توطئة تاريخية عن النحو العربي
الأستاذ سعيد الأفغاني
جاء الإسلام واللغة العربية مستكملة أدوات التعبير، ولها تراث أدبي حافل مفصح عن شتى المشاعر الوجدانية والاجتماعية، قد اتفقت الكلمة على الاعتداد بهذا التراث والإعجاب به منذ عصر الجاهلية حتى اليوم.
والعرب أمة فصاحة وبلاغة تتأثر بالبيان الرفيع والجملة الوجيزة الموحية، وكانت أسواق العرب في جاهليتها قد قامت بالاصطفاء من لغات القبائل، وأخذ الشعراء والبلغاء أنفسهم بما أجمعوا على استحسانه منها حتى تنافسوا في ذلك وأصبحت هذه اللغة المصطفاة هي المتفق على التعبير بها عما يخالج النفوس من أغراض وأحاسيس. وصرنا نسمع شبه هذا الإجماع على سلامة لغة قبائل الجزيرة والطعن بلغات أهل السواحل؛ لمخالطتهم الأجانب في الأسفار والتجارات.
فلما كانت الفتوحات واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب التي كانت تحت سيطرة الفرس والبيزنطيين والأحباش، ودخول كثير من هؤلاء في الإسلام، واضطرارهم إلى تعلم ما استطاعوا من العربية، وكان بين العرب الفاتحين وهؤلاء الشعوب اختلاط وأخذ وعطاء، تسرب الفساد إلى لغة كثير من العرب وبدأ يسمع لحن في التخاطب، قليلا في الأول ثم أخذ في الانتشار حتى لفت إليه أنظار المسئولين وغيرهم من أهل الحل والعقد.
يعتبر اللحن الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها؛ فقد كانت حوادثه المتتابعة نذير الخطر الذي هب على صوته أولو الغيرة على العربية والإسلام، ولا بأس من عرض تاريخي سريع لبعض أحداثه المتتابعة:
بوادر اللحن:
بدأ اللحن قليلا خفيفا منذ أيام الرسول على ما يظهر، فقد لحن رجل بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل" والظاهر أيضا أنه كان معروفا بهذا الاسم نفسه "اللحن" بدليل أن السيوطي روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: "أنا من قريش ونشأت في بني سعد, فأنى لي اللحن" وقد كان أبو بكر الصديق يقول: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن".
فإذا بلغنا عهد عمر رأينا المصادر تثبت عددا من حوادث اللحن. فتذكر أن عمر مر على قوم يسيئون الرمي فقرعهم فقالوا: "إنا قوم متعلمين" فأعرض مغضبا وقال: "والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم" سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" وورد إلى عمر كتاب أوله: "من أبو موسى الأشعري" فكتب عمر لأبي موسى بضرب الكاتب سوطا. والأنكى من ذلك تسرب اللحن إلى قراءة الناس للقرآن, فقد قدم أعرابي في خلافة عمر فقال: "من يقرئني شيئا مما أنزل على محمد؟ " فأقرأه رجل سورة براءة بهذا اللحن:
"وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ ... " فقال الأعرابي: "إن يكن الله بريئا من رسوله, فأنا أبرأ منه" فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أمير المؤمنين, إني قدمت المدينة ... وقص القصة فقال عمر: "ليس هكذا يا أعرابي" فقال: "كيف هي يا أمير المؤمنين؟ " فقال: {أن اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} فقال الأعرابي: "وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله منهم". فأمر عمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة. ولعمر تنسب تلك المقولة المأثورة: "تعلموا العربية؛ فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة".
ومر عمر برجلين يرميان فقال أحدهما للآخر: "أسبت" فقال عمر: "سوء اللحن أشد من سوء الرمي" فجعل إبدال الصاد سينا من اللحن.
وتكاد قصة بنت أبي الأسود تكون المعْلم المشهور في تاريخ النحو: فقد دخل عليها أبوها في وقدة الحر بالبصرة فقالت له: "يا أبت, ما أشدُّ الحر! " رفعت "أشد" فظنها تسأله وتستفهم منه: أي زمان الحر أشد؟ فقال لها: "شهرا ناجر".
فقالت: "يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك".
ونتقدم خطوة في الزمن فيقص علينا ابن قتيبة أن رجلا دخل على زياد فقال له: "إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا" فقال زياد: "ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك", وأن أعرابيا سمع مؤذنا يقول: "أشهد أن محمدا رسولُ الله" فقال: "ويحك، يفعل ماذا؟ ".
وأن أعرابيا دخل السوق "فسمعهم يلحنون فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون, ونحن لا نلحن ولا نربح! ".
وروى الجاحظ أن "أول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي "بدل عصاي" وأول لحن سمع بالعراق: حيِّ على الفلاح "بكسر الياء بدل فتحها"".
ثم شاع في العصر الأموي حتى تطرق إلى البلغاء من الخلفاء والأمراء كعبد الملك والحجاج, والناس يومئذ تتعاير به، وكان مما يسقط الرجل في المجتمع أن يلحن، حتى قال عبد الملك وقد قيل له: "أسرع إليك الشيب": "شيبني ارتقاء المنابر مخافة اللحن". وكان يقول: "إن الرجل يسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها, فإذا لحن انصرفت نفسي عنها" وكان يرى اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس.
والحجاج على أنه من الخطباء الأبيناء البلغاء, كان في طبعه تقزز من اللحن أن يقع منه أو من غيره، فإذا وقع منه حرص على ستره وإبعاد من اطلع عليه منه، ذكروا أنه سأل يحيى بن يعمر الليثي: "أتسمعني ألحن على المنبر؟ " فقال يحيى: "الأمير أفصح الناس إلا أنه لم يكن يروي الشعر" قال: "أتسمعني ألحن حرفا؟ " قال: "نعم، في آي القرآن" قال: "فذاك أشنع؛ وما هو؟ " قال تقول:
{قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } تقرؤها "أحبُّ" بالرفع، فأنف الحجاج أن يطلع له رجل على لحن, فبعث به إلى خراسان. وكان الحجاح يعجب بفصاحة يحيى هذا فسأله يوما: "أخبرني عن عنبسة بن سعيد: أيلحن؟ " قال: "كثيرا" قال: "أفأنا ألحن؟ " قال: "لحنا خفيفا" قال: "كيف ذلك؟ " قال: تجعل "أن, إن" و"إن, أن" ونحو ذلك. قال: "لا تساكني ببلد، اخرج", وكان الرجل إذا أراد أن يفلت من عمل للحجاج عاذ باللحن فنجا.
وهؤلاء تطرق إليهم قليل من اللحن لبعدهم عن قومهم في الجزيرة, مع أنهم نشئوا فيها وترعرعوا واكتهلوا، فلما كان من بعدهم عظم فشو اللحن فيهم حتى كان من أعظم المصائب في نفس عبد الملك أن ابنه الوليد لَحَّانة، وأنه أخذه بتعلم العربية فلم يفلح. ونقلوا عن عبد العزيز بن مروان الأمير الأموي المعروف وهو أخو عبد الملك لحنا، على أن عبد العزيز هذا وهو من أفصح الناس كان يعطي على العربية ويحرم على اللحن، حتى قدم عليه زوار من أهل المدينة وأهل مكة من قريش فجعل يقول للرجل منهم: "من أنت؟ " فيقول: "من بني فلان" فيقول للكاتب: "أعطه مائتي دينار" حتى جاءه رجل من بني عبد الدار فقال: "من أنت؟ " فقال: "من بنو عبد الدار" فقال: "تجدها من جائزتك" وقال لكاتبه: أعطه مائة دينار".
وقال عمر بن عبد العزيز: "إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن، ويكملني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها؛ التذاذا لما أسمع من كلامه". وكان يقول: "أكاد أضرس إذا سمعت اللحن".
"الأضداد لابن الأنباري ص245".
وهذا معاوية بن بجير والي البصرة تشغله لحنة الناعي عن مصيبته بأبيه, فيقدم إنكارها.
فأنت تجد مما تقدم أن الخوف على العربية له ما يفرضه من النُّذُر، وأنه تمكن في النفوس حتى تضافرت جهود العلماء وذوي السلطان على صيانة العربية، وأن الحرمان من المال أو العمل مما كان يصيب اللحانة، وأن فصاحة المرء قد ترفعه إلى الولايات والغنى, وتزيد شأنه عند أولي الأمر؛ وهذا من طرف السلطان كافٍ في الترغيب والترهيب. وسؤال الحجاج عن لحن بعض الناس ذوي الشأن مشعر باهتمام الحكومة والمجتمع بأمر اللحن, وذلك طبيعي من دولة قامت على العصبية العربية بعد أن رأت اللحن يفشو في الطبقات الرفيعة من الأمراء والحكام وأشراف الناس، وفي قصة بشكست النحوي تعبير واضح عن أمرين: فشو اللحن ونظرة المثقفين إليه، ولا بأس في إيرادها ففيها طرافة, وفيها ظرف:
"وفد بشكست النحوي على هشام بن عبد الملك، فلما حضر الغداء دعاه هشام، وقال لفتيان بني أمية: "تلاحنوا عليه" فجعل بعضهم يقول: "يا أمير المؤمنين, رأيت أبي فلان ... " ويقول آخر: "مر بي أبي فلان ... " ونحو هذا، فلما ضجوا أدخل يده في صحفة فغمسها, ثم طلى لحيته وقال لنفسه: "ذوقي، هذا جزاؤك في مجالسة الأنذال! ".
إلى هذا المدى بلغ أمر اللحن في المائة الأولى للهجرة والدولة عربية محضة، والعصبية ذات سلطان، والقوم حديثو عهد بجزيرتهم ولا تزال مجتمعاتهم تتناقل القول المشهور: "ليس للاحن حرمة" وتتعامل به، هذا عبد الملك بن مروان استأذن عليه رجل من عِلْية أهل الشام وبين يديه قوم يلعبون بالشطرنج فقال: "يا غلام، غطها" فلما دخل الرجل فتكلم لحن، فقال عبد الملك: "يا غلام، اكشف عنها، ليس للاحن حرمة". "الأضداد لابن الأنباري ص245".
وبيت الخلافة أعرق بيوت قريش شرفا ومجدا وبلاغة وأقواها عصبية وعروبة, والعرب -كما قرر ابن جني-
أشد استنكارا لزيغ الإعراب منهم لخلاف اللغة، فقد ينطق بعضهم بالدخيل والمولد, ولكنه لا ينطق باللحن.
ولذلك اشتد بلال بن أبي بردة على خالد بن صفوان لما رآه يلحن في حديثه العفوي معه فقال له: "أتحدثني أحاديث الخلفاء, وتلحن لحن السقاءات؟! " فلنحاول تبيان ما اختط أهل العربية من خطط يعالجون بها استفحال الداء، وهل كانوا إلى الشدة حين شرطوا للاحتجاج تلك الشروط التي أسقطت الاحتجاج بكلام كثير من العرب حتى في زمن الجاهلية؟
تصنيف العرب من حيث الوثوق بسلامة لغتها:
من يحتج به:
يراد بالاحتجاج هنا إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة أو تركيب، بدليل نقلي صح سنده إلى عربي فصيح سليم السليقة على ما سيأتي تفصيله في موضعه.
وإنما احتاج القوم إلى الاحتجاج لما خافوا على سلامة اللغة العربية بعد أن اختلط أهلها بالأعاجم إثر الفتوح, وسكنوا بلادهم وعايشوهم، فنشأ عن ذلك بسنة الطبيعة أخذ وعطاء في اللغة والأفكار والأخلاق والأعراف. وتنبه أولو البصر إلى أن الأمر آيل إلى إفساد اللغة وضياع العصبية من جهة، وإلى التفريط في صيانة الدين من جهة ثانية، إذ كانت سلامة أحكامه موقوفة على حسن فهم المستنبط لنصوص القرآن الكريم والحديث الشريف, وكان في ضعف العربية تضييع لهذا الفهم.
بحث علماء العربية فيمن نقل الرواة عنهم من أهل المدر والوبر قدماء ومحدثين, وتقصوا أحوالهم ونقدوها، فاجتمعوا على الاحتجاج بقول من يوثق بفصاحته وسلامة عربيته، ونحن عارضون لأصناف هؤلاء زمانا ومكانا وأحوالا.
فأما الزمان, فقد قبلوا الاحتجاج بأقوال عرب الجاهلية وفصحاء الإسلام حتى منتصف القرن الثاني سواء أسكنوا الحضر أم البادية. أما الشعراء فقد صنفوا أصنافا أربعة: جاهليين لم يدركوا الإسلام, ومخضرمين أدركوا الجاهلية والإسلام، وإسلاميين لم يدركوا من الجاهلية شيئا، ومحدثين أولهم بشار بن برد. وشبه الإجماع انعقد على صحة الاستشهاد بالطبقتين الأوليين واختلفوا في الطبقة الثالثة، وذهب عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب إلى جواز الاستشهاد بها أما الطبقة الرابعة فلا يستشهد بكلامها في علوم اللغة والنحو والصرف خاصة، وكان آخر من يحتج بشعره على هذا الأساس بالإجماع إبراهيم بن هرمة "70-150هـ" الذي ختم الأصمعي به الشعر. أما أهل البادية فقد استمر العلماء يدونون لغاتهم حتى فسدت سلائقهم في القرن الرابع الهجري.
وعلى هذا "أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين, والمحدثين في اللغة العربية".
وأما المكان أو بعبارة أخرى القبائل، فقد اختلفت درجاتها في الاحتجاج على اختلاف قربها أو بعدها من الاختلاط بالأمم المجاورة، فاعتمدوا كلام القبائل في قلب جزيرة العرب، وردوا كلام القبائل التي على السواحل أو في جوار الأعاجم، وإليك تصنيف أبي نصر الفارابي لهم في الاحتجاج:
أ- "كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا وأبينها عما في النفس.
والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم:
قيس وتميم وأسد, فإن هؤلاء هم الذين أخذ عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف.
ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين, ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
ب- وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم:
لم يؤخذ من لخم ولا من جذام؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط.
ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام, وأكثرهم نصارى يقرءون بصلاتهم بغير العربية.
ولا من تغلب ولا النمر؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية.
ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس.
ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا من سكان البحرين مخالطين للهند والفرس.
ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس.
ولا من أهل اليمن أصلا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة, ولولادة الحبشة فيهم.
ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم.
ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب، قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم وكأن هذا التصنيف حاز القبول وجرى عليه العمل وكان الخروج عليه مدعاة إلى النقد، ولما اعتمد ابن مالك على لغات لخم وجذام وغسان، تعقبه باللوم أبو حيان فقال في شرح التسهيل: "ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن".
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: "لا أقول: "قالت العرب" إلا ما سمعت من عالية السافلة وسافلة العالية" يريد ما بين نجد وجبال الحجاز حيث قبائل أسد وتميم وبعض قبائل قيس, بل كان عثمان يقول: "لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف".
وأما أحوال هؤلاء العرب المحتج بهم فخيرها ما كان أعمق في التبدي وألصق بعيشة البادية؛ ولذا كان مما يفخر به البصريون على الكوفيين أخذهم عن الأعراب أهل الشيح والقيصوم وحرشة الضباب وأكلة اليرابيع, ويقولون للكوفيين: "أخذتم عن أكلة الشواريز وباعة الكواميخ". وقد نص الفارابي بعد قوله المتقدم آنفا على صناعة هؤلاء الأعراب وصفاتهم فقال: "كانت صنائع هؤلاء التي بها يعيشون الرعاية والصيد واللصوصية، وكانوا أقواهم نفوسا وأقساهم قلوبا وأشدهم توحشا وأمنعهم جانبا وأشدهم حمية وأحبهم لأن يَغلبوا ولا يُغلبوا، وأعسرهم انقيادا للملوك, وأجفاهم أخلاقا وأقلهم احتمالا للضيم والذلة".
وتستطيع أن تجعل مرد الأمر كله -بعد ما تقدم لك- إلى الوثوق من سلامة لغة المحتج به وعدم تطرق الفساد إليها، وهذا هو الضابط في التصنيف الزماني والمكاني اللذين مرا بك، فأنت تعلم إسقاط العلماء الاحتجاج بشعر أمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد العبادي, وحتى الأعشى عند بعضهم؛ لمخالطتهم الأجانب وتأثر لغتهم بهذه المخالطة، حتى حمل شعرهم عددا غير قليل من ألفاظ ومصطلحات لا تعرفها العرب، وكل هؤلاء شعراء جاهليون؛ بينما يذهب فريق إلى الاحتجاج بكلام الشافعي المتوفى في القرن الثالث للهجرة، حتى نص الإمام أحمد بن حنبل على أن "كلام الشافعي في اللغة حجة" لسلامة نشأته, وتقلبه في البيئات العربية السليمة. قيل لبشار: "ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم وشك فيه، وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه! " قال: "ومن أين يأتيني الخطأ؟ ولدت ههنا ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت؛ فمن أين يأتيني الخطأ؟ ".
وكلمة بشار هذه دليل قاطع على وجود بيئات في المدن سليمة من اللحن لزمنه في المائة الثانية للهجرة.
ويعجبني كثيرا قول ابن جني في هذا الموضوع في باب "ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر":
"علة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يرد عنها، وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا؛ لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا، وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك, ويقدح فيه.."