون الشهادة الثانوية، وكان ذلك في سنة 1965م، فيَخجل الطالب ويعود إلى صمته.

وإذا ألقى نكتة مرَّة في مناسبة ما كان الطلاب يَضحكون وترتفع أصواتهم بالضحك، إلا أنه يبقى ملتزمًا بوقاره وهيبته كعادته في الدرس يتابع ما بدأ به.

وربما يشاهد طالبين يتحدثان في الدرس أكثر من مرة فيقول لأحدهما وهو يعلم أنه من طلاب الكلية، أنت يا هذا، يُمكنك أن تتحدث مع ابن خالتك الذي أتيت به إلى هنا فتَذهبا إلى الحديقة، ويَضحك الطلاب ويعود الأستاذ إلى درسه وكأنَّ شيئًا لم يكن.

كان درسه بالطبع بالفُصحى، حتى الطلاب حينما يسألون يَجب أن يكون بالفُصحى.

كنتُ أخجل أن أسأله سواء في قاعة الدرس أو خارجه هيبةً له، وأذكر أني تقدمت إليه مرة وسألته عن مسألة في ورقة الامتحان، وذلك بعد خروجنا من صلاة المغرب في مسجد الجامعة، فأجابني باختصار مفيد وتابَعَ سَيره، ولا تسألني كم كانت دقات قلبي عندما تقدَّمت إليه للسؤال؛ لأني كنت أنظر إليه نظرة إجلال واحترام وهيبة؛ لأنه وضع نفسه موضعًا فيه عزة النفس وهيبة العلم.

جاءه طالبان اختلَفا في إعراب كلمة في ورقة الامتحان، فكان جوابه اذهبا إلى البيت وفكِّرا بالمادة التالية وانسيا هذه المادة؛ لأننا سنشرح ورقة الامتحان في موعد نُحدِّده لكم بعد النتائج، واشتغِلا بالمفيد، ولا تشغَلا بالَكما بما لا يُفيد.

سألني عمي الشيخ عبد الوهاب - رحمه الله - عن المواد التي أدرسها في الكلية، وعن أساتذتها، فذكرت له أنَّ أستاذ النحو هو الأستاذ محمد سعيد الأفغاني فقال: إذا رأيتَه فقل له: يُسلِّم عليك عمي.

والحق أقول: إني تهيَّبتُ أن أنقل سلامه، وخشيتُ أن يَظنَّ أن هذا السلام لحاجة في نفسي.

ومع هذه الهيبة فإنه في نهاية العام الدراسي الأول وذلك في آخر حصة من دروسه وجه إلينا نصائحه، عند دخول الامتحان وعند كتابة الإجابة على الأسئلة، لقد شعرت أن هذه النصائح كأنها موجَّهة من والد عطوف إلى ولده.

كانت شدته وحزمه في الدرس لكي يَلتزم الطالب بحرمة هذا الدرس، ولكي تصل المعلومة التي يُريدها لطلابه كاملة مفهومة، فإذا به في هذا اللقاء نجد عنده نظرات عطف ورأفة ومحبة، وإذا به يُطَمئن الطلاب بقوله: لا تخشوا من أي ظلْم، فالعدالة في التصحيح واجبة عليَّ، وإن الأسئلة ستكون من الكتاب نفسه (المذكرات) وكذلك الشواهد النحوية، وإن على الطالب الهدوء عند تسلُّم ورقة الامتحان وقبل الإجابة، وإن على الطالب أيضًا أن يستجمع أفكاره، وعليه قراءة الأسئلة بعيدًا عن الخوف. وألا يَنسى أن يتناول الطعام قبل الامتحان، كل ذلك ليُخفِّف من روعنا من الامتحان.

وبعد ظهور النتائج يُعين لنا ساعة في كل يوم محدَّد يأتي من يريد الاطِّلاع على ورقة امتحانه ويُشاهد أخطاءه، وليَعترض من يعترض ليجد العدالة كاملة.

عند استعراض بعض النتائج وجدت أن فيها الكثير أقلَّ من الصفر: - 5، - 10، - 15،... وعندما جاء طالب قائلاً: يا أستاذ أما أستحِقُّ أكثر من الصفر؟ أجابه قائلاً بكل ثقة: هل ظننتَ أن الصفر قليل؟ فكثيرون نالوا أقل من الصفر، والسبب في أن النتيجة تكون أقل من الصفر لأنه يحاسب على كل خطأ سواء كان إملائيًّا أو نحويًّا بخصم خمس درجات عن كل خطأ.

وإني بفضل الله وتوفيقه نلت عند الأستاذ الأفغاني في السنة الأولى في مادة النحو (83) وهذا مما أَفتخِر به وأحمد الله عليه.

وفي السنة الثانية درَّسنا الأستاذ الأفغاني مادتين: الأولى مُتابعة لمادة النحو في كتاب "مُغني اللبيب" الجزء الثاني في إعراب الجمل، والمادة الثانية: أصول النحو، وفي السنة الثالثة: الجزء الأول من "مغني اللبيب" الأدوات ومعانيها.

وما إن وصلنا إلى مُنتصَف السنة الثالثة حتى فوجئنا بأن المسؤولين في الجامعة أحالوا الأستاذ الأفغاني إلى التقاعُد بحجة بلوغه الستين فكم كان وقع هذا الأمر مؤلمًا لنا وقاسيًا علينا - نحن الذين أحببناه وتمنَّينا المتابعة معه - وعلمنا أنه كان من الممكن أن يُتابع الدرس حتى نهاية العام الدراسي وفق العرف الجامعي ولكنَّ خصومَه الذين كانوا على غير منهجه سياسة وعِلمًا أرادوا له غير ذلك.

وعندما ودَّعَنا في آخر درس له في الكلية أوصانا بوصايا ما زلتُ أَذكرُها؛ لأني حفظتها وقمتُ بتنفيذ ما أملاه علينا، فمما أوصانا به قوله:
لا تظنُّوا أن الواحد منكم عندما يتخرَّج من الكلية يصبح عالمًا في النحو أو الأدب أو...، بل نحن فتحنا لكم الطريق لتُتابعوا طلب العلم لتُصبحوا علماء.

وأما من حيث البحث العلمي، فإني أنصَح الواحد منكم إذا أراد أن يَختطَّ لنفسه منهجًا في البحث، أن يَختص بناحية معينة ليصبح مرجعًا فيها، وأشار إلى نفسه بأنه قد عمل وتابع البحث بكل ما يتعلق به من كليات وجزئيات عن السيدة عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما وعن الإمام ابن حزم، وبذلك استطعت أن أصل إلى نتائج مهمَّة عنهما، وهي أن المرأة لا تَصلُح للسياسة، وأن العالم يجب أن تكون عنده عزة النفس وأن يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم كما كان عليه ابن حزم.

وبعد أن نِلتُ شهادة الجامعة كنت ألتقي به في كثير من المناسبات، وبقيَتْ هيبته واعتزازه بعلمه وسلوكه متمثلةً في نفسي، وبعد اللقاءات المُتكرِّرة لمستُ عطفَه ومحبته لطلبته، وخاصة بعد أن زُرته مرةً في بيتِه وجرى الحديث في بعض مسائل الفقه الحنَفي، وكان قد سمع في جلسة من الجلسات التي كان يَجلسها مع عدد من إخوانه وأحبابه في دار الحديث الأشرفية بعد صلاة الجمعة أني تخرَّجت بالفقه الحنفي على عمي - رحمه الله - فجرى الحديث في مسألة في كتاب "مراقي الفلاح" وطلب مني أن أشرح له عبارة فيه، وكانت هذه العبارة مما نبَّهني إليها عمي - رحمه الله - وأنها تعتمِد على أصول الفقه، وأنها تحتاج إلى دربة وتحليل لفَهمها، وهذا من توفيق الله.

ثم تتابعت اللقاءات مع الأستاذ الأفغاني، وصار يتردَّد إلى مجمع اللغة العربية ويأتي إلى غرفتي مُباشرة بعد أن علم أني عُيِّنت في المجمع، فكان يطلب مني بعض المراجع لبحوثه، ويطلب ما صدر من كتب في المجمع، فأُلبِّي طلبه بكل افتخار وسرور، فهذا يدل على تواضعِه ومحبته لي، وهذا مما أفتخر به.

وفي أحد اللقاءات جرى الحديث عن قبر ابن قيم الجوزية وأنه سمع أن أحد المتنفِّذين يُريد اغتصاب القبر، فقلتُ: إني على علاقة جيِّدة مع مدير أوقاف دمشق، ويستطيع أن يُساعدنا في ذلك، ثم إننا ذهبنا معًا إلى المدير وعرَّفته بالأستاذ الأفغاني وبقضية التعدي على قبر ابن القيم، فرحَّب بنا ووعد بمتابعة الموضوع بنفسه، واستطاع أن يمنع هذا.

وبعد أن ذكرت ما حفظتُه مما رأيت وسمعت منه فإني أفتخر بأني كنتُ طالبًا عند الأستاذ سعيد الأفغاني، فقد كان له تأثير كبير في إتقاني للنحو، والبحث العلمي، والسلوك والاعتزاز بالعلم، والجد في التحصيل، ومتابعة البحث، فجزاه الله خيرًا.

والأستاذ الأفغاني من شيوخي وأساتذتي الذين أفتخر بهم وأقتدي بهم في منهجهم وسلوكهم، فلهم الفضل في نشأتي وتعليمي...

رحم الله الأستاذ سعيدًا الأفغاني، وجعله وشيوخي في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.

والحمد لله رب العالمين.




[1] للتوسع في حياته ومؤلفاته انظر كتاب: "سعيد الأفغاني حامل لواء العربية وأستاذ أساتيذها"؛ للدكتور مازن المبارك، دار القلم - دمشق.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/75209/#ixzz4z8iSE2lW


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
#صدر حديثًا: مراجعات في النحو العربي.. بحوث جديدة حول النحو والإعراب مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 12-05-2018 04:35 PM
يصدر قريبًا: كتاب" التأثيل والتأصيل في النحو العربي دراسة تاريخية مقارنة " مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 10-06-2018 09:00 AM
مبادئ علم أصول النحو ونبذة تاريخية عنه - بقلم: خالد السويفي خالد السويفي مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) 0 12-10-2017 12:46 AM
الشعر وثيقة تاريخية شمس البحوث و المقالات 1 03-16-2017 01:49 PM
النحو العربي وأثره في النحو العبري مصطفى شعبان مقالات مختارة 3 05-04-2016 09:33 AM


الساعة الآن 09:04 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by